المغرب العربي في جدول الأعمال الأمريكي – الطاهر المعز

اعتبرت وسائل الإعلام الأمريكية أن الزيارة الأولى لوزير الحرب الأمريكي (الذي وقع تعيينه في حزيران/يونيو 2019) للمغرب العربي، حلقة من الحلقات التي تُكرّس تطبيق برنامج “الشرق الأوسط الكبير” (أو الجديد)، وتحويل إقليم شمال أفريقيا إلى منطقة عازلة بين مناطق الجوع والبؤس والهجرة جنوب الصحراء الكبرى (بسبب الحُرُوب الأطلسية والنّهب الإمبريالي)، وأوروبا (ومعظم دولها أعضاء في حلف شمال الأطلسي)، كما تهدف هذه الزيارة “مناقشة التهديدات التي تشكّلها التنظيمات الجهادية، بالإضافة إلى عدم الاستقرار الإقليمي الذي تفاقمه الأنشطة الخبيثة للصين وروسيا في القارة الإفريقية، بحسب وكالة “رويترز” (01 تشرين الأول/اكتوبر 2020)، التي استشهدت بتصريح “مسؤول عسكري أميركي”، فيما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب ) يوم 30 أيلول/سبتمبر 2020 خبرًا عن زيارة وزير الحرب الأميركي “مارك إسبر” الى تونس، في اطار جولة مغاربية، حيث التقى نظيره التونسي، ورئيس الجمهورية، وألقى خطابا في المقبرة العسكرية الأميركية في “قرطاج”، حيث دُفِنَ العسكريون الأميركيون الذين قُتِلُوا خلال الحرب العالمية الثانية…

أصبحت تونس، “حليفًا مُهمًّا”، بحسب التعبير الأمريكي، منذ سنة 2015، أي خلال حكم تحالف الإخوان المسلمين والدّساترة، ولم ترتق إلى درجة “الحليف الإستراتيجي”، كما المغرب، وكان الوضع في ليبيا (الذي خلقته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي) ذريعة لزيادة التّغلغل العسكري الأمريكي بتونس، من خلال بَيْع العتاد العسكري، ومن خلال إشراف الضّبّاط الأمريكيّين على تدريبات الجيش التونسي، لاستخدام هذا العتاد، بذريعة “مقاومة الارهاب”، الذي خَلَقَته الإمبريالية الأمريكية، منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين بأفغانستان، ودعم الإخوان المسلمين هذا الإرهاب، من خلال إرسال أبناء (وبنات) الفُقراء إلى أفغانستان، ويوغسلافيا (البوسنة وكوسوفو) وإلى سوريا وليبيا، وغيرها، وتشارك قوات عسكرية أمريكية في تدريبات مشتركة مع الجيش التونسي بانتظام، كما نظمت وزارة الحرب الأميركية عرضا للطيران العسكري في آذار/مارس 2020، في جزيرة “جربة” السّياحية الجميلة (جنوب شرق تونس) تحت مسمى “المعرض الدولي للطيران والدفاع”، وسبق أن حول الجيش الأمريكي هذه الجزيرة إلى قاعدة لقصف ليبيا، وإسقاط النظام الليبي السابق، وأعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم” أن وزارة الحرب الأمريكية “قدّمت دعما للجيش التونسي بحوالي مليار دولار منذ سنة 2011″، وأعلنت “أفريكوم” في بيان في آيار/مايو 2020 “إرسال فرق عسكرية لدعم الجيش التونسي، بسبب تأزّم الوضع في ليبيا” ( وكأن لا ناقة ولا جَمل لأمريكا ولا لحلف شمال الأطلسي في هذا “الوضع المتأزم” في ليبيا؟)، وردًّا على التّساؤلات التي طَرَحها المواطنون في تونس، أوضحت “أفريكوم” في بيان لاحق “إن هذه الفرق ستكون للتدريب المشترك وليس للقتال”، بينما كذّبت السلطات التونسية الخَبر الذي نشرته وسائل الإعلام الأجنبية ( ومن بينها الأمريكية ) بشأن وجود قاعدة (أو قواعد) عسكرية أميركية في جنوب تونس

