اتـحـاد كـتـاب روسـيـا يكرم ويمـنـح الـعـضـويـة الـشـرفـيــة لأحمد الخميسي– رشا أحمد

كــرمــه اتـحـاد كـتـاب روسـيـا بـمـنـحـه الـعـضـويـة الـشـرفـيــة
أحمد الخميسي : التكريم الحقيقي أن أكتب شيئا يستحق البقاء
جريدة الشرق الأوسط – رشا أحمد
-تم تكريمك مؤخرا من جانب اتحاد كتاب روسيا ومنحك عضويته الشرفية لجهودك في ترجمة الأدب الروسي ، كيف ترى هذا التكريم وأين تضعه في مجمل سياق تجربتك؟
-كل تكريم هو التفاتة طيبة أشبه بجرعة ماء تهبط على رحالة يواصل المسير تحت حرارة الشمس. بهذا المعنى أسعدني أن ينتبه اتحاد كتاب روسيا لما قمت بترجمته وما كتبته عن الثقافة الروسية، خاصة أنني قمت بما قمت به من دون أن أبتغي شيئا سوى تعميق الصلة الروحية بين الإنسان العربي والروسي، وهي صلة عريقة جرت مياهها في قنوات عديدة، وقد لا يعرف البعض أن أول بعثة مصرية إلى روسيا كانت عام 1837 حين أرسل محمد علي طالبين لدراسة التعدين هناك لكي يتمكن من استخراج الذهب من مناجم فازولي في السودان. وأرى أن التكريم لحظة لالتقاط الأنفاس خلال مسيرة.
– برأيك لماذا ارتبطت الثقافة العربية بالأدب الروسي طويلا عبر الترجمة و النشر ولماذا أوليت عناية خاصة لترجمة الأدباء الروس الممنوعين من النشر في عهود سابقة ؟
– ارتباط الثقافة العربية بالثقافة الروسية يكاد أن يكون مفهوما، لأن روسيا هي البلد الأوروبي الوحيد الكبير الذي تكونت ثقافته وتفتحت بفضل تضافر الثقافة الآسيوية والأوروبية، لذلك يظل في الأدب الروسي جانب شرقي واضح، قريب لنا، سواء أكان ذلك في الموسيقا أو الأدب. أيضا تأثر الأدب الروسي بالثقافة العربية فقد كتب بوشكين أمير الشعراء الروس قصيدة طويلة بعنوان : ” من قبس القرآن”، وترجم ليف تولستوي صاحب رواية ” الحرب والسلام” ما أعجبه من أحاديث الرسول ( صلعم) إلى الروسية وعلق عليها في كتاب خاص. اهتمام الروس أنفسهم بالشرق قديم، واهتمامنا بالروس أيضا، وبآدابهم، وثقافتهم. أما عن أنني ترجمت أدباء روس كانوا ممنوعين من النشر في الاتحاد السوفيتي فقد قمت بذلك للتعريف بوجه آخر للأدب الروسي، غير الوجه الدعائي الذي حاولت الدولة هناك تعميمه في مرحلة ما. وكان من المؤلم لي أن أقرأ أدباء عظام مثل يوري كازاكوف ولا أجد له ترجمة إلى العربية، لذلك اخترت أولئك الكتاب بحب وتقدير في محاولة لانصافهم وإن كانت محاولة بسيطة.
-كيف ترى جهود الجيل الجديد من المترجمين العرب في نقل الأدب الروسي حيث صدرت على سبيل المثال ” يوميات تولستوى ” لأول مرة كاملة في ستة مجلدات عن الروسية مباشرة بجهد فردي للمترجم الشاب يوسف نبيل؟
– الحلقة الأولى من المترجمين الذين شرعوا في الترجمة من الروسية مباشرة ضمت أسماء كبيرة مثل د. أبو بكر يوسف الذي ترجم روائع أنطون تشيخوف وغيره، وأيضا ضمت اسم الروائي العراقي غائب طعمة فرمان، وعبد الله حبا ، وغيرهم. إلا أن عطاء تلك الحلقة الأولى قد توقف بفعل السن، وظلت الساحة خالية تقريبا حتى ظهر لدينا مترجمون جدد من الشباب أمثال نبيل رشوان، ويوسف نبيل، وغيرهما، وعليهم الآن يقع عبء مواصلة ما بدأه جيل الرواد من عقد الصلة المباشرة بين القاريء العربي والكاتب الروسي. في هذا السياق أتمنى لهم النجاح والاستمرارية والتوفيق.
