إضاءات على رواية الاخوة كارمازوف – فتحية عبد الفتاح

إضاءات على رواية الاخوة كارمازوف لأيقونة الأدب الروسي دوستويفسكي – بقلم: فتحية عبد الفتاح

يُعتبر الأدب الروسي من أجود وأجمل وأقدم أنواع الأدب وأفضلها عالميًا يعود تاريخه الى العصور الوسطى، يتميَّز بالكلاسيكية، يميل للسرد القصصي السلس، ادب واقعي، خالي من الخيال والتعبيرات الدرامية المبالغ فيها.

الاخوة كرامازوف، رائعة فيودور دوستويفسكي، من روائع الادب الروسي والعالمي، ترجمها عن الروسية الى العربية كونستانس غارنيت، وقام بتعريبها أدوار أبو حمرا، وقد صدرت عن دار الحكايا للطباعة والنشر والتوزيع عام 2010.  تقع الرواية الأصلية في ثلاثة مجلَّدات نُشرت أجزاء منها في مجلَّة الرَّسول الروسية، وكانت آخر أعمال الكاتب دو ستويفسكي حيث توفي بعدها بأربعة أشهر.

رواية فلسفيَّة عاطفية، بل دراما روحيَّة للنِّضال الإنساني والأخلاقي، الذي يتعلق بالشك والايمان، الخير والشر، حيث يركّز فيها الكاتب على فكرة الخلاص، والهروب من الأفكار الشريرة والسلبية. حظيت الرواية باهتمام واسع كونها الأكثر تأثيرًا وجدلًا، أخذت الكثير مِن الشَّرح والتَّحليل، وصَفها سيغموند فرويد بانها أفضل مَن كتب وحلَّل النَّفس البشرية.

تحكي الرّواية قصة صراع فكري، فلسفي، وحضاري بين أفراد أُسرة روسيَّة، من الطبقة الوسطى، التي تتمتَّع بقسط لا بأس به من الثقافة، وتناقش العُلاقات الأُسريَّة بين أفرادِها: الاب ثيودور، رجل ماجن شهواني سكير يمثل الجانب الشيطاني من الإنسانية، الابن البكر ديمتري شبيه والده في الاستهتار، يعيش حالة انفصام “شيزوفرينيا” متَّهم بقتل والده. إيفآن المثقَّف لا يُؤمن بالأديان جميعها ويعتبر نفسه مُلحدًا، اليوشا او ألكس، راهب في كنيسة، رجل دين مسيحي يمثّل حالة الخلاص من وجهة نظر المؤلف، حيث وجد فيه المحبة والسلام. سميردياكوف،الابن الغير شرعي، مصاب بالصرع، اتخذه الكاتب كوسيلة لإظهار زيف مثاليتهم وإظهار حقيقتهم هو بمثابة مرآه تعكس دواخلهم وهو يمثل الطيبة والبراءة .غروشنكا المرأة العاهره التي أحبها ديمتري الابن وغريمه الاب فيودور.

ألاخوه كارامازوف، هي رواية فلسفيَّة عاطفيَّة من القرن التاسع عشر، من أهم أعمال دوستويفسكي الأدبية، من أكثر الروايات العالمية المثيرة للجدل، نالت الكثير من التحليل والنقاش، أبهرت ألعديد من ألشخصيات العالمية، حتى قال عنها سيغموند فرويد أنَّها أفضل من شرح وحلّل النَّفس البشرية بل هي أهم عمل فنّي بشري في تاريخ الادب. آخرون قالوا هي أشبه بوصيّة أدبية وُصِفت ضمن الأعمال الفنية الخالدة، وكانت اخر اعماله الأدبية، تقع الرواية في ثلاثة مجلدات.

يطرح الكاتب قضايا وأفكار ونقاشات فلسفية عميقة، كانت تملأ رأس الكاتب، وتتصارع داخله، محاولا من خلال شخوص الرواية إيجاد اجوبة تشفي غليله، مثل قضايا الايمان والالحاد، الخير والشر، الانسان والدين، والعلاقات الأسرية التي أفرغها دوستويفسكي في روايته، كأسئلة وأفكار فلسفية.

روعة الادب ان الكاتب لا يجيب عن الأسئلة المقلقة له ولا يفصح عما حدث أو ماذا سيحدث الا من خلال شخصيات الرواية، ليخبرنا ماذا سيحدث للنفس البشرية في تلك اللحظة الوجودية، كما جاء على لسان ديمتري ألابن البكر، المتهم بقتل والده، حين قال “إذا كان قتل الاب متحاملًا؟ وإذا كلّ طفل سيسأل والده لماذا يحبّه، فماذا يحدث لنا؟ ماذا سيصبح أسس مجتمعنا؟ ماذا سيحدث للعائلة؟

وفي سؤال أعمق يتساءل “متى يُصبح الانسان مذنبًا؟ حين يفكر في ارتكاب المعصية أم حين يشرع في تنفيذها؟ سؤال يطرحه الكاتب قد يصل من خلاله الى جواب وقد لا يصل.

آمَن الكاتب بالقدرة الإلهية في إنقاذ البشر، كما جاء في الرواية قوله: كيف للإنسان ان يكون فاضلًا بدون وجود الله؟ قد يصل إلى جواب وقد لا يصل.