تتضمن جولة وزير الحرب الأمريكي زيارة للجزائر ( يوم الخميس 01 تشرين الأول/اكتوبر 2020) كأول وزير حرب يزور الجزائر، منذ 15 عاماً، ليجري محادثات مع الرئيس “عبد المجيد تبّون”، وهو يشغل أيضاً منصبي قائد القوات المسلّحة ووزير الدفاع، لينهي الوزير الأميركي جولته المغاربية يوم الجمعة 02 تشرين الأول/اكتوبر 2020، في الرباط (المغرب الأقصى) حيث سيناقش سبل “تعزيز العلاقات الوثيقة” في المجال الأمني مع المغرب…

في تونس وَقّع وزير الحرب الأمريكي، يوم الإربعاء 30 أيلول/سبتمبر 2020، اتفاقاً للتعاون العسكري لمدة عشر سنوات، وعلّل الوزير الأمريكي هذا الإتفاق ب”أهمية التقارب مع تونس كشريك من أجل مواجهة تأزم الوضع في ليبيا”. أما الأمر الخطير والمُخيف، فيتمثل في الدور المُتزايد للولايات المتحدة في “تأطير” الجيش التونسي، خلال السنوات الأخيرة، خاصة خلال حُكم الإخوان المسلمين، من خلال دورات التدريب والتّأهيل، وبيع العتاد، بذريعة “مقاومة الإرهاب ولحماية الحدود مع ليبيا، والموانئ التونسية”، حيث تأزّمَ الوضع منذ التّدخّل العسكري الأمريكي الأطلسي، الذي أدّى إلى تفتيت البلاد، وتقسيمها، وتخريب منشآتها وحلّ أجهزة الدّولة، ونهب الأسلحة والموارد الطبيعية للبلاد، وأعلن الوزير الأمريكي بوضوح، “إن زيارتي لتونس وجولتي في شمال إفريقيا تهدف مواجهة المتطرفين، وأيضا منافسينا الاستراتجيين، الصين وروسيا، اللّذَيْن يُمثِّلان تهديدًا لمصالحنا، بسلوكهما “السيء، وبذلك يصبح النّظام التونسي طَرفًا في نزاع بين القُوى الكُبْرى، ومنحازاً للإمبريالية الأمريكية، ومن جهة أخرى، وإمعانًا في التّعتيم الإعلامي، والتضليل، لم يتمّ الإعلان عن تفاصيل الإتفاق (أو “خارطة الطّريق”، بحسب ناطق باسم “أفريكوم”) الذي وقعه وزير الحرب الأمريكي مع حكومة ائتلاف الإخوان المسلمين والدّساترة، والذي يستمر مفعوله عشر سنوات كاملة، “من أجل تطوير العلاقات من خلال التدريب في حال قررت تونس شراء أسلحة دقيقة”، حسب ما أفاد مقربون من الوزير الأمريكي، ويُبرِّرُ هذا التّعتيم الإعلامي، مخاوف المواطنين التّونسيين من هذه العلاقات العسكرية المتطورة، مع أقوى جيش في العالم، ومع أكبر قوة امبريالية، لا تتوانى في شن الحروب وتخريب البلدان، من أفغانستان، إلى مالي، مرورًا بآسيا والوطن العربي، إضافة إلى أمريكا الجنوبية…

وجبَ التّذكير ببيان وزارة الدفاع التونسية وتصريح وزير الدّفاع التونسي ب”أهمية الدعم الذي تقدّمه الولايات المتحدة الأميركية في مجال أمن الحدود ومساهمتها في تركيز منظومة المراقبة الإلكترونية”، كما يُشارك الجيش التونسي، منذ 2019، في احتلال مالي، عبر قوات الأمم المتحدة، التي لم تعمل على إحلال السّلام في أي مكان من العالم، وتأتمر بأوامر أوروبية وأمريكية…

