الانتخابات: هل هي حقاً المخرج الوحيد؟ – زياد ابحيص

المعضلة الأهم في الوضع السياسي الفلسطيني التي تتسبب بالعجز والجمود هي الأداء السياسي لحركة حماس؛ لا لأنها مسؤولة وحدها عن استحداثه، بل لأنها ببساطة تتولى قيادة مشروع المقاومة، والشعب الواقع تحت الاحتلال يضع إمكاناته وقواه البشرية والمادية تحت تصرف حركات المقاومة كي تجترح له الحلول، وتتمكن من النفاذ عبر شقوق موازين القوى ليوضع صبره وتضحياته على طريق تحقيق هدفه الأسمى: التحرير، وحين تعجز قوى المقاومة الموضوع في تصرفها معظم تفويض الشعب وإمكاناته عن اجتراح الحلول فإن هذا يمسي أسوأ معضلات جمهورها الساعي للتحرر.

ثلاثة أوهام مركزية علقت فيها القيادة السياسية لحركة حماس يمكن فهم العجز الحالي من خلالها:

الأول: وهم التعريف الميكانيكي للوحدة الوطنية: فالوحدة الوطنية لا تعني أن تقف جميع أطياف المجتمع على صف واحد، لكن الوحدة الوطنية هي اتفاق القوى السياسية على هدف مركزي يمثل تطلعات الشعب وآماله، ويمثل خط الجماهير ونبضها فيترجمَه إلى مقولاتٍ وممارسة، ولكي يتوضح ذلك يكفي أن نتخيل الآتي: لو اتفقت جدلاً كل الفصائل الفلسطينية على التفاوض والتنسيق الأمني فهل يمكن أن نسمي ذلك “وحدة وطنية”؟ أم هو تواطؤ لاوطني يجعل الجماهير أمام مواجهة داخلية حتمية مع نخبها؟ ماذا لو تصورنا العكس: لو اتفقت كل الفصائل على المقاومة وممارستها بكل الوسائل الممكنة؟ لا أظننا نجد أي صعوبة في القول إن هذه وحدة وطنية. إذن هناك شرط موضوعي للوحدة الوطنية هو تحقيق تطلعات الأمة المشروعة، فلو اتفق فصيلان على المقاومة فتلك وحدة وطنية، ولو اتفقوا جميعاً على التنسيق الأمني والتفاوض فلن تكون كذلك، لأن عنصر المشروعية السياسية يُستمد من إرادة الأمة بامتدادها لا من رؤى القادة وتطلعاتهم وحدها.

الثاني: وهم الصندوق: كيف يعبر الشعب الواقع تحت الاحتلال عن إرادته إذن؟ ما تحكيه التجربة التاريخية هو أنه يعبر عنها بتحريك قواه البشرية والمادية ووضع مقدراته في وجه المحتل فيعبر بذلك الفعل الغامر عن إرادته في التحرر، وبقدر ما تثبت قيادته من كفاءة في الكفاح من أجل هذا الهدف بقدر ما تكتسب من مشروعية، بل إن العرف الدولي شرعَ الاعتراف بحركات التحرر كلاعبين دوليين انطلاقاً من هذا المبدأ، من كونها تعبر بالفعل والممارسة عن إرادة شعبها ما يجعلها أقرب إلى مشروع ولادة كيان سياسي، فتستحق بذلك الاعتراف. في المحصلة مصدر المشروعية الشعبي والدولي هو المقاومة وممارستها ومقدار ما تفرضه على الأرض من إنجاز، ولن يتمكن أصحاب وهم الصندوق أن يزودونا بتجربة تاريخية واحدة لشعبٍ تحت الاحتلال شكل قيادته بالانتخاب الشعبي، حتى نقبل بهذه البدعة.

إن الاحتكام إلى الصندوق يستبطن التوهم بوجود الدولة وولادة الكيان النظام السياسي ومن ثم تداول السلطة عبر الصندوق، وفي فلسطين لم يتحقق شيء من هذه الثلاثة إلا الوهم: وهم الدولة، ووهم النظام السياسي ووهم السلطة، وها نحن نبني عليها وهم الصندوق. وقيادة حماس تذكر قبل غيرها كيف انتقلت إليها الراية؛ فلم يكن صندوق الاقتراع من فعل ذلك، بل كان الفعل المقاوم في الانتفاضتين بينما كانت قيادة سلطة دايتون ترسم القطيعة مع هذا النهج محطة بعد محطة.

