الصهيونية والمعاني الثلاثة ل”شعب الله المختار” نديم خوري- ترجمه عن الإنغليزية “ثائر ذيب”

زعمت أممٌ كثيرة على مرّ التاريخ أنَّ سلطةً عليا من السلطات قد “اختارتها” كي تكون مميّزةً من سواها من الأمم ومتفوقة عليها. على سبيل المثال، غالباً ما يشير الأميركيون إلى دولتهم أنها استثنائية، وأنهم بلد أوكلت إليه مهمة جعل العالم على صورتهم. وبالمثل، فقد برر الفرنسيون والبريطانيون إمبراطوريتيهما بالإشارة إلى “الرسالة الحضارية”. بل إنَّ أمماً أصغر، وأقلّ طموحاً، تشير إلى نفسها أنها مختارة، وذلك في العادة كي تضع نفسها بمعزل عن الآخرين، وفوقهم.

إزاء سياسات إسرائيل العنصرية تجاه الفلسطينيين، عادةً ما يلجأ الناس إلى حجج تتعلّق بتصورها لذاتها كشعب مختار. وهذا ليس مستغرباً، ما دام الإسرائيليون أنفسهم يلجأون إلى مثل هذه التبريرات. وعندما يستولي المستوطنون اليهود على المنازل في القدس، ويحرقون الكنائس في طبريا، ويهاجمون القرويين في الضفة الغربية، فإنهم يفعلون ذلك باسم شعب الله المختار. وما أريده هنا، هو أن أنظر في هذه المسألة عن كثب. ما الذي يعنيه أن تكون شعباً مختاراً؟ كيف ارتبطت الصهيونية بهذه الفكرة عندما ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر؟ هل هناك صلة بين رواية التفوق الإسرائيلية وفهم أَلْفيٌّ لليهود بوصفهم شعباً اختاره الله؟

ولأن فكرة “الاختيار” أو “الاصطفاء” دينية أساساً، فإنَّ من غير الممكن فهمها من دون العودة إلى مصدرها اللاهوتي. وبالنسبة إلى الاتجاهات غير الصهيونية من اليهودية، لا يخدم الاختيار البتّة أي نوع من السياسات التبشيرية. وهم يعتقدون، بخلاف ذلك، أنَّ الله اختار الشعب اليهودي ليكونوا رسله على الأرض، وعنى ذلك أساساً أنَّ مصيرهم لم يكن في أيديهم. كتب اليهودي البريطاني المتشدد إسحاق دومب في العام 1958: “نحن في الشتات بسبب خطايانا، لقد اختارتنا العناية الإلهية وعلينا أن نتقبل عقابنا بمحبة”. هذا ما كان عليه الفهم العام لـ “الاختيار” ضمن الشتات اليهودي قبل الصهيونية (وهو التفكير الحالي لليهود المتدينين المناهضين للصهيونية). أن تكون مختاراً يعني أن الله اختار مصيرك عبرةً للآخرين. وأيّ محاولة لتغيير هذا المصير – عن طريق إنشاء دولة، مثلاً – إنما يبلغ حدّ الخطيئة والعصيان لأمر الله.

هذا المعنى للاختيار هو تحديداً ما أرادت حركة التنوير اليهودية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر – الهاسكالاه – أن تفككه. وقد سعت الهاسكالاه إلى نشر مبادئ التنوير الأوروبي بين الجاليات اليهودية في أوروبا، واقتضى ذلك سياسياً تبنّي مفاهيم المواطنة الكونية التي تكرّست بعد الثورة الفرنسية. وتبقى شهيرة قولةُ عضو مجلس الشيوخ الفرنسي كليرمون تونير في العام 1789: “يجب أن نرفض كلّ شيء لليهود كأمّة، ونعطي كلّ شيء لليهود كأفراد”. وما كان التنوير اليهودي إلا ليلحق بركاب هذه الدعوة، داعياً بدوره اليهود إلى ترك الغيتوات، والتخلي عن فهمهم لذاتهم كشعب مختار، وأن يصبحوا مواطني الدول الأوروبية الحديثة. كان الاندماج شعارهم، وشجعوا اليهود على رؤية أنفسهم كمواطنين في بلدانهم، لا كأبناء شعب مختار. والصهيونية هي وريث الهاسكالاه. لكنها بدلاً من الدعوة إلى الاندماج في دول أخرى، دعت إلى دولة قومية يهودية مستقلة. ورأى ثيودور هرتزل (“أبو الصهيونية”) أن العداء الأوروبي للسامية سوف يجعل من المستحيل على اليهود أن يصبحوا مواطنين أوروبيين كاملين، ولذلك لا بدّ من إقامة وطن خاص بهم.

