الاستيطان جوهر الصهيونية ومصيره إلى الزوال – د.غازي حسين

لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحّل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها” اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 المادة /49/‏
الاستيطان هو أن يقوم غرباء باستيطان أرض لا تخصهم وطرد سكانها الأصليين أو إبادتهم أو استعبادهم بتأييد من دول أوروبا الاستعمارية والصهيونية العالمية. فالمستوطنون غرباء جاؤوا من وراء البحار، واستولوا على أراض ليست لهم، وهدفهم زيادة الهجرة والأراضي المغتصبة وترحيل السكان الأصليين وكسر إرادتهم وإخضاعهم بالقوة والإرهاب والإبادة.‏

ظهر الاستعمار الاستيطاني في أوروبا لنهب ثروات شعوب آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية واستراليا لفرض الهيمنة الأوروبية عليها والحضارة الغربية وخدمة مصالح الدول الأوروبية والأغنياء اليهود في البلدان العربية والإسلامية وبقية دول العالم .‏

وينكر المستوطنون تاريخ السكان الأصليين في الأرض التي يهاجرون إليها ويستوطنون فيها.‏

ويروجون الأكاذيب حولها فهم يستوطنون في أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، أو في أرض عذارء، غير مأهولة بالسكان، وتزداد الأراضي المغتصبة كلما زاد عدد المستوطنين، ويعمل الاستعمار الاستيطاني الاحتلالي الاجلائي على التخلص من السكان الأصليين عن طريق الترحيل والإبادة حتى يُفرِّغ الأرض منهم ويحل قطعان المستوطنين محلهم.

ففي الولايات المتحدة كان المستوطنون البيوريتان يهدفون إلى الحصول على الأرض فكان طرد أو إبادة الهنود الحمر (السكان الأصليين) والحلول محلهم أمراً لا بد منه.‏

أمّا في أمريكا اللاتينية فقد كان هدف الاستعمار الاستيطاني هو استغلال الأرض وسكانها وإقامة المزارع الكبيرة التي يقوم السكان الأصليون بزراعتها.‏

واستولى النظام العنصري في جنوب إفريقيا قبل انهياره على الأرض وطرد السكان الأصليين منها وطبق الفصل العنصري ومارس العنصرية و التمييز العنصري .‏

وقام الاستعمار الاستيطاني اليهودي الاحلالي والإجلائي على تهجير اليهود إلى فلسطين، واغتصاب الأرض العربية وترحيل العرب والاستيطان فيها.

ويقوم باستمرار بتنفيذ الهجرة اليهودية وزيادة مساحة الأراضي العربية المصادرة وتهويدها وإبادة الشعب الفلسطيني وترحيله وحمل بعض الأطراف العربية والدولية على المساعدة في إجباره على التوطين في بلدان الشتات. وبالتالي قام الاستعمار الاستيطاني اليهودي على أسس استعمارية وعنصرية تخالف مبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والمواثيق الدولية. وقام على الأعمدة التالية:‏

أولاً: تهجير اليهود إلى فلسطين بمساعدة الدول الاستعمارية “الحركات اللاسامية و ألمانيا النازية” وألمانيا الاتحادية.‏

ثانياً: ترحيل العرب عن طريق الإرهاب والإبادة والحروب العدوانية والعنصرية في القوانين الإسرائيلية.‏

ثالثاً: إقامة المستعمرات اليهودية على أنقاض المزارع والقرى والأحياء والمدن العربية.‏

وقادت الهجرة المستمرة وترحيل العرب و إبادتهم وبناء المستعمرات إلى إقامة أكبر غيتو يهودي عنصري في العالم.‏

يجّسد الاستيطان اليهودي جوهر الأيديولوجية الصهيونية القائمة على تهجير أكبر عدد ممكن من يهود العالم إلى فلسطين العربية واستيطانهم فيها وفي بعض الأراضي العربية المجاورة، وترحيل العرب واضطهادهم وفرض الإذلال والخضوع عليهم وعرقلة تطورهم وتدمير منجزاتهم .‏

ويستند الاستيطان إلى بُعد توراتي وتلمودي وصهيوني واستعماري، حيث رفعه الحاخامات وقادة الصهيونية إلى مستوى القداسة الدينية. ويجري استغلاله سياسياً وعملياً لتحقيق مصالحهم ومصالح اليهود المادية، بإحلال شعب مكان شعب آخر واقامة “اسرائيل” على انقاض المجتمع و الشعب الفلسطيني .‏

كيف يسمح المستوطن اليهودي لنفسه، كعضو في المجتمع الإنساني أن يطردني من منزلي ومن قريتي ومن وطني ويحل محلي وهو قادم من روسيا أو بولندا ولا يمت لفلسطين بصلة ؟ .‏

كيف يعمل المستوطنون على نزع الأرض و العقارات و الثروات العربية من أصحابها الشرعيين ويدمِّرون القرى والأحياء العربية ويقيمون المستعمرات على أنقاضها؟ فأي نوع من البشر هؤلاء؟ وهل يقبل المجتمع العالمي بهذه الممارسات؟‏

