الكراكي على ضفاف بحيرة الجليل – محمد عادل

رواية المكان والزمان والتاريخ للدكتور حسن حميد:
الكراكي على ضفاف بحيرة الجليل
محمد عادل
المفكر الكبير ابن بلاد الشام أنيس صايغ يقول: في طبريا: وعلى الطريق إلى طبريا، يطيب الموت، لأن المرء يموت واقفا،.. وكأنه لا يموت.. ولعله لا يموت.. هناك يتساوى الموت مع الحياة حلاوة.. ودون ذلك تتساوى الحياة مع الموت. وليس أجمل من طبريا إلا فلسطين مكتملة.
طبريا وما أدراك ما طبريا أجمل بحيرات الدنيا وحولها أجمل وأحلى القرى الفلسطينية.. وفوقها جبل الشيخ ومياهه التي تغذي البحيرة منذ القدم وعلى شواطئها تأتي كل طيور الدنيا لتبني أعشاشها وتؤكد أن هذا المكان الجميل المقدس سكن وعاش فيه أبناء فلسطين منذ ما قبل التاريخ وأكثر.
وتشتهر بحيرة طبريا بالسمك الطبراني، الذي يعد من أشهى أسماك الدنيا ولا مثيل له إلا في بحيرة فكتوريا في أفريقيا.. وبالقرب من طبريا يوجد مكان ما زال في الذاكرة الوطنية لا يغيب هو معركة حطين.. ولهذا لا يتسع المجال للحديث أكثر عن المكان في رواية الكراكي، التي أرادها حسن حميد أن تكون رواية المكان والزمان لشعب تعرض لغزو همجي غربي لم يشهد له التاريخ مثيلاً.. ومع هذا مازال المكان يشهد أن هذه البلاد لنا وستظل لنا إلى أن يرحل الغزاة عن هذه الأرض الطيبة والمقدسة.
رواية الكراكي أو الطائر الجميل كما نسميه أبو سعد واللقلق.. هي رواية الحنين للوطن وللدار ولتوتة الدار ولأنين القصب والأهل والأحبة، رواية الكراكي الحنين للذكريات، التي هي حياة من عاشوا وسكنوا هذه البلاد كما يقول “عبوده من جد إلى جد ومن جيل إلى جيل.. وما توقفت الحياة.. الحنين للطرقات الترابية والخيول والدواب بكل أنواعها.. للحقول، للأشجار العالية، للجبال والوديان وينابيع الماء والصبايا وهن يحملن على رؤوسهن أكوام القش الملون ليصنعن منه صواني القش المخصص للطعام والفواكه والضيافة والزينة.. وما أحلى وأبهى المناظر قرب الماء على ظهور الدواب وهي محملة بالمياه العذبة إلى البيوت.. والعصافير وهي تعزف أجمل وأرق وأعذب الألحان على أغصان الشجر.. ونوار اللوز في أعالي جبال البلاد ليشكل لوحة من الجمال الأخاذ الذي يبهر العيون وكأنه الثلج يعانق سماء البلاد.
الكراكي.. رواية الشوق والحرية والعادات والتقاليد والقيم والمبادئ النبيلة
والعظيمة.. للفرح والغناء والبكاء.. وزمن الحطب ونار الشتاء والشواء..
ورائحة وطعم الكستناء على الحطب.. الشوق للمشي قرب البحيرة والنهر
والينابيع الحارة.. وبين أشجار الحور والدفلى والصفصاف والسريس والخروب
والعناب والمشمش والتفاح والنخيل والدوالي والرمان والسهر على ضوء القمر..
والجوز والقصب.. الشوق لرؤية الصبايا وهن يعملن في الحقول والبيارات
وصوت الناي والربابة واليرغول.. الذي يذكرنا بوطن لا مثيل له في الدنيا فلسطين..
وكأن حسن حميد يريد أن يقول لنا.. إن الجغرافيا قد لا تكون قمة العلوم.. ولكنها بالتأكيد قمة الثقافة.. والجغرافيا هي أعلي مراحل الثقافة وهي علم الثقافة الأساسي، ومن دونها أنت غير مثقف مهما قلت وبها أنت مثقف مهما قصرت ” يأخذك حسن حميد إلى طبريا وما حول طبريا وإلى حيفا وما بعد حيفا والناصرة والجليل والقدس.. والشام ليقول لنا.. كل البلاد لنا.. لأصحابها الذين عملوا بها حتى صارت تشبههم، ونحن من زرعها ليموناً وبرتقالاً ونخلاً.. وجميزاً.. والوردة المجنونة ومكنسة الجنة.. والصبار بكافة أنواعه وخاصة الخضاري قليل الأشواك حلو المذاق المعطر بندى البلاد العالية.