تؤكد السلطات التونسية (الفاقدة للمصداقية) عدم وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، غير أن تقارير إعلامية أمريكية، وكذلك مؤسسة “كارنيغي” الأمريكية للبحوث والدّراسات، كشفت في العام 2017 أن فريقا عسكريا متخصصا في تسيير الطائرات دون طيار متواجد في قاعدة تونسية في محافظة بنزرت (شمال البلاد)، وقاعدة أخرى في الجنوب، غير بعيد من حدود تونس مع ليبيا والجزائر، كما استخدمت طائرات وبوارج حلف شمال الأطلسي الموانئ والفضاء الجوي والبحري التونسي لقصف ليبيا وتغيير نظامها بالقوة وتفتيت البلاد وحصار شعبها، الذي لجأ أكثر من مليون ونصف منه إلى تونس، خلال احتداد القصف، وأكّدت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) في بيان في أيار/مايو 2020، أنها تعتزم إرسال فرق عسكرية إلى تونس، بسبب تأزم الوضع في ليبيا، وأعلن وزير الحرب الأمريكي، خلال زيارته (30 أيلول/سبتمبر 2020) “نحن مسرورون لتعميق التعاون من أجل مساعدة تونس على حماية موانئها وحدودها”، وتُشكل هذه التصريحات الإعلامية والرسمية الأمريكية تكذيبًا لتأكيدات السلطات التونسية بعدم وجود قواعد عسكرية بتونس

في الجزائر، زار البلاد قائد القيادة العسكرية الأمريكية الموحّدة لإفريقيا (أفريكوم)، الجنرال “ستيفن ساونسند”، قبل وصول “مارك إسبر”، يوم الخميس الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2020، إلى الجزائر العاصمة كأول وزير حرب أمريكي يزورها منذ زيارة “دونالد رامسفيلد”، سنة 2006، وأجرى “إسبر” محادثات مع الرئيس “عبد المجيد تبون” الذي يشغل أيضاً منصبي قائد القوات المسلحة ووزير الدفاع، وتناولت المحادثات الوضع في ليبيا وفي مالي، ومنطقة الصّحراء الكُبْرى، بحسب وكالة “رويترز” 01 تشرين الأول/اكتوبر 2020، وتُعتَبَرُ الجزائر من البلدان المُهَدَّدَة بالتّفْتيت والتّقسيم، بعد العراق وسوريا وليبيا واليمن، وسبق أن عاشت البلاد حالة الحرب ضدّ الإرهاب، طيلة العقد الأخير من القرن العشرين، ولا تزال المجموعات الإرهابية نَشِطَة على حُدُود الجزائر مع ليبيا ومع مالي، كما أن العلاقات مع نظام المغرب (على الحدود الغربية للجزائر) سيئة منذ حرب تشرين الأول/اكتوبر 1963، بإيعاز وتحريض من فرنسا، مباشرة بعد استقلال الجزائر، ما يزيد من احتراز النظام الجزائري، وتحفُّظِهِ على الدّور الأمريكي والأوروبي والأطلسي في ليبيا، كما في مالي، وفي البُلدان المُجاورة للصحراء الكُبْرى، أو ما يُدْعَى “الساحل الإفريقي”…

تعتبر الحكومة الأمريكية السماح للجيش الجزائري بالتّدخُّل خارج أراضي البلاد تَطَوُّرًا يخدم مصالح الولايات المتحدة، في إفريقيا، وأعلنت وزارة الحرب الأمريكية أن الإجتماع (يوم الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2020) تناول “توسيع نطاق العلاقات العسكرية مع الجزائر، وتعزيز الشراكة العسكرية والأمْنِيّة والدّبلوماسية في شمال إفريقيا ومنطقة (الساحل) الإفريقي…”، حيث حافظت الجزائر على علاقات طيبة مع مجموعات من السّكّان الطوارق والعرب، شمال مالي، وكذلك شمال النّيجر، وتزامنت زيارة وزير الحرب الأمريكي، مع تكثيف الإتصالات بين “حكومة طرابلس” (الإخوان المسلمون) وحكومة الجزائر التي وافقت على تزويد مناطق غرب ليبيا بالكهرباء، والمساعدة العاجلة على إصلاح خلل في محطة توليد الكهرباء التي تزود طرابلس، ما يُشير إلى تغييرات في التحالفات، وفشل محاولات إقصاء الجزائر من الملَفّ اللّيبي.

