الألف وهولاكو: سيف في غمده: هل يستريح؟

د. فيحاء عبد الهادي

“خُيولي أخَفُّ مِنَ الرِّيح/ سَنابِكُها تَقدَحُ الشَّراراتِ/ إذْ نَدْخُلُ المُدُنَ/ الحَرْبُ تَسْتَلقي/ كالعَروسِ بانتظاري/ والحَتْفُ يَتَكلَّمُ بِاسمي فأنا هولاكو: سَيْفٌ في غِمدهِ لا يَسْتَريح”.

سركون بولص

هل يمكن للثقافة، وفي القلب منها الموسيقى، أن تتحدى الدمار والخراب وآلة القتل الجهنمية؟ هل يمكن أن تتحدى الطغيان والاستبداد، وتتبنى موقفاً فنياً في مواجهته؟

ضجَّ السؤال في رأسي، بعد أن استمعت، مراراً وتكراراً، إلى ألبوم “أينما ارتمى” ، الذي أطلقته فرقة الألف. هزَّني الجوّ السوداوي الذي غلّف معظم كلمات الألبوم، وانسجم مع إحساسي بالحزن والغضب، للتشظي، والخراب، والدمار، الذي حلَّ بالعديد من البلاد العربية، وآخرها حلب، نتيجة القصف المجنون عليها، منذ منتصف نيسان الحالي. وهزَّني بالقدر نفسه؛ اللحن الذي يتحدى، والصوت الذي يحاور، وأحسست أن الموسيقى التي سمعتها: حوار العود والبزق والطبل والموسيقى الإليكترونية، هي واحدة من الأساليب الفنية للتعبير عن سوداوية وعبثية ما يحدث، من جانب، ورفض لما يحدث، وانتصار  للإنسانية، من جانب آخر.

تستهلّ الفرقة أغنيات الألبوم بقصيدة “هولاكو”، للشاعر العراقي “سركون بولص”؛ التي تجسد الواقع العربي الخانق، الذي يطبق على أنفاس الشباب العربي من المحيط إلى الخليج، حيث الموت الذي يحاصرهم من كل جانب، على يد هولاكو، الذي يركب خيله ليجول ويصول، ويشهر سيفه؛ لتتساقط الرؤوس، وتنهار الأبنية، وتشتعل النيران، لتحرق الأبيض واليابس؛ ولا يستريح. “ظِلّهُ أينما ارتمى/ يَستَنسِلُ غَيْمَةً مِنَ العُقبانِ الجائِعَة/ تطفو فوق البيوت/ حيثُ يَراني اللاجئونَ في كَوابيسِهِم/ بَينَ الخَرائِبِ”.

يعلو صوت الديكتاتور بثقة، ثم يبدأ صوت العود بالعلوّ، ممتزجاً مع الصوت الإليكتروني، في محاورة فنية بارعة، لم تستطع أن تقهر الطغيان؛ لكنها كانت قادرة على تحديه.

ونستمع إلى قصيدة “الجثة” للشاعر ذاته؛ لنكون شهوداً على وحشية التعذيب، وأساليبه البشعة، وعذاب الضحايا، حتى بعد موتهم: “عَذّبوا الجُثّةَ/ حَتّى طَلعَ الفَجْرُ مُنهَكاً وقامَ الديكُ يحتجُّ/ غَرَسوا في لَحْمِها السَّنانير. جَلَدوها بِأسلاكِ الكَهْرُباء/ عَلَّقوها مِنَ المِرْوَحَة”.

ولا يكتفي الشاعر، أو تكتفي الموسيقى، بتصوير عذاب الضحية فحسب؛ تهدأ الموسيقى، ويضجّ الصوت بالشجن؛ لنستمع إلى مسرحية موسيقية درامية بامتياز: “عِنْدَما تَعِبَ الجَلّادونَ أَخيراً/ وَاسْتراحوا، حَرّكَت الجُثّةُ إصْبعَها الصَّغير/ فَتَحَتْ عَينيها الجَريحَتَيْن/ وَتَمْتَمَتْ شَيْئاً/ هَل كانَتْ تَطلُبُ ماءً؟ هَلْ كانَتْ تُريدُ خُبزاً يا تُرى؟

هَل كانَتْ تَلْعَنُهُم أَم تُطالِبُ بِالمَزيد؟ “

. ويتضاعف عذابنا حين يتمّ وضعنا أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية، بجملة شعرية وموسيقية:

 “ماذا كانَت الجُثّةُ تُريد؟”.

بقوة الكلمات، وبثقة عالية، وبواسطة الموسيقى المصاحبة الساحرة؛ لا تنهض جثة واحدة فحسب؛ بل ينهض الموتى جميعاً: “موتى يَعودونَ”، مع غناء قصيدة الشاعر “محمود درويش”: “خطبة الهندي الأحمر (ما قبل الأخيرة)”؛ ليطلوا على الأرض من “ثقوب الغيوم ومن كلام النجوم”/ “منْ هَواء البُحيْرَات، من زغب الذّرة الهَشِّ، مِن زَهْرَة القَبْر، من وَرَقِ الحوْرِ، من كُلّ شَيْء”.

