العلاقات الإقتصادية في تناقض تناحري – د. عادل سمارة

 
قدمت هذه الورقة في ندوة بعنوان مستقبل العلاقات التجارية-الاقتصادية الفلسطينية مع اسرائيل  بدعوة من كلية الحقوق والإدارة العامة في جامعة بيرزيت، يوم 20 كانون الأول/ ديسمبر 2016، شارك فيها د. محمود الجعفري من جامعة القدس/ابو ديس، و د. سامية البطمة من جامعة بير زيت، وأنا كضيف خارجي.

 
ملاحظة: آثرت كتابة هذا النص المقتضب جداً، ليس لأن وقت الحديث كان محدودا وحسب، بل اساساً لأني من خلال أسئلة الحضور وجدت أن النص ومراجعه قد تكون ذات فائدة وخاصة لجيل الطلبة والباحثين الجدد.

رغم أن عنوان الندوة يهدف قراءة والتعامل مع آليات تطور هذه العلاقة، إلا أنني لم أجد أفضل من هذا العنوان الحدِّي معتقداً أنه يختصر العلاقة تلك. تذكرت مقولة المؤرخ الأمريكي الأبيض الراحل الضد عنصري هاوارد زِن: ”  لايمكنك ان تكون محايدا في قطار متحرك”. فالقطار فلسطين.

لذا سأتحدث خارج التيار السائد الذي يستخدم خطاب: دولة، استقلال، سيادة اتفاقات اقتصادية مع دول…الخ. وهذا يعني قراءة نقدية لمبدأ العلاقة مع العدو الاستعماري الاستيطاني، اي رفضها. وإن كان نفيها ليس سهلا اليوم فهذا لا يعني القبول بها وعدم الشغل على مقاومتها. وهنا تكمن المعضلة.

يتفق كثيرون على أن العامل المادي/قوى الإنتاج وتطورها هو/هي محرك التاريخ عبر تمظهرها في المصالح الإجتماعية الطبقية ومن ثم القومية. ولكن لا يمكن اختزالها في مصطلح الاقتصاد لأنها أوسع بكثير. ومع ذلك لا نُحيط باهمية العامل المادي هذا أو الاقتصادي بعيداً عن القرار السياسي. ويتضح دور القرار السياسي كلما تحدثنا عن تقدم البشرية من ما قبل الدولة إلى الدولة في العراق قبل 6000 سنة وحتى اليوم. لذا، فإن القرار السياسي هو العامل الحاسم في تفعيل الواقع الاقتصادي. هو الذي يضيىء على اهمية هذا الواقع. وعليه، يُجمع كثير من مفكري التنمية على أن العامل المالي (راس المال) يأتي في مرتبة ثانية بعد القرار السياسي الذي يُفترض أن يكون سياديا بالطبع.

مدخلي هو الاقتصاد السياسي بمعنى أخذ المسألة بأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية/الطبقية والثقافية والنفسية. بكلام آخر، إخضاع الرقم للمكون الاجتماعي السياسي الذي أحدثه ومن ثم قراءة التأثير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لذلك الرقم كي لا يبقى في نطاق (نمو، عجز، ميزان تجاري…الخ) بل قراءة من هم الناس الذين يكمنون وراء الأرقام، سواء المنتجين، أو المستهلكين، أو المستفيدين أو الفاسدين أو المستغلين …الخ وفي هذا يتبين التناقض والتحالف والتساوق والتواطؤ…الخ.

أما وحين يكون المطلوب قراءة علاقة عدوين، فذلك مستحيل بعيدا عن الاقتصاد السياسي بما هو أساسي في قراءة التناقض في التشكيلة الواحدة فما بالك بين تشكيلتين نقيضتين تناحرياً.

 
توريث التبعية:

 
كما هو حال الوطن العربي، ترتد التبعية الحالية في الأرض المحتلةإلى التخلف المورَّث على مدار اربعة قرون من الاستعمار العثماني اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا تحت غطاء الشراكة الدينية. أي استخدام الدين كآلية إخضاع وبزل الفائض إلى المركز العثماني. وهذا ما أسس لما اسميه “انظمة وقوى الدين السياسي-تسييس الدين”  وليس الإسلام السياسي كما هو دارجاً[1]