رواية الكراكي.. رواية الحنين للوطن والمكان والذكريات والأهل والأحبة.. رواية الحنين للذكريات التي مازالت في الذاكرة حيةً ومتقدة.. للطرق المرصوفة بالحجارة السود التي تشهد على كل الناس الذين مروا فوقها.. للحقول، للأشجار العالية، للجبال والوديان وينابيع الماء والصبايا وهن يملأن الجرار وقرب الماء على ظهور الدواب.. والعصافير وهي تعزف وتقفز جذلى بين الأغصان.. [هدا البلبل عالرمان سمعته بالليل يغني].. رواية الشوق للحرية والفرح والغناء.. وإيقاد نار الحطب في الشتاء وأيام كانون.. ورائحة الكستناء مشوية على جمر الحطب.. الشوق للمشي بالقرب من البحيرة في الليل وفي ليالي القمر.. وبالقرب من النهر.. بين أشجار الحور والصفصاف والجوز.. الشوق للصبايا وهن يعملن في الحقول وصوت الغناء، الذي يذكرنا بوطن لا مثيل له في الدنيا.. بليالي الحصاد وقطاف الزيتون.. والصيادين على شاطئ بحر حيفا.
الكراكي.. أبو سعد.. اللقلق.. يعرف فلسطين منذ ما قبل التاريخ.. ويعرف الأماكن التي يعيش فيها.. عالِم في الجغرافيا، وعلينا لكي نعرف الجغرافية وأسرارها أن نعرف صندوق العائلة وأسرارها، يجب أن نعرف ماذا يوجد بداخل صندوق العجب.. صندوق الجد الياس الشمندوري.. الذي فيه أسرار الأسرار وما كان وما مضى.. خزائن المعلومات والمدونات والمال والذهب.. تاريخ ما قبل التاريخ وأكثر لأنه يحكي عن زمن لنا.. زمن يشبهنا يتحدث لغتنا، فهو الأرض والسماء وهو بحر الجليل.. والمياه الحارة الدافئة في عز كانون.. في الصندوق أسرار الشمندوري.. والكراكي.. أبو سعد.
يخبرنا عبدالله ” عبوده” أنه عثر على صندوق الجد الياس الشمندوري الذي عاش في الأزمنة الغابرة أو ما قبل التاريخ أو ما قبل الميلاد.. وقد كان هذا الجد المميز من القرّائين والكتبة المعدودين آنذاك في هذه البلاد.
أربعون جداً وأزيد تهيبوا فتح الصندوق لأنهم تعاهدوا واحداً بعد واحد على عدم فتحه حفاظاً على ما فيه من اسرار، وقد قيل إن فتحه سيجلب اللعنة والغضب على الأسرة التي تمتلك هذا الصندوق.. فتحيّد الجميع فتحه.
لذلك تجرأ عبوده وفتح الصندوق وكسر القفل بعد أن فشلت كل المفاتيح في فتحه.. وكأنه يقول لنا لا يوجد غير القوة لمعرفة ماذا يحوي هذا الصندوق وكيف نحافظ عليه.. رأى عبوده كل ما أراد الأجداد أن يجعلوا منه حرزاً أو خميرة أو سنداً أو شاهداً أو معيناً على العيش وفهم الحياة كما يجب.
ومن أسرار هذا الصندوق التحذير من الأعداء وأنهم قد يأتوا ذات يوم ليسرقوا البيوت والأرض وربما يريد أن يخبرنا أن فتح الصندوق يجب أن يكون بالقوة بعد أن فشلت كل المفاتيح في فتحة.. وأن المفتاح يجب أن يكون مسنوداً بالقوة لأن هذا الصندوق يعني الكثير من الأسرار والوثائق التي تثبت من هم الأجداد، الذين عاشوا في هذه البلاد ولم يشاركهم أحد في العيش فوق ترابها المقدس.
وأن اللعنة ربما ستكون القتال أو الحرب مع الغزاة أو من دخلوا البلاد مع الجنود الشقر، الذين بدؤوا يضيقون الخناق على حركة الناس.. أسرار ونبؤات كثيرة لزمن كان يموج بالحياة والفرح والعمل والكفاح على هذه الأرض المباركة، التي باركها حضور سيدنا المسيح عليه السلام ومشى على ماء البحيرة وتحادث مع الصيادين.