-لكن ألا ترى أنه آن الآوان كي ينفتح الأدب العربي على آداب أخرى غير مركزية مثل آداب إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وأمريكا اللاتينية ويتجه لآداب وثقافات قد تكون أقل شهرة لكنها تحتوى على تجارب مدهشة ؟
– نعم هو سؤال في موقعه تماما. فقد ظلت حركة الترجمة تلهث طويلا وراء آداب البلدان الأوروبية خاصة الأدب الانجليزي والفرنسي، والآن يظهر بقوة الاهتمام بالأدب الإسباني وفي هذا المجال برز بقوة اسم مارك جمال كمترجم قدير، لكن تظل علاقاتنا بالآداب الأخرى ضعيفة، على سبيل المثال نحن لا نعرف إلا القليل عن الأدب في بلدان أفريقيا، أو في أندونيسيا، أو حتى الأدب في الصين بلد المليار نسمة. وهذا يرجع في اعتقادي لغياب التخطيط المركزي للشئون الثقافية، والتخطيط المركزي للبعثات العلمية، لأنه من دون مبعوثين يدرسون لغات الأمم التي نتحدث عنها لن تكون هناك ترجمة لآداب تلك الأمم. نعم، آن الأوان أن نخرج من حصار الأداب الأوروبية العظيمة لنرى العالم بعيون الآداب الأخرى.
-هل لا يزال بعض كبار الأدباء العالميين ينظرون بتعال إلى الأدب العربي كما حدث مع الكاتب الروسي جينكيز ايتماتوف الذي أجريت معه حوارا لكنك لم تنشره بسبب لهجته الاستعلائية ؟
– نعم. أجريت حوارا مطولا مع أيتماتوف وحين سألته إن كان قد قرأ شيئا من الأدب العربي، قال لي : ” حين يكون لديكم كاتب مثل جابريل ماركيز سوف نقرأ الأدب العربي”، ومزقت الحوار ولم أنشره، وبعد لقائي به بعام واحد فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، فكدت أجن فرحا، وجمعت كل ما كتب عن نجيب محفوظ بالروسية في كتاب بعنوان ” نجيب محفوظ في مرآة الاستشراق السوفيتي”، وكان الكتاب في الكثير من أسبابه ردا على التعالي غير المبرر. وبصفة عامة أن هناك تلك النبرة لدي الأدباء الأوروبيين، وهم إلى حد ما معذورون في ذلك، لأنهم لا يجدون تحت أياديهم آدبنا العربي مترجما لكي يتعرفوا إليه، وكل ما لديهم كتابان مركزيان تركا في أوروبا أثرا بالغا :” القرآن الكريم”، و” ألف ليلة”.
– تعرضت للاعتقال في نهاية الستينيات بسبب مشاركتك في المظاهرات الطلابية التي كانت تساند عمال مصانع حلوان ، ما الذي يبقى من تلك التجربة وإلى حد ينفصل أو يتصل السياسي و الثقافي في تجربة الكاتب ؟
– تجربة السجن تجربة غريبة ، أضيفها في التجارب الإنسانية إلى تجربة الحب، أو الوقوف على حافة الموت، أو الميلاد من جديد. هي تجربة خاصة حتى أكاد أن أقول إنه لابد لكل كاتب من تلك التجربة. المؤكد أن الانسان لا يخرج من السجن كما دخله أبدا، إما أن شيئا فيه ينكسر أو يصبح أشد صلابة، وفي الحالين فإنه يغادر السجن وفي روحه علامة من الجدران التي أطبقت عليه، ومن أنه كان مرغما على أن يدوس عمره بقدميه ذهابا وإيابا من باب الزنزانة إلى الجدار المقابل وبالعكس. الاعتقال أو السجن هي الطريقة التي يجبرونك بها على أن تسحق سنواتك بنفسك، وحدك، وأن تراها مهدرة كقطرات ماء على إسفلت بارد. تبقى التجربة بتفاصيلها، بمغزاها، وتكاد أن تثب إلى السطور تنشد حياة جديدة في الكتابة. أما عن اتصال أو انفصال الثقافي والسياسي في تجربة الكاتب أو الأديب، فإن الجانبين متصلان بشكل وثيق، لا يوجد كاتب من دون رؤية سياسية، هذا مستحيل، المهم ألا تطغى رؤيته السياسية على العمل الأدبي، فتحوله إلى خطاب مباشر بعيد عن الفن. كانت لنجيب محفوظ رؤيته السياسية الليبرالية، وكانت لتولستوي رؤيته السياسية التي تشق طريقها عبر الدين، لايوجد كاتب من دون سياسة، حتى الذين يصرخون أنهم ” محايدون” هم أصحاب موقف سياسي، ينأى بنفسه عن الصراع.