تعتبر الهجرة “الاستيطان وطرد العرب وتهويد الأرض والمقدسات أهم المرتكزات الأساسية لإقامة المشروع الصهيوني في المنطقة والهيمنة على العالم. فالهجرة والاستيطان هما من أهم المشاكل الاستراتيجية في الصراع العربي ـ الصهيوني، ولا يمكن للأمن والاستقرار والازدهار والسلام أنْ يتحقق إلاّ بوقف الهجرة اليهودية وتفكيك المستعمرات والتخلي عن الاستعمار الاستيطاني, وعن ممارسة العنصرية و التمييز العنصري .‏

إن قادة الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني والمجتمع الإسرائيلي يزعمون أن الهجرة والاستيطان حق ديني لهم في أرض كنعان التي وهبهم إياها يهوه من النيل إلى الفرات وبالتالي رفعوا أطماعهم بالأرض والمياه والثروات العربية إلى مستوى القداسة الدينية لتحقيق أطماعهم الدنيوية.‏

وتحتل الهجرة والاستيطان والترانسفير مكانة أساسية في الإيديولوجية والحركة الصهيونية، وتأتي في أولوية البرامج والمخططات للأحزاب والمنظمات اليهودية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وتشكل برنامج الاجماع للشعب الاسرائيلي .‏

عمدت سلطات الاحتلال الإسرائيلية منذ حرب حزيران العدوانية عام 1967 إلى تفريغ الأراضي الفلسطينية والسورية المملوكة للدولة في الضفة والقطاع والجولان المحتل، ثمّ لجأت إلى مختلف الأساليب والتحايل والتمويه والتضليل والتزوير لمصادرة الأملاك الخاصة. وأصدرت العديد من القوانين والأوامر العسكرية وطبقت قوانين الطوارئ التي سنتها حكومة الانتداب البريطاني الاستعمارية عام 1945 وقوانين الأراضي و القوانين العنصرية الأخرى التي سنتها للاستيلاء على أراضي المواطنين العرب وإقامة المستعمرات اليهودية عليها.‏

وصمد الشعب العربي الفلسطيني في وجه موجات الهجرة والاستيطان وممارسات “إسرائيل” الإرهابية والعنصرية والإبادة الجماعية ومحاولات تهويد الأرض وصهينة الإنسان وإذلاله وإخضاعه وتجويعه، وتدمير مورد رزقه, وفرض العقوبات الجماعية و الحصار الجائر واغلاق جميع المعابر كما يجري حاليا في قطاع غزة. وجاء جدار الفصل العنصري ليجسـد الطبيعة العنصرية لإسرائيل ولإظهار الوجه العنصري الاستعماري القبيح للاحتلال الإسرائيلي. وظهر بجلاء أن “إسرائيل تبحث عن جميع السبل والوسائل للتخلص نهائياً من وجود الشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين”.‏

وتعمل “إسرائيل” على تقليص عدد سكان فلسطين الأصليين بالاستمرار في جلب قطعان المستوطنين من أثيوبيا وغيرها وربما من الهند في المستقبل بعد أن اعتنق حوالي (23) مليون من القبائل الهندية الديانة اليهودية.‏

وتعمل حكومة نتنياهو على تصعيد الاستيطان في القدس الشرقية المحتتلة بشكل غير مسبوق , كي تحقق تهويد القدس بشطريها المحتلين . وقررت في 23/7/2009 منح منظمة العاد الاستيطانية , التي تنشط من اجل تعزيز الوجود الاستيطاني اليهودي في الاحياء العربية في مدينة الاسراء و المعراج , تفويضا لتهويد حي سلوان .

ويعتبر حي سلوان حجر الزاوية في مشروع كبير يهدف الى السيطرة على الاراضي الفلسطينية المحيطة بالمدينة القديمة , وعزل المدينة القديمة على القدس الشرقية ووصلها بالمستعمرات اليهودية الاخرى في القدس . وحصلت منظمة العاد على بعض المباني التي كانت ملكا للفلسطينيين في الحي المذكور بطرق مشبوهة وبتزوير للوثائق .

وتعمل بلدية الاحتلال في القدس في الوقت نفسه على هدم حي البستان , الذي يعد جزءا من حي سلوان وتحويله الى حديقة اثرية , و السماح للمحتلين اليهود فقط بالبناء في محيط تلك المنطقة .

وتشن سلطات الاحتلال حرب استنزاف مستمرة على المقدسيين لاكمال تهويد المدينة . وتسخر حكومة نتنياهو العنصرية كل ما لديها من مؤسسات واجهزة رسمية وغير رسمية , لتهويد القدس من خلال تهويد حي سلوان من الجهة الجنوبية , وحي الشيخ جراح من الجهة الشمالية , ورأس العمود من الجهة الشرقية , وداخل المدينة القديمة . وتلاحق المقدسيين في المحاكم في قضايا مفبركة مزورة للاستيلاء على املاكهم .

