القصة القصيرة لن تموت – رشاد أبوشاور

(الغالي الكنعاني، لا توجد قصة في فرنسا ولا كُتاب قصة منذ السبعينات السنوات التي حللت فيها، لسبب تجاري، فالرواية تباع بسهولة، وبعد ذلك لسبب إبداعي، فالرواية تخصص يخطط له ويتم الإعداد له منذ الثانوية. دار غاليمار لعلمك تعمل دورة بعشرات آلاف اليوروهات لبعض الموهوبين الذين يغدون كُتابها، إضافة إلى أن في تراث الإرث الروائي الفرنسي هناك كُتاب رواية عالميون منذ بلزاك مرورًا ببروست وليس انتهاء بسارتر طبعوا الأدب الفرنسي، فأغلقوا باب القصة، وفتحوا كل الأبواب للرواية. إذن هناك العامل التجاري وهناك العامل الإبداعي، هذا لا يعني أن لا أحد يكتب القصة. القصة موجودة، ولكن بحياء، ولموضة الإنتاج هنا في الغرب الرواية منتشرة لاستيعابها علاقات الإنتاج المعقدة وقدرتها.

الحال نفسها بالنسبة للقصيدة، لا يوجد شعر هنا إلا ما ندر بعد كاتب عيون إلزا، وربما هناك عودة إلى كتابة القصيدة بسبب أنترنت وقارئها المستعجل. وفي المستقبل لِمَ لا ستكون هناك عودة إلى كتابة القصة… لهذا أنت بقصصك آخر العمالقة إبداعًا وارتباطًا بعلاقات الإنتاج… محبة!)

هذا نص رسالة الدكتور أفنان القاسم الروائي والقاص والناقد الفلسطيني المقيم في باريس..جوابا عن سؤال وجهته له مستفسرا عن حال القصة القصيرة في فرنسا.

أعرف أن حضور القصة القصيرة في بلادنا العربية قد تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة، ولهذا أسباب منها:

أولا: اختتفاء المجلات الكبيرة الرائدة التي عنيت بنشر القصص القصيرة، ومتابعتها نقديا، وفي مقدمتها مجلة ( الآداب) التي لأسباب كثيرة، منها: التكلفة وقلّة المردود، يعني خسائر نشر المجلة، وقد كانت هذه الخسائر تدفع من دار الآداب للنشر، وغلق الحدود بين الأقطار العربية بسبب الصراعات والحروب، ولؤم الرقابة التي مارست الشك والعدوانية للمجلات الجادة وفي مقدمتها مجلة الآداب اللبنانية.

تيسيرا لتحمل التكاليف اختارت الآداب أن تتحول إلى مجلة الكترونية- بعد رحيل الدكتور سهيل إدريس –  وهي ما زالت معنية بالقصص القصيرة، ويترأس تحريرها الكاتب الدكتور سماح إدريس.

بعض المجلات العربية الجادة اختفت: مجلة(الأقلام ) العراقية، ومجلة (المعرفة) السورية ما زالت تصدر ولكنها بسبب ظروف الحرب العدوانية على سورية لم تعد تتمكن من اجتياز الحدود مع الدول المجاورة، فما بالك بالدول البعيدة ، والتي بعضها أسهمت في تمويل الحرب الإرهابية على سورية، ولا يعنيها الدور الثقافي لسورية العربية.

أمّا مجلة ( القصة) التي كانت تصدر في مصر فقد انطوى ذكرها، وما عادت تصدر منذ سنوات.

مجلة (الحياة الثقافية) التونسية التي تصدر عن وزارة الثقافة ، رغم تعثرها،  ما زالت توالالصدور، وقد أصدرت في العام 2019  عددا خاصا بالقصة القصرة تحديد قصص ما بعد الثورة.

كانت بعض الصحف العربية، ومنها واسعة الإنتشار كجريدة الأهرام  تصدر ملفا ثقافيا يوم الجمعة من كل أسبوع، وكان يتضمن قصصا قصيرة  لكبار الكتاب المصريين: يوسف إدريس، نجيب محفوظ، يحي حقي..مع تشجيع الكتاب الشباب الذين شقوا طريقهم في الستينات والسبعينات.