-لك تجربة قديمة في كتابة حوارات الأفلام كما حدث في فيلمي ” عائلات محترمة ” لأحمد مظهر و” زهرة البنفسج ” لعادل إمام . لماذا لم تكتمل تلك التجربة؟
– الحقيقة أنني كنت من عشاق السينما، ولكني اكتشفت أن كتابة سيناريو قد تستغرق ثلاثة شهور، بينما يحتاج الترويج له إلى عامين من اللقاءات وإلى صبر أيوب في العلاقات مع الوسط الفني، أيضا الأفلام محكومة باعتبارات مالية لأن صناعة الفيلم تقوم على استثمار مالي كبير، ومن ثم لا تستطيع السينما تجاهل متطلبات الجمهور. وأدركت أنه لا الوقت يسمح لي بالاستمرار، ولا أستطيع أيضا القبول بحكاية ” الجمهور يريد هذا “، من ناحية أخرى فإن فن القصة القصيرة يستلزم تفرغا كاملا، وفيه يسعني أن أقول ما أشاء من دون مراعاة لشباك التذاكر، وأحيانا عكس ما يحبه الجمهور.
-في قصصك القصيرة تلعب على وتر المشاعر والعواطف الإنسانية، وكأنه الخيط الشفيف الذي يربط الإنسان بذاته ووجوده ، بينما تتحاشي غالبا الاشتباك مع قضايا الواقع الصاخبة ونبرتها السياسية المباشرة . ” ورد الجليد ” على سبيل المثال .. كيف ترى هذا الانطباع؟
-نعم . هي ملاحظة صائبة تماما، ومرجع ذلك إلى اعتقادي أن الفن هو خريطة الروح. هناك أشعة لتصوير الصدر، وأخرى لتصوير المخ، لكن لا توجد أشعة لتصوير الروح سوى الكتابة الأدبية، إنها الأشعة الوحيدة، لهذا أظن أن الكتابة هي تصوير الروح في المقام الأول. ولا شك أن الروح الانسانية لا توجد بمعزل عن قضايا المجتمع، ولا همومه، الصاخبة أو الهادئة، هذا مفهوم، لكن المهم ونحن نعرض للروح في اشتباك مع الواقع أن تكون الصدارة للنفس الانسانية، لانفعالاتها، ليأسها، وآمالها، وعثراتها، ونهوضها. كل قصة تخلو من عاطفة إنسانية هي تقرير عن الواقع، عن تدهور الواقع، أو تطوره، لكنها بالشخصية الانسانية تصبح فنا، لهذا يتقادم كل فن أخلص لرؤية الواقع وحده، نحن الآن نقرأ وسوف نقرأ إلى ما لانهاية عذابات هاملت عند شكسبير، وكاتيا في حكاية مملة عند تشيخوف، وسعيد مهران في اللص والكلاب عند نجيب محفوظ، بينما تتوارى أعمال كثيرة تجاهلت العاطفة.