أعقب ذلك توريث الوطن للاستعمار الأوروبي الذي لا يجمعه مع الأمة العربية أي جامع وخاصة الجامع الثقافي الديني، حيث ورث بنى هالكة متهالكة مما جعل استعمارها أكثر سهولة. إلى ان كانت الاستقلالات الشكلية في الوطن العربي والتي حُرمت منها فلسطين حيث تم قطع تطورها الذاتي مقارنة أو اسوة بالقطريات  العربية الأخرى. فقد تم اقتطاعها من سوريا لصالح المستوطنين اليهود بموجب خطة تجزئة الوطن العربي الاستعمارية سايكس-بيكو 1916 والتي تلاها وعد بلفور 1917. وبعد اغتصاب معظم فلسطين عام 1948 تم توريث بقية فلسطين كحالة متخلفة للأردن ومصر المتخلفتين ايضا. إلى أن تم احتلالهما من الكيان الصهيوني عام 1967،ليصبح  تكريس تخلفهما ومن ثم إلحاقهما باقتصاد العدو[2] هو الهدف الرئيس وصولا إلى تحويلهما إلى أرض بلا شعب. وعلى ضوء طبيعة وجوهر اتفاقات أوسلو وبروتوكول باريس، فإن هذه الاتفاقات ليست أكثر من آليات لتسهيل قضم بقية الأرض طبقاً  لسياسات العدو التي استبدلت الطرد التام عام 1948 بسياسات الإزاحة لإيصال الفلسطيني إلى الإنزياح الذاتي[3] .

 قراءة العلاقات الاقتصادية  بين الطرفين بموجب وبعد اتفاقات أوسلو يجب ان ترتكز على الوقائع على الأرض قبل الاتفاقات والنصوص. ومن ثم فحصها بموجب النظريات المتعلقة بمثل هذه العلاقات، اين تتطابق /أو تلتقي وتختلف…الخ. ذلك لأن تقاطع  سياساته مع استراتيجيته عالياً بما يقارب التطابق، بمعنى انه أي العدو يعتبر كل فلسطين خاصته.

لذا، من يقرأ العلاقات الاقتصادية مع الكيان بعد أوسلو يتبين بان السلام لديهم طبعة أخرى من الحرب. وفي افضل قراءة لهذه العلاقة بعد أوسلو يتبين بأن “سلام الشجعان” هو سلام راس المال أي استفادة الرأسمالية الصهيونية بشكل اساس واكتفاء الراسمالية الكمبرادورية والبيروقراطية الفلسطينية بشكل جزئي اي على اساس اقتصاد التساقط Trickle-down Economy. هذا إذا حصرنا القراءة في المستوى الاقتصادي فقط عازلينها عن مسألة اغتصاب الأرض وبناء المستوطنات اي الإصرار على اغتصاب كل الوطن.

نعم لا شيىء تغير، فقد انتقلت سياسة الطرد 1948 إلى سياسة  الإزاحة بالقمع والسجن والقتل ونهب الأرض ومقلاة الأسعار مع تدني المداخيل والبطالة…الخ إلى تشجيع الفلسطيني على الانزياح الذاتي أي الرحيل. هذه السياسة لا تنم عن علاقات اقتصادية بل علاقات حربية.

وبالطبع قامت سياسات الكيان على قراءات اقتصادية للعلاقة. ولعل عزرا سادان  وسيمحا باهيري من أكثر اقتصاديي الكيان تعاطيا مع  هذه العلاقة، وربما لخصها سادان قبيل مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو في نصيحته للحكم العسكري الصهيوني بان لا يتردد في “منح” تراخيص مصانع في المناطق المحتلة 1967 لأن هذه الصناعات ستكون تابعة للصناعات “الإسرائيلية” وسيبقى الاقتصاد تابعا ايضا مما لا يُقلق الكيان بل يخدم اقتصاده. وكان الكيان اساسا وباكرا قد رمى إلى هذه المناطق المحتلة بالكثير من ماكينات الصناعات التقليدية وذلك عبر مسيرة اقتصاده في الانتقال من الزراعة للصناعات الوسطية فالتقليدية الثقيلة فالهاي-تك[4].

 
م.ت.ف والجهوزية للتبعية

 
دأبت قيادة المقاومة ومثقفيها قبيل اتفاقات أوسلو على التركيز على البعد المسلح وحده. وتم تجنيد المثقفين لمديح القيادة والتغني بهذا البعد الواحد مما حول المثقف إلى تابع للسياسي، وهو ما ادى بمحمود درويش إلى المبالغة في القول: “من يخرج على الشرعية يخرج على الإنسانية”  جاعلا من القيادة “ظل الله في الأرض”!