الثالث: وهم المشروعية الدولية: لقد تمتع المشروع الصهيوني منذ أن كان فكرة إلى ولادته على الأرض وتحقيقه للهيمنة برعاية القوة الغربية الأكبر عالمياً، بريطانيا ثم الولايات المتحدة، وبالتالي فإن البيئة الدولية باتت محكومة بنيوياً بإضفاء المشروعية على الكيان الصهيوني ومنعها عن أعدائه بل ومحاولة محوِهم وخنقهم. إن العلاقات التي تفتحها الدول مع المقاومة، وبالذات تلك التي تفتحها دول على تحالف مع الولايات المتحدة، هي علاقات تأثير وتأهيل تقصد تقريب موقف المقاومة من الاشتراطات الصهيونية في عملية “تأهيل دولي”، وكلما كان الانخراط السياسي للمقاومة مع هذه الدول أكبر فهذا يدعو لقلقٍ حقيقي من انجرارها إلى مربع التأهيل السياسي بخفض السقف وتقليم الأظافر والأنياب، وعليها هي قبل غيرها أن تضع قاعدة مسافة من تلك الدول لتحمي استقلاليتها ومشروعيتها وتمثيلها لتطلع جماهيرها.

قرار الانتخابات اليوم هو نتيجة الوقوع طويل الأمد في أسر تلك الأوهام الثلاثة: من استجداء “وحدة وطنية” لا تملك الشرط الموضوعي للوحدة الوطنية، والبحث عن المشروعية في صندوق الانتخاب مع أنها تنبع حصراً من المقاومة، ومن الاستماع المفرط للـ”الأصدقاء” والوسطاء الدوليين بما يدفع قيادة المقاومة لما يريح حلفاءها رغم أنه يضرب رصيدها الأبرز والأهم: مشروعيتها الشعبية.

اليوم يُروّج هذا السقف الوهمي الذي لا جدران له باعتباره المخرج الوحيد، بل ويمضي المتحمسون له والدافعون لفرضه إلى القول بأن معارضته سلبية وعدمية وانعدام أفق، فهل حقاً هذا خيارنا الوحيد؟

في الحقيقة هناك مخرج يتطلب بناء تدريجياً ويمكن أن يصل إلى سقفٍ له جدران، تنبني فيه النتائج على المقدمات:

1- بناء وحدة وطنية على أساس المقاومة، فمن يتبنى نهج المقاومة فهو في هذا الصف الوطني، ومن يدينه أو يعاديه فهو خارج عن هذا الصف، بما يؤدي إلى عزله وسحب المشروعية عنه شيئاً فشيئاً… لقد كانت غرفة العمليات المشتركة خطوة على هذا النهج، والهيئة العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار كذلك؛ فلماذا لا تُوسع التجربة لتشمل إدارة قطاع غزة بكامله، وتحويل عبء تسيير الحياة في ظل الحصار إلى حالة وطنية جامعة؟

2- لماذا لا تُبنى نواة تحالف كهذا في الضفة الغربية لإطلاق المقاومة الشعبية بكل ما هو ممكن، يُدعى له أبناء فتح الشرفاء الذين يُبرر وضع اليد في يد قيادة السلطة باسمهم وهم منها براء! ما دام في فتح شرفاء، وفيها بالطبع، فلماذا لا توضع الأكتاف بكتفهم مباشرة؟ لماذا يكونون جسراً لنقيضهم وإن كان من داخل حركتهم –إن كانت ما تزال تصح عليها تلك التسمية.

3- لقد تحدثَت القدس عن نفسها مراراً، من غضبة شباب القدس والأقصى في رمضان 2013 إلى هبة أبو خضير في 2014 إلى انتفاضة السكاكين 2015 إلى هبة باب الأسباط 2017 إلى هبة باب الرحمة في 2019 إلى الفجر العظيم في 2020، لماذا تترك القدس وحدها في ذاك الحراك؟ لماذا يتوقف النبض عند حدود قلنديا والسواحرة فتضطر القدس إلى تبنّي أهدافٍ موضعية كتفكيك البوابات أو فتح مصلى باب الرحمة؟ لقد كان كل حدث من هذه الأحداث فرصةً للانطلاق إلى فعلٍ وطني جامع؛ لكن الالتفات عن القدس والانشغال بالـ”بيت الداخلي الفلسطيني” كان يفوّتها مرة بعد مرة، فلم لا نلتفت إليها الآن ونتبناها ساحةً مركزية للفعل ندفعها ونحتضن الفعل الشعبي فيها ولا نترك مرابطيها وحدهم أمام آلة المحتل.

هاهنا عناوين مركزية تصلح لبناء صفٍّ وطني جامع يكسر العجز، وينهي الثنائية الحدية بين فتح وحماس، وتعيد القضية إلى أساسها بنهج مقاومة مقابل نهج مفاوضات ومصالح، ولا تسمح له بأن يُصوَّر وكأنه صراع على السلطة والمصالح، لكنه يحتاج لاستمرار وصبر ومصداقية، لا أن تمضي قيادة حماس فيه خطوة ثم تعود إلى جلسات الحوار مع قيادة سلطة دايتون في الخطوة التالية، هذا لا بد له من وضوح رؤية وإرادة وتصميم والثبات على خط الجماهير والإيمان بوفائها وصبرها، تماماً كما كان الأمر في بدايته.