أم وأبو اسماعيل حمد الإسم الآخر للضمير الشعبي الفلسطيني – نضال حمد

 من ذاكرة المخيمات والنضال والتضحيات …

أم وأبو اسماعيل حمد الإسم الآخر للضمير الشعبي الفلسطيني – بقلم نضال حمد

 بعد انتهاءي تقريباً من تلقي العلاج في مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت نهاية سنة 1982، وخروجي منه . كنت حقيقة قد مللت وسئمت من البقاء على سرير المستشفى وذلك عقب مرور شهور على الاقامة هناك. عند الخروج كما طيلة أيام العلاج كان برفقتي أخي ورفيقي وصديقي خالد الراشد. كما لا أذكر الآن هل في ذلك اليوم البارد كان معنا أيضاً الصديق الراحل وائل الخطيب أم لا. نمنا ليلتنا الأولى خارج الجامعة الأمريكية في فندق قريب أمنه لنا الرفيق علي عزيز (أبو باسل)، رفيق الدرب والنضال، أحد قادة الجبهة الشجعان وعضو لجنتها المركزية في ذلك الوقت، الذي زارني في غرفتي بالمستشفى بالرغم من مخاطر الزيارة وإمكانية اعتقاله من قبل أمن الدولة، الذي كان يلاحقه ويبحث عنه، لأعتقاله كما اعتقل في ذلك الوقت الرفيق أبو نضال الأشقر، أحد قادة الجبهة وعضو لجنتها المركزية، الذي يشغل الآن منصب الأمين العام للجبهة. استطاع علي عزيز تأمين غرفة في الفندق عبر رفيق وصديق له وللجبهة من الضباط الوطنيين واليساريين في الجيش اللبناني. حسب ذاكرتي قضينا ليلة واحدة في الفندق ثم غادرناه لأسباب أمنية بناء على نصيحة الضابط نفسه، حيث كان الجيش اللبناني (جيش بشير الجميل) في ذلك الوقت بالذات تحت سيطرة فاشيي القوات اللبنانية وحزب الكتائب وآل الجميل. كانت تسيره وتحكمه وتتحكم به عصاباتهم المجرمة المعادية للفلسطينيين وللوطنيين واليساريين والتقدميين والعروبيين والقوميين اللبنانيين.

بعد الخروج من الفندق تم استقبالنا في منزل عائلة العم أبو اسماعيل حمد في مخيم شاتيلا الجريح، فالدماء التي سالت في المجزرة كانت لم تجف بعد في أزقة وحارات وشوراع وطرقات وزواريب المخيمين، صبرا وشاتيلا. تمت استضافتنا مع رفاقي في بيت العم أبو اسماعيل لشهور كاملة وكأننا جزء من العائلة. احتضنتنا العمة أم اسماعيل برعايتها كما كانت تعتني بأبنائها وبناتها. بنفس الوقت قامت بإحتضاننا كل العائلة فكانت عائلتنا أيضاً

في ذلك الوقت العصيب على شعبنا كان كل من يأتي من المخيم، أو من رفاقي وأصدقائي من مخيم عين الحلوة لزيارتي أو لأنه مقطوع وليس له مكان ينام فيه، يتم استقباله في بيت العم جميل الزين – أبو اسماعيل حمد. من الذين تم استقبالهم ليس فقط فلسطينيين، هناك ايضاً مناضلين ومقاتلين عرب عراقيين وسوريين، رفاق لي من جبهة التحرير الفلسطينية، منهم مرافقين لأمينها العام طلعت يعقوب، كما منهم الرفيق أبو صطيف العراقي (لا أدري ما حل به بعد مغادرته شاتيلا سنة 1983)، تم استقباله وايوائه هناك. كذلك الرفيق أبو حسن السوري وآخرين لم أعد أذكرهم. حتى المتضامنين الأوروبيين والأجانب كانوا يأتون الى منزل دار العمة أم اسماعيل حمد لمعرفة المزيد عن شعب فلسطين وعن معاناة أهل المخيمات. فتعرفت العائلة على متضامنين ومتضامنات من النرويج وايطاليا وفرنسا وغيرها من الدول. تشهد على ذلك الممرضة المتطوعة النرويجية “رانغهيلد سميثي” الملقبة ب – ريما – والتي أصبحت بعد سنوات من عملها في شاتيلا رئيسة للجنة التضامن النرويجية مع شعب فلسطين -باليستينا كوميتي-  حيث التقيت بها في النرويج سنة ١٩٩٢، يعني بعد عشر سنوات من لقائنا الأول في دارة العم أبو اسماعيل حمد بمخيم شاتيلا. لم أعد أذكر بالضبط لكن باعتقادي أن الأخ جهاد ورد هو الذي أحضر ريما النرويجية من مستشفى عكا وعرفها علي في منزل فلسطين الكاملة في شاتيلا.