تطمح الولايات المتحدة الحَدّ من النّفوذ الإقتصادي والتّجاري للصّين، ومن النفوذ العسكري والدبلوماسي الروسي بالجزائر، ومن نفوذ فرنسا، القُوّة المُسْتَعْمِرَة لمجموعة هامة من بلدان إفريقيا، شمال وجنوب الصّحراء، بين 1830 و 1962…

يمكن تأويل تتَابُع زيارة قائد “أفريكوم”، ووزير الحرب الأمريكي للجزائر، بأن الولايات المتحدة تَخْشَى، رغم قُوّاتها العسكرية الضّخْمَة، المُتمركزة في البحر الأبيض المتوسط” وفي إفريقيا، فقدان نفوذها، بسبب النّفُوذ المُتزايد لروسيا والصين، ما جَعل أمريكا تُقِرُّ مشروعًا عسكريًّا جديدًا، يتضمّنُ إعادة نشر القوات العسكرية الأمريكية في منطقة شمال إفريقيا و”السّاحل الإفريقي”…

كان المغرب آخر مرحلة من جولة وزير الحرب الأمريكي، يوم الجمعة 02 تشرين الأول/اكتوبر 2010، ويُعتبر المغرب الحليف الأقوى والأكثر وفاءً لاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية في المغربي العربي، وفي المنطقة المُحيطة بالصّحراء الكُبْرى، وخلال هذه الزيارة، وقع المغرب مع الولايات المتحدة، “اتفاقاً للتعاون العسكري” لعشر سنوات، على غرار الإتفاقية مع تونس، تحت مُسَمّى “خارطة طريق في مجال الدفاع والأمن (2020-2030)”، وسبق أن وقعت حكومة الإخوان المسلمين بالمغرب مع الولايات المتحدة “اتفاقية محاربة الإرهاب”، سنة 2014، ليكون المغرب وكِيلاً عسكريًّا وأمْنيًّا للإمبريالية الأمريكية في بعض البلدان الإفريقية، على أن تواصل الولايات المتحدة دَعْمَ المغرب في قضية الصحراء الغربية، التي يعتبرها وزير خارجية المغرب قضية “انفصال”، أما وزير الحرب الأمريكي فاعتبر “إن الإتفاق مع المغرب يشمل مواضيع إستراتيجية أوسع”، لأن الهدف غير المعلن من الزيارة يرمي إلى الحد من النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، بينما تفيد الوقائع أن أميركا تمتلك قاعدة عسكرية (أو قاعداتَيْن) بتونس، وفي النيجر، وفي شمال “مالي” وقاعدة طائرات مُسَيّرة في “بوركينا فاصو”، وقاعدة أو أكثر في المغرب، كما في موريتانيا، إضافة إلى تواجد قوات حلف شمال الأطلسي بليبيا، بحسب وكالة “رويترز” 02/10/2020…