يقول عبدالله أن جدي الياس الشمندوري قال” أنا لم أر سيدنا هنا في طبريا..
كنت صغيراً آنذاك، ولم أعرف عن حضوره شيئاً إلا عندما كبرت.. قيل إنه كان
يأتي إلى البحيرة، إلى ضفافها تحديداً، وينام إلى جوار أشجارها، وداخل دغلات
القصب، وكان يخالط الصيادين ألذين أحبوه كثيراً، وانحنوا له مدهوشين وهم
يرونه يمشي فوق سطح الماء، كان ضوءاً أو يكاد.. كان غيماً خفيفاً أو يكاد “
“كيف خرجنا من القدس، كيف قويت أرواحنا على مغادرتها وكيف افتكننا أنفسنا
من روحها الجاذبة. هذه القدس ليست بلدة أو مدينة ولا أعجوبة أو مملكة.. إنها
الدنيا التي باركتها يد الله.. إنها زينة!
شوارعها وساحاتها، وبيوتها، وأدراجها، وأقواسها. وبواباتها، وشرفاتها،
وسقوفها، وأسواقها.وجدرانها، وشبابيكها، وحوانيتها، ومقاهيها،
وأشجارها، وسواقيها، ومنحدراتها، وعلواتها، وأعمدتها، وأنوارها، ودور
عبادتها، ومطاعمها، ونباتات زينتها ن ودواليها، وظلالها، ومطرها الناعم
الخفيف ن ووجوه نسائها، وصهاريج مائها ن وروائح نعناعها وحبقها
وخيولها.. وبطها، وإوزها، وديوكها الرومية، وطيور الكراكي التي تحيط
بأبراجها، وأسوارها، وعتبات دورها، وكتاباتها الحجرية وزخارفها البنائية
وجسورها وهواؤها، وجداول مائها.. وأشربة التوت والورد والخروب التي تعلو
بها النداءات وأرصفتها التي اكتظت بها ما حملته أيدي النساء من الضواحي
اللواتي يأتين إليها قبل طلوع الشمس، ومعهن الألبان والاجبان والقريش والزبدة
والقشدة والسمن وأقراص العسل ورب البندورة وزجاجات الخل، والزبيب
والجوز والتين المجفف، والبيض، بيض البط والاوز وبيض الدجاج وبيض الديوك
وبيض الدجاج الرومي.. والزيتون، والقرع، واليقطين، والملفوف والمكانس
، والشوندر والكرنب والملفوف والهندباء والحميضة والجرجير والقرة والسلق
والسبانخ والمرير واللوف.. والميرمية والزعتر.. والقرصعنة والدريهمة
والبسباس، والقصب المص.. وأرغفة الصاج القمرية الوسعية.. يحملن كل هذا إلى القدس، كل القدس، وكل ما فيها زينة.
للقدس شمس لا تضاهيها شمس، وسماء لا تضاهيها سماء،.. هنا الروابي التي
لا تزال تردد صيحات الثوار وهم يقاتلون جنود الاستعمار البريطاني والغزاة
الصهاينة الذين آتى بهم المستعمر إلى بلادنا تحت ذريعة الدين.
وفلسطين نراها عالماً صغيراً مميزاً ورائعاً لا يضاهيه مكان آخر.. فالصحراء في
جنوبها والساحل في غربها والجبال العاليات في وسطها، والغور في شرقها،
وفي هذا الوطن الرائع الصغير تتمثل طبيعة الكون في تضاريسه ومناخه.
كيف خرجنا، ومتى فتح الجنود الشقر الطرق من القدس واليها.. طرق القدس
العالية، التي تنحدر، ثم تعلو، ثم تنحدر.. ثم تعلو، والجبال تحيطها وهي تحنو علينا
حتى لكأنها تحتك بملامستنا.. والأودية العميقة التي ما إن تنظر إليها حتى لتحسب نفسك كأنك معلق بين السماء والأرض.. والبعض سمى هذا الطريق بوادي جهنم أو طريق النار.
كأن الرواية وإبطالها يجسدون معاناة الشعب العربي الفلسطيني.. فالأب ذهب إلى
حيفا ولم يعد.. بعد أن ساء وضع البحيرة.. والأم ذهبت إلى حيفا ولم تعد، وريا
وفضة والعجوز التي نهشها الوحش، وماريا التي ضاعت بين الناصرة والخالصة
والشام.. والجنود الشقر الذين أقاموا القواعد وبدؤوا في تقطيع أوصال البلاد.. والأب
طنوس رحل فجأة.. والكثير من أبطال الرواية.