يقلقون مضاجع الطغاة، ويحرمونهم النوم وراحة البال، ويضيؤون الكون: “هُنالِكَ مَوْتى ينَامونَ في غُرَفٍ سَوْفَ تَبْنونَها/ هُنالِك مَوْتى يَزورونَ ماضيَهُمْ في المَكانِ الَّذي تَهْدِمون/ هُنالِك مَوْتى يَمُرُّونَ فَوقَ الجُسورِ الَّتي سَوْفَ تَبْنونَها/ هُنالِك مَوتى يُضيؤونَ لَيْلَ الفَراشاتِ، مَوْتى يَجيؤونَ فَجْراً لكي يَشْرَبُوا شايَهُمْ مَعَكُم/ هادئِين/ كما تَرَكَتْهُمْ بَنادِقُكُمْ/ فاتْرُكوا يا ضُيوفَ المَكان/ مَقاعدَ خالِيَةً لِلْمُضيفينَ/ كي يَقْرؤوا عَليكُمْ شُروطَ السَّلامِ مَعَ المَيِّتين”.

*****

ومن قصائد تقطر دماً إلى قصائد تقطر حباً، ورقياً إنسانياً، في انتقال إلى ما يجمع بدلاً مما يفرِّق. تقدِّم الفرقة قصيدة الشاعر “محمود درويش”، بعنوان: “درس من كاماسوطرا”. ترقّ الموسيقى، ويرقّ الصوت ويعذب، ويرتفع الصوت الساحر للعود؛ ليتناغم مع الموسيقى الإليكترونية، ومع الكلمات الرائعة: “بِذَوْقِ الأميرِ الرَّفيعِ البَديعِ/انْتَظِرْها/ بِسَبْعِ وَسائدَ مَحْشُوَّةٍ بِالسَّحابِ الخَفيفِ/ انتَظِرْها، بنارِ البَخُورِ النِّسائيِّ مِلءَ المَكانِ/انتَظِرْها”.

كما يغنون قصيدة “اعتراف”، من ديواني “وردة الروح”، بأسلوب موسيقي أخّاذ، يتصاعد، من الهدوء الذي يصاحب الاعتراف: “حينَ تَغيب/ أَعْتَرِفُ/ بأنَّ الأَرْضَ تَدورُ/ وأنَّ المَطَرَ يَهِّلُّ/ يَدورُ رَحَى الطّاحون”، إلى الدفء الذي يصاحب التواصل الإنساني: “حيَنَ تَكون/ أَعْتَرِفُ/ بأنَّ الجامِدَ يَتَفَتَّتُ/ تَتَوَهَّجُ أَلْوانُ الطَّيفِ/ وَيَسري دِفءُ الكَوْن/ أَحْتَمِلُ اللامُحْتَمَلَ/ اليَوْمِيَّ، العادِيَّ، الرَّسْمِيَّ/ وَتَزْهو كُلُّ الأَشْياء”، إلى الانفجار الذي يعبر موسيقياً عن امتزاج الروح بالروح، والتحام الإنسان بالإنسان: “حَيْثُ تَكون/ يَتَسَلَّلُ نورُ الشَّمْس/ حينَ نَكون/ تَشْتَعِلُ الدَّنيا”.

*****

يدهشنا التنوع في اختيار كلمات الألبوم، كما تدهشنا جرأة الاختيار. من القصائد بالفصحى إلى المكتوبة باللهجة العامية، التي يبلغ عددها ثلث أغنيات الألبوم. يكتبها ويغنيها تامر أبو غزالة؛ ليعبِّر بطريقة ساخرة عن الفانتازيا في الوضع العربي. يغني باللهجة الفلسطينية أغنية: “قوم يا بيش لا تنام”، مستلهماً الأغنية الفولكلورية المعروفة: “ياللا تنام لادبحلك طير الحمام”. تتفق موسيقى الأغنية مع الثيمة الأساسية الفولكلورية، وتتعارض معها في آن: “قومْ لا تْنام يا بيش/ قَمَرْ يْدور ويْعيش/ صوت يصيح بِدانَك/ نومَك بيِكْفيش”.

وماذا بعد النوم، هل يمكن أن يعلو الصوت؟ بأسلوب يمزج بين السخرية والواقع اللامعقول، تصل إلى مسامعنا أغنية “علي الصوت”: “الصّوت واطي، علّي الصوت/ من تحت البوط”.

*****

قدَّمت فرقة الألف تجربة موسيقية جماعية مبدعة، من العراق، وفلسطين، ومصر، ولبنان، بالإضافة إلى مشاركة من سورية، من خلال غلاف الألبوم، للفنان: سمعان خوام، من لوحة: “لا تتحرك أيها الرجل الفزَّاعة، إبق معنا كل يوم”.

كلمة للشباب العربي المبدع، نساء ورجالاً: من خلال العمل المشترك، على مشروع مشترك؛ يمكن أن تنتجوا: ثقافة وسياسة واقتصاداً وحياة.

faihaab@gmail.com

اترك تعليقاً