القدس بين الهوية والتهويد والتواطؤ والتخاذل العربي – د. غازي حسين

في سابقة خطيرة وعمل عدواني خطير ينتهك مبادئ القانون الدولي العام والقانون الدولي والإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وقرارات مجلس الأمن الدولي حول القدس.

وفي ظل تخاذل وتواطؤ جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولجنة إنقاذ القدس، والنظام العربي الرسمي، وآل سعود وثاني ونهيان أقدمت قوات الاحتلال الصهيوني على تدنيس محراب المسجد الأقصى المبارك، وداسته بالأحذية بعد أن اقتحمه 300 جندي صهيوني وعشرات المستعمرين اليهود، وهاجموا المصلين المتواجدين في المسجد الأقصى والقبلي بوحشية.

وأغلقت قوات الاحتلال جميع بوابات الأقصى بشكل كامل ومنعت دخول المسلمين إليه لأول مرة في تاريخ المسجد المبارك. واعتصم المقدسيون وأبناء شعبنا من الداخل الفلسطيني وطلاب المدارس الشرعية عند بوابات الأقصى من الخارج، احتجاجاً على منعهم من الدخول ورفضاً واستنكاراً للاعتداء على المسجد الأقصى.

وجاء الرد الفلسطيني فوراً على اقتحام وتدنيس الأقصى والأطماع اليهودية لتقسيمه زمانياً ومكانياً كما فعل الإرهابي نتنياهو في المسجد الإبراهيمي في الخليل، وذلك مقدمة لهدمة وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه، وقام الشهيد معتز حجازي في عمليته البطولية في حي الشيخ جراح داخل القدس القديمة.
تعني عملية تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً وصول دولة الاحتلال إلى المرحلة الأخيرة قبل تهويده، والتي تجسد أخطر مراحل تهويد المقدسات الإسلامية، فالمسجد الأقصى يتعرض لهجمة إسرائيلية غير مسبوقة تستهدف هويته ووجوده. وبالتالي تستهدف الحقوق الدينية والوطنية والقومية والإنسانية والقانونية للعرب والمسلمين في مدينة القدس، مدينة الإسراء والمعراج وأولي القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
وتستهدف عملية التقسيم تكريس وترسيخ حقوق يهودية مزعومة في مكان المسجد الأقصى وساحاته.

ويعني التقسيم الزماني والمكاني أنه يحق لليهود أن يزيلوا أبنية داخل ساحات الأقصى أو يضيفوا أبنية جديدة. ويعتبر هذا الإجراء من أخطر القرارات التي تمس العقيدة الإسلامية ومقدساتها، لأن للأقصى ومدينة القدس قيمة دينية وسياسية وحضارية هائلة عند مليار و400 مليون مسلم.

وسيكون لهذه الخطوة الخطيرة تداعيات خطيرة، وردود فعل هائلة داخل فلسطين وخارجها وفي جميع البلدان العربية والإسلامية للدفاع عن مسرى النبي (صلعم) ومعراجه إلى السموات العلا.

فتحت سلطات الاحتلال متحفاً يهودياً تحت المسجد الأقصى، وهو عبارة عن تدشين المسجد الأقصى ككنيس يهودي وقبلة لليهود لتأدية صلواتهم وطقوسهم التلمودية مقدمة للبدء بتدميره.

ويرمي مشروع التلفريك الذي سينطلق من جبل الزيتون ليمر فوق المسجد الأقصى إلى القدس الغربية إلى استباحة سماء الأقصى وساحاته من قبل المتطرفين اليهود، وفرض الكيان الصهيوني سيادته الجوية على فضاء المسجد الأقصى، وتأتي الأنفاق تحت أساسات المسجد الأقصى حتى بلدة سلوان كمحاولة يهودية لفرض سيادتها على ما تحت المسجد لهدمه وبناء الهيكل على أنقاضه.

ويقوم الكيان الصهيوني ببناء كنيس في ساحة المغاربة التي حولها إلى ساحة حائط المبكى مقابل مسجد قبة الصخرة، وذلك بالإضافة إلى كنيس مطلة النور، وهو من أكبر الكنس المحيطة بالمسجد الأقصى.