بعد مغادرتي مخيم شاتيلا وسفري للعلاج خارج لبنان استمرت عائلة العم أبو اسماعيل في استقبال الشباب في بيتها ومعاملتهم كأفراد العائلة.. بالرغم من أن أوضاعها المالية لم تكن جيدة بل عادية جداً. عداك عن استقبال كثيرين من شباب بلدتنا الصفصاف وليس فقط، بل أيضا من شباب مخيمنا. مهما تحدثنا عن دار العم أبو اسماعيل سنبقى مقصرين. فهم كانوا خير سفراء لفلسطين في أوقات الضيق والصعاب وفي زمن الحرب والمجازر والحصار والملاحقات …

نحن نكتب شهادات للتاريخ، شهادات عشناها وعرفناها بأدق تفاصيلها. شهادات كتبت بالدمع وبالدم وبالعرق وبالايمان وبالانتماء وبالوفاء… فليت كل من زار ذلك البيت وعرف تلك العائلة وارتشف شاياً أو قهوة هناك أن يتذكر تلك اللحظات ويحكي عنها لأطفاله وربما لأحفاده، فقد مرت عليها عشرات السنين، هرمنا نحن ومات الكبار وبعض الأصغر منهم سناً كذلك ماتوا، ومات العم أبو اسماعيل وكانت سبقته الى الموت العمة أم اسماعيل، رحمهما الله وغفر لهما.

هذه القصة من حكايات شعبنا وأصالته تبقى للتاريخ خالدة ومثالا يحتذى به. فقصوها وأسردوها على مسامع أطفالكم كي يعلموا أن شعباً أنجب الوالدة علياء والوالد جميل، أم وأبو اسماعيل حمد وعائلتهما الفلسطينية لا يموت ولا بد أن ينتصر.

في هذا الصدد وفي شهادة له على تلك الحقبة من الزمن بتوقيت جميل الزين وعلياء العبد حمد، كتب شقيقي الشيخ جمال حمد من مخيم عين الحلوة، في فيسبوك معلقاً على ذلك:

((كانت أم المنفيين من شباب عين الحلوة كلهم … كانت أم الكل وست الكل

لبيت العم أبو اسماعيل حمد فضل عظيم على كل شباب عين الحلوة الذي اضطروا للهجرة الى شاتيلا أيام الاحتلال “الاسرائيلي” لمخيم عين الحلوة ولجنوب لبنان.

كان بيت العم أبو اسماعيل رغم صغره وتواضعه يمثل مضافة بمساحة قارة أو مجرة كاملة لمن ضاقت بهم السبل في الغربة. كانت مضافة للمنفيين وأستحق بها أبو اسماعيل وأم اسماعيل حمد لقب مختار فلسطين والمهجر وليس فقط مختار الصفصاف والجليل والشتات.

للعم أبو إسماعيل كلمات خالدة في الشهامة قالها يوم وصلت الى شاتيلا بعد مطاردة اليهود (الاحتلال الاسرائيلي) لي وتمكني من عبور الحدود بفضل الله مشيا على الأقدام

أقام أبو اسماعيل عزيمة كبيرة وصرح قائلا ببساطته: “الحاضر يبلغ الغايب أي فلسطيني مقاوم لليهود وأي فلسطيني يحاول اليهود إجباره للتعامل معهم فليرفض. أخبروه أن بيت أبو اسماعيل حمد في مخيم شاتيلا مفتوح لكل مطلوب وشريد آكل شارب نايم”. قالها وفعلها، رغم أنه كان فقيراً وما كان غنياً واستضاف العشرات ولأيام وأيام ولأسابيع وووو.

اللهم اجعل هذا المواقف وغيرها شفاعة له ولزوجته ولأحبته يا رب العالمين

واختم بالحديث الشريف

(لا يشكر الله من لا يشكر الناس)

وعلى كل من شهد تلك الأيام وتذوق طعم الضيافة في زمن الفقر والحاجة والغربة والآلام أن يكتب شهادته حتى نُساهم في إحياء قيم النخوة والشهامة والأصالة في زمن الوهن والخنوع والانانية والتبعية والمذلة والهوان. اللهم ارحمهما وتجاوز عنها وتقبل منهما وارفع درجتهما

اللهم.))

نضال حمد

20-2-2021