ركَّز الكاتب على فكرة أنَّ النَّفس البشرية مزيج من التناقضات، تتصارع فيها قوى الخير والشر، الشك واليقين، الايمان والالحاد، لسنا ملائكة ولا شياطين، لكن هناك في اخر النفق المظلم تقف الحقيقة، وهي وجود الله. الخلاص، المخلّص الّذي عبَّر عنه الكاتب في شخصية اليوشا الابن الأصغر، وهو راهب ورجل دين في الكنيسة، يمثل الطيبة والبراءة وحالة الخلاص والسَّلام

آمن الكاتب أنَّ على كل فرد تحمُّل خطاياه، كما جاء على لسان دمتري اثناء محاكمته ص 557 ” أقبل عذاب التُّهمة وخجلي العام، اريد ان اعاني، وبالمعاناة اطهَّر. ” ويكمل ” اقبل بالعقاب ليس لأني قتلته، ولكن لأنني قصدت قتله وربما كنت سأقتله سأحارب حتى النهاية وعندها الله سيقرر”.

كما آمن أنَّ مِن الألَم والمعاناة والحزن العميق، “ننهض ثانية لنفرح، وبدون ذلك لن يعيش الانسان، ولن يوجد الله، لأن الله يعطي الفرحة، وما نفع وجودنا بدون الله؟” كما جاء على لسان الأخ الأكبر ديمتري، المتهم بقتل والده “أقبل عذاب التُّهمة، وخجلي العام، أريد أن أعاني وبالمعاناة أطهر، يا رب إقبلني رغم خطأي، لا تحكُم عليَّ ما دمتُ قد حكمتُ على نفسي بنفسي”.

انتهت الرواية بمحاكمة واقعية، لكن دون جواب حكم، بل تُرك الحُكم الفعلي للقارئ. عندما بدأت بقراءة الرواية شعرت بالمَلل، لم أجد فيها أحداثا مثيره مشوقه، او تفاصيل مهمه، حتى الأسئلة التي طرحها الكاتب كانت تبدو لي عاديه، ليست ذات أهمية، وقد يعتبرها القارئ انَّها تافهة، لا تستحق كل هذا النقاش، أو الإعجاب الا أنَّ التحليلات النفسية والأفكار العميقة والغوص في سَبر أغوار النَّفس البشرية أعطى للرواية قيمةً وزخمًا فكريًا عميقًا وفلسفيًا

استطاع الكاتب ان يكشف لنا طبيعة النفس البشرية بكل قبحها وحقيقتها، وكان محقًا بذلك نحن لسنا ملائكة ولا شياطين، ولكننا بشر أي أنَّ بداخلنا الخير والشر نرتكب المعاصي ولكننا نحاول دائما الوصول الى الخير وأحيانا نسقط في أخطائنا.

خلاصة القول انَّ الكاتب أراد ان يُظهر لنا أهميّة الايمان بالله، وهو طريق الخلاص للبشرية، آمن بالقُدرة الالاهيَّة، على انقاذ الناس من الخطيئة، وأنَّ النَّفس البشرية، مليئةً بالتناقضات والصراعات بين الخير والشر وأنَّ الحقيقة تقف دائمًا في الوسط.

لاحظتُ أنَّ الكاتب لم يستعمل أسلوب السَّرد، بل أخذ أسلوب المُخاطبة الفرديَّة أعطى لكل بطل من أبطال الرواية الفرصة بالتعبير عن أعماق شخصيته، وما يدور في رأسه، وكأني به قد حاك ديباجةً مزركشةً تحمل بين ثناياها الكثير من الرَّسائل والقضايا التي آمن بها الكاتب وأراد أن يوصلها للقارئ ومن هذه الرسائل: ان على الانسان أن يميز بين الخير والشر بنفسه، مستلهما حكم قلبه.

التعوّد على الشر هو ما يجب أن نحزن له، ص 700 ” نحن مُعتادون على مثل هذه الجرائم ذلك مرعب جدًا تلك الاعمال السوداء لم تعُد تخيفنا ما يخيفنا هو أنْ نعتاد عليها “لا تتردد في التمييُّز حتى لو بقيتَ وحيدًا

أدهشتني الرواية، بعمقها وفلسفتها وطريقة طرحها، وتركتْ في نفسي أعمق الأثر، فلا يسعني الا ان أقول بودي أن أُعيد قراءتها لشدة ما أثَّرت بي، وكأنّي واحدة من شخصيّاتها، إنَّها ديباجة فلسفية بامتياز عميقة، وجميلة، ناقش من خلالها أمور فلسفية، ودينية، عبَّر عنها الكاتب بعبقرية فذَّة.

أتَّفق معه في قوله، ان الله هو الخلاص والأمان للبشرية، وهنا أستشهد بأبيات للشاعر محمد إقبال من قصيدة “حديث الروح”، التي غنتها سيدة الغناء العربي كوكب الشرق ام كلثوم جاء فيها:

إذا الايمان ضاع فلا أمان          ولا دُنيا لمن لم يحي دينه

ومَن رضي الحياة بغير دِين          فقد جعل الفَناء لها قريبا

فلَم أر غير حُكم الله حكما             ولم أر دون باب الله بابا