لم يكن هناك اهتمام حقيقي ببلورة نظرية وبردايم تنموي للأرض المحتلة حينما كانت المنظمة خارج هذه الأرض. كان الهدف الأساس لكل فصيل كسب الولاء وهو ما تجلى في التحويلات المالية للشخوص والزلم وليس لتقوية قطاعات الإنتاج، وهذا اهتمام بالأفرد والشرائح في أحسن الأحوال وليس بالطبقات والشعب عموما!
وحتى حين تشكلت لجنة الصمود والتصدي وتجلت في اللجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة 1978، لم تضع رؤية اقتصادية حقيقية للأرض المحتلة بل انحصرت في شراء الولاءات وتسريب اموال في غير قطاعات الإنتاج[5].

كان البردايم الاقتصادي المطروح من م.ت.ف قبل اوسلو هو إقامة تايوان او سنغافورة في الضفة والقطاع، ولم يتذكر هؤلاء أن هذا البردايم/النموذج هو:

  • نموذج فترينا تابعة الهدف منها في جنوب شرق آسيا تقديم نموذج نجاح راسمالي يقوم على التوجه للتصدير  في مواجهة نجاح الصين الشعبية
  • وأن الإمبريالية تعتبر تايوان في المنطقة هو الكيان الصهيوني ولن تسمح بغيره[6].

لذا، وبناء على هذا الخيار الراسمالي التابع والنمط الفتريني، عجز اقتصاديو م.ت.ف عن التقاط درس الانتفاضة الأولى حيث لم يتقدموا بمشروع تحويل الانتفاضة أو إكسابها بعدا تنمويا وثقافيا وخاصة لأنها نضال شعبي وليس نخبوي، فلم تتم رعاية ولا إقراض ولا التبرع لقطاعات الإنتاج[7].

بل للمفارقة، تم استثمار الانتفاضة سياسيا فقط لصالح وهم دولة في الضفة والقطاع المحتلين. ولذا، حينما تم توقيع اتفاق أوسلو أعلنت قيادة  م.ت.ف وسلطة أوسلو وقف المقاطعة ووقف مناهضة التطبيع!

وعليه، فإن قيادة المنظمة والسلطة قد حملت إلى الأرض المحتلة  إثر إتفاقات أوسلو تركة أو ورثة التبعية التي اسس لها الاستعمار العثماني!

 
هل هي علاقة مركز محيط؟

 
من ناحية اقتصادية بحتة، إن علاقة مركز –محيط واردة لوصف العلاقات الاقتصادية مع الكيان بمعنى أن الكيان هو المركز الصناعي وقوة التصدير الزراعي والصناعي ايضا الى المناطق المحتلة.

ولكن ما ينفي انطباق هذه العلاقة تماما بين الطرفين هو:

  • أن الكيان يقوم على أرض فلسطينية
  •  ان المناطق المحتلة ليست بلدا ذا سيادة.
  • أن العلاقة التجارية بين الطرفين غير متوازنة لأن منتجات الكيان تتدفق إلى الضفة والقطاع بلا شروط بينما هناك شروطا مجحفة تجاه المنتجات من الضفة والقطاع إلى الكيان. أي ان العلاقة انفتاح فلسطيني وحمائية صهيونية.

وهذا ينقل طبيعة العلاقة إلى تقاطع ما مع التبادل اللامتكافىء حتى بمستواه المتمثل في ميزان تجاري مائل جدا لصالح الكيان كطرف اقوى اقتصاديا بما لا يُقاس. ولكنه تبادل لامتكافىء مسلح، بمعنى أن حصول او قيام هذه العلاقة متأتيا من وجود الاحتلال العسكري للضفة والقطاع. بمعنى، أن وجود الاحتلال هو الذي كرس هذا الشكل من التبادل. فلو كان للمناطق المحتلة الخيار لاختارت استمرار علاقات تبادل مع الدول العربية المجاورة أو اية بلدان أخرى يتوفر لديها الطلب على منتجات هذه المناطق ومرونة التبادل معها مما يسمح بتطبيق قانون قيمة مشترك مع هذه البلدان بعيدا عن قانون القيمة على الصعيد العالمي بدرجة كبيرة وعن قانون القيمة الإخضاعي مع الكيان وتكون نتيجة ذلك احتفاظ هذه المناطق بسيولة او فائض للاستثمار المحلي.