وفي حين خرجت الصهيونية على فكرة اندماج اليهود، رفضت هي أيضاً فكرة “اختيار” اليهود. ورأى هرتزل أنَّ على الشعب اليهودي أن يغدو أمة بين الأمم، لا شعباً مختاراً. وهذا ما أغضب الجماعة اليهودية المتدينة التي رأت أنّ الصهيونية، بتبرُئها من فكرة الاختيار، ترفض التاريخ اليهودي برمّته وتبادل به البناء الأوروبي للدولة القومية بوصفه الشكل الشرعي الوحيد للمجتمع الإنساني، كما أنها تبادل بالشريعة القانون الدولي. وعنى أن يصير اليهود أمة بين الأمم، لا شعباً مختاراً، أن تغدو الديبلوماسية الدولية والقانون الدولي هما ما يصوغ مصير اليهود، وليس أنبياء التوراة. وكان هذا النقد صحيحاً، لأن الجانب القانوني من المشروع الصهيوني كان جانباً حاسماً بالنسبة إلى هرتزل. وجرى الاتفاق، منذ المؤتمر الصهيوني الأول، على أن الاستيطان اليهودي في فلسطين مشروط بأساس قانوني معترَف به دولياً. وعنى ذلك، على المستوى الجزئي، شراء الأراضي للاستيطان، في حين عنى، على المستوى الكلي، بذل مزيد من الجهد الديبلوماسي والمفاوضات مع القوى الإمبريالية والاستعمارية لضمان دولة لليهود. وكان من ثمار هذا الجهد وعد بلفور في العام 1917. ونظراً إلى انتهاكات إسرائيل اليومية للقانون الدولي، فإننا ننسى كم سعت الصهيونية إلى إقامة دولة من خلال الوسائل القانونية. ولعلّنا ننسى ذلك لأننا ننظر إلى القانون الدولي كمعيار عادل، ونتجاهل أنه كان أيضاً أداةً تستخدمها القوى الكبرى لتسوية النزاعات في ما بينها، وإضفاء الشرعية على سيطرتها على المستعمرات، كما هو الحال مع نظام الانتداب الذي خرجت به عصبة الأمم.

وعندما خُلقَت دولة إسرائيل بالاستيلاء على أملاك الشعب الأصلي في فلسطين، راح هذا الارتباط بالقانون الدولي يبلى على نحو متزايد. وعندما يقول “معتدلون”، مثل تسيبي ليفني، وزيرة العدل السابقة والمحامية، لمفاوضيها الفلسطينيين في العام 2007 إنها “ضد القانون، القانون الدولي على وجه الخصوص والقانون بشكل عام”، أو عندما يفرض المستوطنون “المتطرفون” قانونهم الخاص وهم يضرمون النار في بساتين الزيتون الفلسطينية، فإنهم جميعاً يعودون إلى تبنّي فكرة الاختيار. ولكن مع معنى جديد هذه المرة: ليس اليهود شعباً يقف خارج نطاق القانون الإنساني (كعبرة يضربها الله للبشرية)، وليسوا أمة بين الأمم، بل أمة تقف “فوق” الأمم الأخرى وفوق القانون!

المصدر كنعان

الصهيونية والمعاني الثلاثة ل”شعب الله المختار”
نديم خوري- أُستاذ وباحث من فلسطين
ترجمه عن الإنغليزية “ثائر ذيب”