وتسيطر على المساجد وتعمل على تهويدها وطمس هويتها، وتحولها إلى كنس يهودية أو زرائب وبارات وأندية ليلية، أو تغلقها وتمنع الصلاة فيها. وبلغ عدد المساجد التي طالتها الأيدي الصهيونية المجرمة حوالي 300 مسجد في الأراضي المحتلة عام 1948.

وحوّلت مسجد قلعة داوود في القدس إلى متحف، وكذلك المسجد العمري الكبير في حارة الشرف.

وسنت قانوناً يلغي الأسماء العربية في القدس ويمنع تداولها في سياق تهويد المدينة وتعمل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على محاصرة القدس بالمستعمرات وبالبؤر الاستيطانية في داخل الأحياء العربية في القدس القديمة مثل حي الشيخ جراح وخارجها، وتزييف تاريخ المدينة العربية الإسلامية بتعاون وتنسيق كاملين بين حكومة العدو وقطعان المستعمرين اليهود والمنظمات اليهودية وأغنياء اليهود في العالم وبدعم وتأييد كاملين من الإدارات الأمريكية.

وأقاموا الحدائق التوراتية المزيفة في باب العامود وحول أسوار القدس القديمة.

وقامت سلطات الاحتلال ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية من أجل تغيير الواقع الديمغرافي في المدينة المحتلة لمصلحة اليهود وتقليل نسبة السكان الفلسطينيين فيها، وذلك لتهويد البشر والحجر ونسف الطابع العربي ـ الإسلامي للمدينة المقدسة.

وأقاموا شبكة كبيرة من الأنفاق تحت أساسات المسجد الأقصى وتمتد إلى سلوان، وافتتح الإرهابي نتنياهو بعضها، مما أدى إلى انتفاضة الأنفاق في التسعينات من القرن الماضي، واستشهد أكثر من (80) عربياً في أقل من 24 ساعة خلال فترة حكم الإرهابي نتنياهو. وتقود الأنفاق إلى تقويض أساسات المسجد الأقصى وتهويده.

وأكد بيرس أن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية، فيما أعلن الجنرال موشيه يعالون أن جميع الأحاديث عن تقسيم القدس هي: كالغبار المتطاير والحلم العابر، وأعلن رئيس الكنيست ديفلين أنه لن يكون هناك مفاوضات بشأن القدس.

وغيَّر الكيان الصهيوني أسماء أكثر من سبعة آلاف موقع فلسطيني من العربية إلى أسماء عبرية، وهدم أكثر من 24 ألف منزل مقدسي منذ الاحتلال عام 1967، وأقام 218 كنيساً، و(70) منها داخل البلدة القديمة.

ويوجد إجماع ديني وسياسي واستراتيجي ومصلحي بين السياسيين والحاخامات اليهود على بقاء ضم القدس للكيان الصهيوني كعاصمته الأبدية وهدم المسجد الأقصى المبارك وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه؟

فأين لجنة إنقاذ القدس التي شكلها مؤتمر القمة الإسلامية بعد محاولة العدو الصهيوني إحراق المسجد الأقصى في 21/8/1968 مالتي يرأسها ملك المغرب؟

إن فلسطين والقدس والأقصى باركها الله والرسول الأكرم، وهي أمانة في أعناق العرب والمسلمين حتى يوم القيامة. واختار الله عز وجل الشعب العربي الفلسطيني البطل لحمل أمانة حمايتها والدفاع عنها من النهر إلى البحر ومن رأس الناقورة حتى رفح، والسيادة عليها ثلاثية الأبعاد: فلسطينية وعربية وإسلامية.

واليوم يتحمل شعبنا العربي الفلسطيني الصامد والصابر المواجهة وحده نيابة عن الأمة لحمايتها وتحريرها من أخطر وأوحش استعمار استيطاني يهودي عنصري إرهابي.

إن القدس مدينة عربية ـ أسسها اليبوسيون العرب قبل ظهور الديانات السماوية، وحررها رجال الصحابة من الغزاة الرومان، وأصبحت مدينة عربية ـ إسلامية ومدينة الإسراء والمعراج، وعاصمة فلسطين والعرب والمسلمين احتل العدو الصهيوني الشطر الغربي من القدس في الحرب العدوانية التي شنها عام 1948، والشطر الشرقي في حرب حزيران العدوانية عام 1967 وكانت العاصمة الثانية كالأردن.