استدراك على طريقة حسن حميد.. إن روح الرواية هي أرواح من ضحوا وعاشوا في
هذه البلاد.. الذين يجهرون بأن النار تحرق كل شيء حتى.. الأدعية والأمنيات
كي تتجدد وتنفض عنها ما علق بها من ويلات وتخلف وتمزق وضياع.. إنها
الدعوة الأكيدة لثورة شاملة وعميقة تهدف إلى خلق واقع جديد على أنقاض
الواقع الحالي.. إذ لا يمكن الانتقال نحو تحقيق الحلم من دون أن نسقط والى الأبد كل ما خلفه المستعمر في بلادنا.
أجل لن تخرج “إسرائيل” إلا إذا خضناها حرباً طاحنة لا تبقي ولا تذر، تترك بيت المقدس حجراً على حجر، من المسجد الأقصى إلى كنسية القيامة.. وإذا كان هذا هو الثمن فإن الأرض الطهور في بيت المقدس ستبقى، ويومئذ سنبني عليها مسجدنا وكنيستنا، وسنعيد بناء التاريخ.
جمال بلاد فلسطين تغنى فيه الكثير من الشعراء والأدباء.. واختيار حسن حميد بحيرة طبريا ومدينة طبريا وما حولها اختيار له معنى عميق بحب وشوق للوطن الذي حُرم منه الشعب العربي الفلسطيني..
وفيما يلي نقرا احد المقاطع عن وصف هذه المدينة كتبها الأستاذ احمد الشقيري:
في العام 1933″ انطلقت سيارة صغيرة من عكا إلى طبريا وكان ذلك أول سفري إلى تلك الناحية من قرانا الجميلة في شرق عكا بين المروج ‘ والسنابل لا تزال خضراء، ثم أخذت السيارة تصعد بنا في جبال صفد وهي تبعث نسماتها العطرة من خلال أشجارها وأزاهيرها البرية. وما أن أشرفنا على المدينة حتى راحت السيارة تهبط بنا بين التعرجات والوديان إلى روابي طبريا،إلى ما تحت سطح البحر.. وكنت خلال هاتين الساعتين مبهوتا أمام هذا الجمال الرائع الذي خلقه ألله على هذه البقعة الفاتنة من فلسطين الحبيبة.
استدراك!
لو قدر لحسن حميد أن يعيش في زمن صعود السينما العربية والأفلام الهادفة والمنحازة للجماهير والأحلام الكبرى لتحول إلى روائي عالمي يتردد اسمه واسم وطنه فلسطين على مستوى العالم لكّتاب الرواية والقصة، التي تصور لك بأمانة واقتدار واقع الشعب العربي الفلسطيني وجذور قضيته الوطنية وحياته الحافلة بالعطاء والتضحية والقيم والأخلاق الوطنية النبيلة والعظيمة.
وحسن حميد.. يكتب في أعماله الأدبية الوطنية يوميات الشعب العربي الفلسطيني بتقنية عالية وكأنها تجري أمامك الآن وتأخذك إلى زمن أجدادك وأجداد أجدادك.. ويؤكد من خلال مشهد الحياة اليومية الصعبة والقاسية قدرة هذا الشعب على الحياة والفرح والتمسك والدفاع عن أرض الوطن.. الأرض التي تشبهنا نحن وتعرفنا والأشجار كذلك والطيور والأنهار وينابيع الماء والورود والصخور التي كنا نتسلقها ونبحث عن الأعشاش والطيور والمُغر والأعشاب في أعالي جبال الجليل.. نحن نعرف الندى حين يتهاطل، ونعرف الشمس وهي تشرق جمالاً وحياةً.. نمشي معها وتمشي معنا.. ونتابع الغيوم ونعرف اتجاهها.. لأننا أصحاب الأرض منذ بدء التاريخ وما قبل.. نحن نعرف أسماء كل الأعشاب والطيور والوديان والجبال والسهول والينابيع والأنهر والشلالات وجرار الماء وقرب الماء وكل أنواع الدواب.. ونمتلك لغة لا يمتلكها الغزاة في التفاهم مع الحيوانات في المشي والوقوف والسرعة والأكل وشرب الماء.. نحن من زرع هذه البلاد بكل أنواع الأشجار ولا يوجد أحد يمكنه فعل ذلك.. فبرتقال وليمون يافا عطراً ونكهةً لا مثيل له.. وزعتر جبال الخليل والجليل والميرمية في بيت لحم وزيتون القدس.. وملح البحر المالح.. وسمك طبريا.. وبلح ورطب غزة وأريحا والموز الريحاوي أبو نقطة.. وكذلك عنب الخليل وبطيخ جنين ومرج ابن عامر.. ورائحة الشمام ونكهة الخروب والتين بعشرات الأنواع طعماً وحلاوة.. والتين والزيتون.. والجبن النابلسي والكنافة النابلسية.. والجبن العكاوي.. والجوافة في غزة وغيرها من الفواكه الأخرى.. والصنوبر والسمّاق في أعالي الجبال.. هي أرضنا لنا وحدنا.. جاء الغزاة بكل ما يملكون من قوه.. وسيرحل الغزاة من على هذه الأرض الطاهرة.. حرمنا الغزاةُ من أرضنا وديارنا وتحملنا قهر التشرد والغربة كما لم يتحملها شعب آخر.. وبقينا نردد ونحلم ونحمل اسم البلاد والعودة بعد التحرير.