 
الاستعمار الداخلي:

 
هناك اختلافات بين الفلسطينيين وحتى العرب على توصيف الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. ليس هذا مجال قرائتها. من جانبي كمتحدث أنا اعتبر أن احتلال بقية فلسطين 1967 قد كرس أن فلسطين خاضعة لدولة او سلطة استعمار استيطاني وبأنها دولة واحدة لكل مستوطنيها وحسب. 

في تعريف الاستعمار الداخلي، فهو داخل البلد الواحد والأمة الواحدة والقومية الواحدة، كحالة البرازيل في سبعينات القرن الماضي. أما في حالة فلسطين فلا يتشابه مع ذلك التعريف سوى حالة وجود مستعمرات استيطانية تستغل اقتصاد الضفة والقطاع.

بهذا المعنى، فإن في الضفة الغربية حالة من الاستعمار الداخلي، اي كيانات او مستوطنات بل مدنا استيطانية (أريئيل، جيلو، معاليه ادوميم، موداعيم) متطورة عن الاقتصاد المحلي تستغل الأرض وقوة العمل وتسوق منتجاتها.

وعليه، لا يمكن وصف العلاقة بين الطرفين بأنها علاقة استعمار داخلي
 

الانفتاح والحمائية:

 
يمكن قراءة العلاقة بين الطرفين ايضا على ارضية الاقتصاد العالمي من حيث الخطاب وتناقضه مع الواقع.فما أرساه كلاسيكيوا الرأسمالية ريكاردو وسميث وحتى قبلهما الفيزيوقراطيين “دعه يعمل دعه يمر”  هو ما اسموه حرية التجارة ومؤخرا  الشعار الخبيث الذي روجت له اللبرالية الجديدة “تحرير التجارة الدولية” جميع هذا يندرج تماما في بنية ومن ثم علاقة مركز-محيط اي مصلحة المركز في انفتاح أسواق المحيط له لبيع منتجاته وخدماته في حين يصد منتجات المحيط باسلوبين:

  • الأول تفوقه في الإنتاجين الزراعي والصناعي
  • والثاني شروط ومواصفات منتجات المحيط بما لا يسمح لها بدخول المركز سوى السلع غير المتوفرة فيه كالنفط كموهوبية ثرواتية.

ومع ذلك، يسمي الغرب النفط ب “سلعة عالمية[8]” ليحول دون تحكم دولة محددة بها. بينما لا يسمي التكنولوجيا والغذاء سلعا عالمية حيث يحتكرها الغرب الرأسمالي!

من يراجع العلاقات التجارية بين المناطق المحتلة والكيان يجد تشابها بينها وبين الحمائية والانفتاح في السوق الرأسمالي العالمي.

 
مختصر القول بأن الخطاب الاقتصادي اللبرالي الغربي هو الانفتاح، بينما السياسات المطبقة هي الحمائية Protectionism . وهذا يؤكد القرار السياسي ودوره.

 

التماهي بدل المقاومة

 
لنبتعد عن الاقتصاد قليلا كي نختار أحد الشعارين:

  • الحياة مقاومة
  • الحياة مفاوضات.

طبقا، للتحليل أعلاه، فإن العلاقة مع هذا العدو هي علاقة مقاومة لا مفاوضات.

أي أعود لأساس موقفي وهو ان العدو ليس جارا بل مغتصبا. وهي حقيقة لا يخفيها هو، بل يمارسها بما أختصره هنا في مستويين:

  • أ- مواصلة العدو  سحق الحيز الفلسطيني منذ 1948 وحتى اليوم، وهذا ينقض تحليل إيلان بابيه بان سياسة الكيان هي تطهير عرقي وذلك لثلاثة اسباب:
    • الأول: أن التطهير العرقي يحصل بين طرفين كليهما أصلاني اي له حق في الأرض، وهذا ليس حال فلسطين.
    • والثاني: أن التطهير العرقي يحصل في جزء محدد وفترة معينة بينما في فلسطين حصل ويحصل الطرد منها كلها وبشكل لا يتوقف.
    •  والثالث: أن التطهير العرقي لا يقود دائما إلى الاقتلاع المطلق للشعب المقهور، بينما الكيان يهدف إلى اغتصاب الحيز وتقويض المشروع الوطني والبنية الاجتماعية والسكانية والاقتصادية والطبقية والثقافية الفلسطينية.
  • ب-: إن التناقض في حالتنا هو وجود مركز استعماري استيطاني يعتمد القوة المسلحة ومحيط اختار التبعية الطوعية بغض النظر عن الخطاب العالي من نمط : “القرار الوطني المستقل” و “ضعف او تخلي العرب” و/ أو الموازين الدولية…الخ.