ويترافق ذلك بهدم آلاف المنازل للمقدسيين وفرض غرامات باهظة عليهم , لجعل المدينة العربية الاسلامية بشطريها المحتلين الغربي و الشرقي عاصمة للكيان الصهيوني , وذلك تحت انظار وسمع السلطة الفلسطينية و الملوك و الرؤساء والامراء العرب .

وانجز المستعمرون اليهود تشييد مبان حديثة في حي سلوان , وكتبوا على احد مداخلها بالعبرية “عير دافيد” أي مدينة داوود , وقال رئيس لجنة حي البستان فخري ابو دياب ” ان المستوطنين يقومون بالحفر وفتح الانفاق والبناء, ولانعرف ماذا يحدث . نشعر بالحفر تحت بيوتنا ” .

واستولى المستعمرون اليهود في 24/7 على اكثر من اربعين دونما في جنوب نابلس بالضفة الغربية تحت انظار وبمساعدة قوات الاحتلال المتواجدة في حاجز حوارة , وقاموا بتسييج الاراضي الواقعة بين قريتي كفر قليل وبورين , وذلك مقدمة لبناء المنازل عليها .

وشهدت منطقتي المثلث و النقب في الداخل الفلسطيني تصاعدا كبيرا في وتيرة هدم المنازل بذريعة البناء غير المرخص , وذلك للمساس الجدي بالوجود الفلسطيني وتهويد هذه المناطق . واقر الكنيست في 22/7 قانون النكبة , كما وضعت وزارة المعارف الاسرائيلية برامج تهدف الى محو ذاكرة الشعب الفلسطيني وروايته للتاريخ من اذهان الطلاب الفلسطينيين .

وتسير “إسرائيل” في طريق تعزيز نقاء دولة اليهود أي فرض الاعتراف الفلسطيني و العربي بيهودية الدولة، أي تعزيز عنصرية الكيان الصهيوني عن طريق الترانسفير وقوانين الاحتلال وممارساته والإصرار على رفض تطبيق حق العودة، ومطالبة الدول العربية بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم، والعمل على توطين أكبر عدد ممكن من أبناء الشعب العربي الفلسطيني في جنوب العراق.‏

أدانت الأمم المتحدة وتكرر باستمرار إدانتها لسياسة الاستيطان الإسرائيلية وطلبت من “إسرائيل” أن تتوقف عن نقل المستوطنين إلى المناطق العربية المحتلة. واعتبرت أن التغييرات التي قام بها الكيان الصهيوني باطلة ولاغية وطالبت بتفكيك جميع المستوطنات اليهودية في الاراضي العربية المحتلة .‏

واعتبر مجلس الأمن الدولي في العديد من قراراته أن المستوطنات غير شرعية واعتبرها باطلة ولاغية وطالب بإزالتها.‏
خلاصة القول إن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومبادئ القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تعتبر أن المستوطنات غير شرعية ويجب تفكيكها، لأن “إسرائيل” هي النظام الوحيد النموذجي للاستعمار الاستيطاني المتبقي في العالم.‏

إن الاستعمار الاستيطاني اليهودي يتعارض مع مبادئ القانون الدولي ومع جميع العهود والمواثيق والقرارات الدولية التي تؤكد على ضرورة إنهاء الاستعمار بكافة أشكاله وفي المقدمة الاستعمار الاستيطاني الذي يشكل أبشع وأخطر أنواع الاستعمار.‏

ويعترف القانون الدولي والأمم المتحدة بشرعية كفاح الشعوب ضد الاحتلال والسيطرة الأجنبية، وبشرعية الكفاح المسلح لكنس الاحتلال والاستعمار الاستيطاني ونيل الحرية والسيادة والاستقلال.

إن الاستمرار في إرهاب وإبادة وترحيل الشعب العربي الفلسطيني وعدم السماح له بالعودة إلى وطنه وتوطينه في بلدان الشتات، وبناء جدار الفصل العنصري والمحافظة على عنصرية “إسرائيل”، وفرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة يهدد الأمن والسلام في المنطقة وفي العالم وينذر باندلاع حروب جديدة ربما تقود إلى اندلاع الحرب العالمية الثالثة.‏ ويشكل بقاء المستوطنات مكافأة لإسرائيل المعتدية على عدوانها وعلى انتهاكها لقرارات الشرعية الدولية وسيادة الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها. وسوف يتيح لإسرائيل التدخل في شؤونها الداخلية لدعم المستوطنين. ولذلك فإن بقاءها يجسّد برميل بارود قابل للانفجار في أية لحظة.

أثبت التاريخ البشري أن مصير الاستعمار التقليدي والاستيطاني والنظم العنصرية إلى الزوال. زالت النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا وإسبانيا والعنصرية وفي روديسيا والبرتغال والابارتايد في جنوب إفريقيا، وسيكون مصير الاستعمار الاستيطاني اليهودي في فلسطين والجولان إلى الزوال.‏

الاستيطان جوهر الصهيونية ومصيره إلى الزوال – د.غازي حسين