ثانيا: الإقبال على كتابة الروايات، وترحيب دور النشر بها، بغض النظر عن مستويات كثير منها، وهي تجلب الشهرة، وأحيانا الجوائز.

ثالثا: ما يعود به نشر الروايات على دور النشر من مردود مالي( ربح)، وتبني بعض دور النشر لروائيين تروّج لهم…

هل تموت القصة القصيرة؟

قبل فترة قرأت رأيا لناقد غربي – يؤسفني أنني نسيت اسمه، وأنني لم أسمع به من قبل –  يقول فيه : القصة القصيرة لن تموت، وإن بدا أنها تنحسر حاليا، فهي ستعود لأن القراء في العالم لن يملكوا الوقت لقراءة روايات كبيرة الحجم، وسيريحهم ويشجعهم أن يقرأوا قصصا قصيرة، ولذا ستعود القصة القصيرة لتتألق من جديد.

استوقفني هذا الرأي، ورأيته مقنعا، فالتكنولوجيا تسرق الناس، تستدرجهم، تملأ أوقاتهم..سواء أكانوا يشغلون وظائف تأخذ الكثير من وقتهم، أو كانوا ناسا بسطاء، فالجميع يستخدم الكمبيوتر والهاتف الخلوي، وينفق وقتا كبيرا في العمل الجدي المثمر، أو في ( طق الحنك) واستخدام وسائل التواصل في التسلية والثرثرة والإنشغال بسفاسف الأمور.

شخصيا نشرت أول قصة قصير في جريدة ( الجهاد) الفلسطينية المقدسية، وكان ذلك عام 1966 وما زلت أكتب وأنشر القصة القصيرة واقرأها بشغف حتى يومنا هذا، وأواصل كتابة الروايات، ولا أرى تناقضا، بل تكاملاً، وبالقصة القصيرة والرواية أواصل التعبير عن مشاغل تؤرقني، وتستدعي مني أن أنقلها للقراء…

في بلادنا كتاب أبدعوا في كتابة القصة القصيرة والرواية، وكتاب وقفوا نتاجهم على القصة القصيرة، وكتاب لم تشغلهم  القصة القصيرة واهتموا بكتابة الرواية.

ما يدهشني أن بعض الكتاب ينظرون للقصة القصيرة على أنها قزمة قصيرة القامة، وأن الرواية فن عملاق يمنحهم الشعور بالتمميّز و( العملقة) ، ولعل هذا ما يدفع بهؤلاء للانحياز للرواية، رغم أن رواياتهم ( المنفوخة) بورق مسوّد بكلام إنشائي كثير لا تمنحهم قامات عالية لأنها فارغة وغير ذات قيمة.

تزاحم دور النشر العربية على نشر الروايات لا يعني ازدهار الرواية العرية، وأن تراكم الروايات على واجهات المكتبة يبرر الإحجام عن تبني نشر الأعمال القصصية وتشجيعها، كما لا يعني أبدا أننا في زمن سيادة الرواية العربية، فهذا الكم الروائي لا ترافقه حركة نقدية تقرأه بعمق، وتقعّد له، وتثير حوله جدلا جديا، وحوارات معمقةز.لمساعة القارئ على تمييز الغث من السمين!

ولأنني أكتب الرواية والقصة القصيرة فإنني لا أنحاز لفن على حساب فن، ولا أحسب أن كتاب الرواية ستخلدهم رواياتهم، فكتاب القصة القصيرة الكبار حاضرون عربا وعجما، وعلى سبيل المثال: تشيخوف ..وأو هنري، وهمنغوي..حاضرون بكل بهاء لدى القراء في العالم.. وكتاب عرب أبدعوا في كتابةالقصة القصيرة ما زالوا حاضرين بكل تقدير و..نقرأهم بشغف.

كلمة أخيرة: القصة القصيرة لن تموت، وسيتجدد حضورها بإبداعات مجددة في زمننا..والزمن الآتي.