وهكذا، تم اختيار التبعية بدل استثمار الانتفاضة الأولى وتحويلها إلى انتفاضة تنموية وثقافية، علماً بأنها وفرت مناخا وتطبيقا لدرجة من المقاطعة وفك الارتباط وأرست إمكانية التنمية الممكنة الوحيدة وهي التنمية بالحماية الشعبية[9]، حيث أتى مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو كي تقتلع الانتفاضة وتعلن التطبيع ووقف المقاطعة.

من المفارقة بمكان أن مثقفي م.ت.ف قد أتوا معها إلى الأرض المحتلة واجتذبوا إلى جانبهم مثقفين ممن في الأرض المحتلة نفسها كي تتكون فرقة من الاقتصاديين الذين حملوا جميعا جرثومة التبعية والترويج للتسوية. بدل العمل على وضع خطاطة  لأعلى درجة ممكنة من فك الارتباط باقتصاد العدو.

تمظهر هذا في كتابات وأطروحات تتحدث عن الاقتصاد بشعارات سياسية في جوهرها، منها تبني سياسات لبرالية، (لاحقا انتقلت إلى اللبرالية الجديدة) ووصفات المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي لمنطقة أو بلد لم يستقل ودخل في ما يمكن تجاوزا تسميته حالة “تكوين أمة/دولة” أي Nation Building وهي المرحلة التي يجب ان تتناقض مع وصفات البنك والصندوق لا ان تتبناهما!

بل وأمعن البعض من الاقتصاديين ذهابا في الحديث عن ضرورة بناء  اقتصاد موحد لأربعة أجزاء فلسطين –حسب وصفهم- اي اقتصاد الكيان الصهيوني، واقتصاد فلسطينيي 1948 واقتصاد الضفة الغربية واقتصاد قطاع غزة في تغافل عن ان كل هذا ليس سوى تشريع تبعية لاقتصاد الكيان الصهيوني وتحديدا قطاعه الراسمالي اليهودي[10]

وذهب البعض الآخر لما هو ابعد من ذلك، أي بالدعوة إلى “رباعية بر الشام” أي دولة واحدة مكونة من سوريا، الأردن، لبنان وكل فلسطين[11].

لا بد هنا من التركيز على مسألة هامة لعبت دورا اساسيا في تجنيد معظم الاقتصاديين ضمن نهج التسوية السياسية مما قادهم إلى التساوق مع حالة التبعية وهي عجز هذا الحكم الذاتي عن الاعتماد على إمكاناته الذاتية مما جعل اعتماده على الريع/المال المسموم مسألة فاصلة مفصلية.

نحن هنا في غنى عن تكرار القول بأن سلطة الحكم الذاتي لم تأت عبر استقلال حقيقي ولم تؤدي إلى سيادة على الأرض. وإذا كان هذا العيب الخطير في النصوص، فإن الأخطر هو في اعتماد هذه السلطة على الريع المالي الأجنبي والذي هدفه تمويل بقاء هذه السلطة مقابل حفاظها على الاتفاق السياسي اي اتفاقات أوسلو!

 هذه الوضعية السياسية التابعة لمصادر التمويل، مولت بهذه المصادر أجهزة امنية وإدارية واسعة وبيروقراطية مما خلق حالة من الفُصام المجتمعي بمعنى تعيُّش اكثر من ثلث المجتمع من وظيفته/دخله من السلطة لكي تتشكل حالة من “مجتمع السلطة” بتراتب طبقي يبدا من الوزير وينتهي باصغر الموظفين. بينما بقية المجتمع يعيش سواء من كونه منتج مستقل أو مالك كبير أو معتمد على تحويلات المغتربين أو من منظمات الأنجزة.

وإذا دار كل ما ذكر في نطاق السياسة الاقتصادية اللبرالية والتابعة، فإن  الانتقال إلى السياسة اللبرالية الجديدة على يد د. سلام فياض قد وضعت الأكثرية الشعبية في مقلاة دفع ضرائب اعلى وأكثر تنوعا. والطريف أنه وعد في فترته بان الدولة المستقلة على الأبواب وتساوق مع صندوق النقد الدولي ليتحدث عن نمو في المناطق المحتلة أعلى من نمو الصين الشعبية. وهو نمو إن صح وحصل، فهو نتاج سيولة ريعية مولجة في هذا الاقتصاد من الخارج وليست متأتية من قطاعات الإنتاج المحلي. وأما النتيجة فكانت لادولة ولا نمو مناسب. بل نمو انتفاخي.