الكراكي رواية الأرض والبحيرة والبحر والمدن التي بقيت خالدة تحمل الاسم والعنوان.. الكراكي رواية الطير الجميل الذي يبشر بالأمن والسلام، ولا يأتي إلا إلى بلاد الأمن والسلام، الطير يعرفه كل أبناء فلسطين ويشاهدونه على ضفاف البحيرة والأنهر وبين الحقول، يساعد الفلاح في القضاء على القوارض بكل أنواعها.. رواية الكراكي رواية الحب والجمال والشوق وغرس الأيدي عميقا في تراب الوطن.. حسن حميد يكتب لنا جميعا من أجل أن نرى بلادنا من خلال الكلمة وغداً من خلال الطلقة.. وبعد غد على شواطئ عكا وحيفا ويافا وجنوب البلاد.
الرواية الحقة والصادقة هي التي تحوي لنا معنى حب الوطن.. ورائحة خبز الطابون وطعم الزيت والزعتر والزلابيا.. وتمشي الكلمات الصادقة في دمنا ونراها لنرى جبال البلاد كل البلاد.. وعيون الصبايا وغناء الصبايا وعشاق البلاد.. ورائحة البارود عندما يقاوم الثوار الغزاة..
حسن حميد.. وعبر الكراكي يمثل الرواية الطلقة.. الرواية الزغرودة للثوار.. صهيل الفرس وهي تحمل الشهيد ولا تتوقف إلا أمام بيت الشهيد.. الرواية التي تجمع كل ما هو جميل ورائع في بلادنا.. ليقول لنا هذه بلادكم أجمل وأحلى بلاد الدنيا تستحق منا جميعاً أن نقاتل من اجلها.. لنحرر شعبنا هناك ونعود جميعاً.. لنسمع أجمل الألحان ونرقص ونغني لأجمل الأوطان.. وكأن حسن عاش على ضفاف البحيرة ومشى فوق أمواجها وتحادث مع الصيادين وأكل السمك الطبراني كما كان يحلم د. أنيس صايغ، الذي ظل يردد اسم طبريا وما نسي كل ما رآه منذ ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن.. وكأن حسن يقول لنا ما قدمته من مشاهد لدليل.. حقنا وحقائق التاريخ والجغرافيا.. الأرض بتتكلم عربي الأرض الأرض.. كل التقدير والاحترام والاعتزاز لمن ينحاز إلى الزمان والمكان ولا يقبل بأي حال أن يحييد عن الطريق الذي سلكه أجدادنا الأوفياء.. هنا فلسطين ولا اسم غير فلسطين سورية الجنوبية.
رواية الكراكي تردد مقولة كبار الأدباء في الأيام الخوالي ” منين نبتدئ الحكاية.. لكثرة الأحداث والنكبات والحروب واللجؤ والمجازر.. وغياب الوعي..
وسقوط الكثير في منتصف الطريق.. ومن يكمل الحكاية والحلم الذي ناضلنا وعشتا وضحينا من أجل تحقيقه.. لهذا نقول.. الكراكي رواية القضية الفلسطينية المقدسة بجدارة واقتدار.
كاتب وأديب فلسطيني مقيم في دمشق