إن حقائق التاريخ والجغرافية والديمغرافية والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والواقع تثبت أن القدس بشطريها المحتلين مدينة عربية ـ إسلامية ولا يوجد لليهود فيها أو في كل فلسطين أي أثر على الإطلاق، كما أكد علماء الآثار اليهود وغير اليهود.

إن هوية القدس العربية جوهر قضية فلسطين، ومفتاح الحرب والسلام في المنطقة.

ففلسطين هذه البقعة المباركة، هي قلب الوطن العربي، وسورية الجنوبية أي الجزء الجنوبي من سورية، وبوابة بلاد الشام، وحاضنة القدس والأقصى المبارك وكنيسة القيامة وكنيسة المهد، وعلى أرضها اندحر المغول، وانهزمت الحملات الصليبية.

لذلك عملت بريطانيا الاستعمارية وبقية الدول الغربية والصهيونية العالمية وألمانيا النازية على إقامة الكيان الصهيوني فيها كقاعدة ثابتة معادية لشعوب المنطقة وحليفة للدول الاستعمارية لتفتيت البلدان العربية والإسلامية.

إن أمتنا تستنكر وتدين بأشد العبارات تدنيس المستعمرين اليهود لحرمة المسجد الأقصى المبارك وإغلاق أبوابه أمام المسلمين لأول مرة في التاريخ وبحماية قوات الاحتلال.

وتؤكد أن ما يجري في الأقصى والقدس وبقية فلسطين من استيطان ومصادرة الأراضي والعقارات وتدمير المنازل الفلسطينية وترحيل الفلسطينيين وشطب حق عودتهم إلى ديارهم يهدف إلى تهويد فلسطين والقدس والأقصى.

إن الاقتحامات والتدنيس المتكرر للأقصى ومساعي تقسيمه زمانياً ومكانياً، وتكثيف الاستيطان والحفريات تحته وحوله تلزم فصائل المقاومة وجميع القوى الفلسطينية بتفجير الانتفاضة الثالثة لتحرير القدس والأقصى وفلسطين من براثن أخطر وأوحش استعمار استيطاني عرفته البشرية.

ويستغل الكيان الصهيوني قيام الجماعات التكفيرية بتوجيه ما يسمى بالجهاد لإضعاف أكبر ثلاثة جيوش عربية وهي:

الجيش العربي السوري والجيش العراقي والجيش المصري خدمة لإسرائيل التي تدعم المجموعات الإرهابية في محافظة القنيطرة وقرى جبل الشيخ، فالإرهاب الإسرائيلي الذي يضرب القدس وبقية فلسطين هو نفس الإرهاب الذي يضرب سورية لتصفية قضية فلسطين وإنهاء الصراع العربي ـ الصهيوني، وإقامة إسرائيل العظمى الاقتصادية من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد.

إننا ندين الصمت والتخاذل والتواطؤ العربي الرسمي مجسداً بآل سعود وثاني ونهيان والملك عبد الله الثاني على أدوارهم في الحرب الكونية على شعبنا العربي السوري، مما شجع الاحتلال على تسعير حمى الاستعمار الاستيطاني ومحاولة تقسيم ساحات المسجد الأقصى مقدمة لتدميره وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه تحقيقاً لرغبة تيودور هرتسل.

مؤسس الحركة الصهيونية والحاخامات اليهود وقادة الكيان الصهيوني، وندين بأشد العبارات التحالف بين الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية والرجعية العربية.

ونطالب بالتحرك الفوري للعرب والمسلمين وأحرار العالم وعلى الصعيدين الشعبي والرسمي قبل فوات الأوان للحيلولة دون سيطرة الكيان الصهيوني على المسجد الأقصى وتحرير القدس وفلسطين من الاحتلال الصهيوني الخطير والبغيض.

ونطالب أيضاً برفض التطبيع، وتشديد المقاطعة للعدو، وإلغاء اتفاقات الإذعان في كمب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، وإغلاق سفارات العدو وسحب السفراء، ودعم اندلاع الانتفاضة الثالثة، والعودة إلى خيار المقاومة، وتسليح الضفة الغربية وتقديم المال والسلاح لفصائل المقاومة، وتحرير فلسطين وزوال الكيان الصهيوني كغدة سرطانية خبيثة في جسد الأمة العربية والإسلامية.