يمكن لمن رغب في قراءة نقدية للكثير من اقتصادي التسوية والتبعية الفلسطينية أن يطلع على مقالتي المطولة: “استلاب التموُّل واغتراب التنمية[12]“، ليطلع على ما هو غريب حقا، حيث يتلاقى اقتصاديون ومثقفون من الوان لبرالية ونيولبرالية ويسارية في تحالف مع التبعية بل زعم مثقف يساري بأن التنمية ممكنة تحت الاحتلال! وهو ما يوحي حقيقة بالاندماج وليس فك الارتباط!  وهي مواقف ترتد اساساً إلى الموقف  بل والقرار السياسي في تقاسم الوطن مع العدو.

في هذا المناخ او التوجه الاندماجي، واجه الاقتصاد المحلي، بل واعتاد على:

  • توسع ظاهرة الاستهلاكية وخاصة من منتجات العدو، وتغطية هذا الاستهلاك من حقن الريع وليس تدفق الإنتاج.
  • تهريب الفائض المحلي إلى مصارف خارجية
  • وهذا يعني ضعف تكوين الفائض
  • انكسار أشد في معادلة عمل /رأسمال و “حتمية” الاعتماد على العمالة في اقتصاد العدو لسد عجز الميزان التجاري إضافة إلى عائدات المقاصة.
  • وافتقار المناطق المحتلة لقلب اقتصادي حيث ترتبط كل مدينة ومحيطها باقتصاد العدو

وهذا ما نراه اليوم من حيث تبعية مختلف الطبقات الاجتماعية اقتصاديا لاقتصاد الاحتلال او لمصادر الريع، أي تخريب طبقي، وهذا يحول دون تماسك ومشروع وطني، وهو ما ترونه الآن؟

بقي أن اشير هنا إلى ان معظم الاقتصاديين الذين تماهوا مع سياسات سلطة الحكم الذاتي بقوا محصورين في نطاق الأراضي المحتلة مبتعدين عن العمق العربي وحق التبادل الخارجي عموما، وهذا تورط في التبعية من جهة، وفصل الاقتصادي عن السياسي مما يجعل مهمة الاحتلال أكثر سهولة. ذلك لأن التوجه للمقاطعة ومناهضة التطبيع وأعلى قدر ممكن من فك الارتباط يتطلب فيما يتطلب علاقة مع الخارج وخاصة مع الاقتصادات العربية.

لا بل هناك مفارقة فاجعة وهي أن الكيان يقيم علاقات تجارية مع اقتصادات عربية، ليحل محل العلاقات الفلسطينية العربية! ولعل علاقات تشريك البنى التحتية مع الأردن ومصر ومنها قناة البحرين دليلا على ذلك، ناهيك عن تصدير الغاز وتسويق منتجات العدو مباشرة أو بتزوير المنشأ.

 
البديل:

 
كان لافتاً في النقاش الجيد من الحضور نقدهم للمتحدثين باننا لم نتحدث عن مستقبل العلاقة بين الاقتصاد المحلي واقتصاد العدو. هذا مع أن كلا منا اشار إلى هذه المسألة في حدود الوقت المتاح .

هنا أعود إلى بداية هذا الحديث كي اؤكد بان الخلل الأساس هو في القرار السياسي والذي تم دعمه من الاقتصاديين والمثقفين العضويين لبرجوازية التسوية!

 
ليس أمامي هنا سوى الإشارة إلى أن التنمية تحت الاحتلال مستحيلة، وبان التنمية  الممكنة ولكن الصعبة هي ما صغته في بردايم “التنمية بالحماية الشعبية”. وهو متوفر في المراجع المدرجة في هوامش هذه الورقة وبعضها موجود في روابط في نشرة كنعان الإلكترونية Kanaanonline.org. والرابط التالي:

Kana’an Magazine Fall 2015 Issue 159 November 2015

ملخصا لبردايم التنمية بالحماية الشعبية، ومقارنة بين السياسات الاقتصادية لكل من كوبا والحكم الذاتي .

أما رابط العدد (النص الكامل) فهو:

https://kanaanonline.org/quarterly/?p=64

 
كما نشرت المقارنةمع كوبا في  جريدة البناء اللبنانية:

مقارنة حالتين في مواجهة أزمتين… كوبا والأرض المحتلة 1967
الانتفاضة بالحماية الشعبية في مواجهة الاستهلاكية 

نوفمبر 4, 2015 دراسات تكبي

اترك تعليقاً