-أنت أحد المخلصين لفن القصة القصيرة في زمن يوصف بأنه ” زمن الرواية ” ، ترى هل أصبح فن القصة كالأيتام على موائد اللئام ؟
– الحقيقة أن مقولة ” زمن الرواية ” مقولة غريبة، أولا لأني لا أدري على أي شيء تعتمد؟ هل يعتمد ذلك على معايير السوق التي تفيد بأن توزيع الروايات أعلى؟ أم على معايير أخرى؟ هل هناك احصاءات دقيقة تثبت أننا في زمن الرواية؟. بمعايير السوق الفلافل هي الوجبة الأكثر انتشارا، لكن ذلك الانتشار لا يعني أنها الأفضل أو أنها حتى المرغوبة. القصة القصيرة نشأت بعد ظهور الرواية بنحو قرن كامل، ولو كانت الرواية تسد الاحتياج الذي تسده القصة القصيرة ما ظهرت القصة. للقصة وظيفة فكرية وأدبية لا ينهض بها سواها، القصة ترى العالم من خلال لحظة، بينما ترى الرواية اللحظات كلها داخل عالم. هناك فروق تحفظ للقصة دورها ووجودها واستمرارها، وأظن أن الاحتياج إلى القصة القصيرة سوف يشتد خاصة مع ظهور الوسائل الحديثة التي تجبر الناس على الايجاز والاختصار. فن القصة وجد ليبقى، بل ولكي يزدهر على أوسع نطاق، وبهذا الصدد هناك قصص قصيرة عاشت أكثر من مئة عام مثل ” موت موظف” لتشيخوف و” أرخص ليال” ليوسف إدريس، بينما وارى الزمن مئات الروايات.
– ماذا يعني لك كونك ابن الشاعر والكاتب المعروف عبد الرحمن الخميسي مكتشف النجوم مثل السندريلا سعاد حسني وهل يمكن أن يمثل الأمر عبئا ما في بعض الأحيان؟
– علاقتي بوالدي لم تكن علاقة النظر إلى نجم مشهور، بل كانت علاقة شديدة الخصوصية، نظرا لشخصيته الفريدة التي كانت تشبه صندوقا تخرج منه مناديل البهجة والأمل والفن، وكنا أحيانا كثيرة أقرب إلى الأصدقاء، وأحيانا أخرى إلى الزملاء، وفي أوقات كثيرة كنا معا بصفته والدي وأنا ابنه. لم يمثل وجوده عبئا على في لحظة من اللحظات، ماعدا حين كنت صغيرا في المدرسة وكنت إذا تفوقت في مادة الانشاء والتعبير أجد بعض التلاميذ يقولون لي : ” لكن صراحة .. الموضوع الحلو هذا هل كتبه لك والدك؟”. ما عدا حكايات الصبا هذه لم يكن وجود والدي عبئا قط . لقد رأيته وهو يخوض أغرب التجارب بابتسامة واسعة متفائلة، لهذا كتب عنه في الأهرام يوسف إدريس حين توفي في 1987: ” كان الخميسي قويا عملاقا مقاتلا إلى ألف عام ، وكان فمه مفتوحا على آخره ، مستعدا لابتلاع الحياة كلها بكل ما فيها من طعام وشراب وجمال .. ابتلعته الغربة وإلي أربعة أركان الكرة الأرضية مضي يتسلمه ركن ليرفضه ركن ، وهو قوي مقاتل وطني عنيد ، هذا الشاعر.. المخترع.. الموسيقي..الذي قهر من قهرنا جميعا، ومن بطط بحذائه الغليظ ثقافتنا وإنسانيتنا”. وأذكر من طفولتي أن أمي اصطحبتني لزيارته ذات مرة حين كان في المعتقل عام 1953 فخرج إلينا حيث كنا نجلس أنا وهي في غرفة المأمور، وكان القيد يربط يده بيد الشاويش ، فلما رآني أتطلع إلي القيد ساهما – وكنت في السابعة – هز القيد بيده لأعلى وقال ضاحكا : هل ترى كيف أنني سجنت هذا الرجل! وهذا القيد لكي لا يهرب مني! ونظر والدي إلي الشاويش المسكين طالبا منه التأكيد على قوله فابتسم الشاويش متمتما كي لا يسمعه المأمور: من زمان وهو حبسني كده! . ابتسم لي أبي وهو يتفحصني ليستوثق إن كانت تلك الحكاية قد طمأنتني أم لا ، فابتسمت له بدوري موحيا له بأنني صدقته . فيما بعد كتبت عن هذه التجربة أولى محاولاتي القصصية بعنوان : ” ابتسامتان ” .
رشــا أحـمــد
جريدة الشرق الأوسط – الأربعاء 7 أبريل 2021 –