جسدت زيارة وزير الحرب الأمريكي، “مارك إسبر”، أهمية المغرب كمنصة أو قاعدة عسكرية واستخباراتية في المُخطّطات الأمريكية للهيمنة على البلدان المحيطة (شمالا وجنوبًا) بالصّحراء الكُبرى، بذريعة “مكافحة الإرهاب”، واستضاف المغرب عددًا من اللقاءات بين قادة مختلف المليشيات التي تتقاسم أراضي ليبيا وثرواتها، كما يُشكل النّظام المغربي – الذي أصبح يُنعت ب”الحليف الإستراتيجي”، منذ توقيع اتفاقيات “التعاون الأمني والدفاعي” بين المغرب والولايات المتحدة، سنة 2004 – حلقة أساسية في مُسلسل التطبيع الرّسمي الرجعي العربي مع الكيان الصهيوني، ولذلك ادّعى “دونالد ترامب” وُجُودَ “تحالف تاريخي” بين الدّوْلَتَيْن، اللّتَيْن وقّعَتا اتفاقية للتبادل التجاري “الحر”، خلال رسالته إلى الدورة الرابعة للحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة، الذي ترأسه وزير الخارجية الأمريكية “مايك بومبيو”، لكن يبقى الجانب العسكري، هو الجانب الظاهر في العلاقات الأمريكية المغربية، حيث تَعَزّز خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، من خلال المناورات العسكرية المشتركة، ومن خلال مشاركة المغرب  في المناورات العسكرية البحرية (فُونِكس إكسبرس)، وفي المناورات العسكرية لمكافحة الإرهاب (فلينتوك)، كما تجري مناورات “الأسد الإفريقي” أيضا في المغرب، بإشراف أمريكي، ويترأس المغرب (إلى جانب كندا، الحليف الوفي للولايات المتحدة) المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب…

تعريف مُوجز بوزير الحرب الأمريكي “مارك توماس أسبر”:

وُلِدَ سنة 1964، وهو عسكري محترف، تخرّج من أكاديمية “ويستب ونت”، سنة 1986 (وكان زميلاً لوزير الخارجية “مايك بومبو”)، وبقي في الجيش عشر سنوات، كما تحمّل مسؤوليات في الحرس الوطني، واحتياطي الجيش قبل تقاعده العسكري، في عام 2007...

ساهم في العدوان على العراق، سنة 1991، ضمن الفرقة 101، المحمولة جَوًّا، وكافأته دُويلات الخليج بميداليات، بسبب المساهمة في تخريب العراق وحصار شعبه، قبل أن يُصبح مقاول حرب وسلاح، ويلتحق بمُجَمّع الصناعات العسكرية الأمريكية، أكبر مجموعة ضغط في أعلى مستوى بالولايات المتحدة، ليُصبح مُديرًا تنفيذيًّا في شركة التّصنيع العسكري “رايثون”، لفترة سبع سنوات، قبل تعيينه وزيرًا لجيش البر، للإشراف على سلاح البَرّ، سنة 2017، ثم وزيرًا للحرب، في حزيران/يونيو 2019، وعندما كان يُشرف على إدارة جيش البر، عهدت إليه مهمة التجهيز والتّدريب لنحو 1,4 مليون جُندي وجُنْدِيّة، وكان يتنقل بين الجامعات لفترة سنتَيْن، لاختيار الشّبّان النُّجباء وأصحاب المؤهّلات في مجال التكنولوجيا، وتجنيدهم كعسكرِيِّين مُحترفين، في جيش البَرّ…

علاقات الولايات المتحدة والمغرب العربي خلال القرن الواحد والعشرين
قبل احتلال العراق:

اشتد العداء العربي للإمبريالية الأمريكية، بعد العدوان الأمريكي-الأوروبي (بتشجيع من الأنظمة الرجعية العربية) على العراق، سنة 1991، وانتشرت الدّعوات لمقاطعة السّلع الأمريكية، في كافة البلدان العربية، وأظهرت الأرقام أن المُقاطعة كانت فِعْلِيّة، وتراجعت الصادرات الأمريكية نحو البلدان العربية بمعدّل 25%، ولذلك رصدت الولايات المتحدة مبلغ خمسة مليارات دولارا، في كانون الثاني/يناير 2000، “لتمويل مشاريع مشتركة مع بلدان شمال افريقيا”، في إطار “مبادرة ايزنستات” التي تطورت رسميا الى “مشروع الشراكة الامريكية ـ الشمال افريقية” بمناسبة جولة وزير التجارة الامريكي “روبرت مَاللِّيه” على عواصم المنطقة في بداية سنة 2000، ومنذ شهر نيسان/ابريل 2000، انطلقت اللقاءات السّنوية، لوزراء التجارة بين الولايات المتحدة وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، ولكن الولايات المتحدة أعلنت تراجع حجم المبادلات التجارية بين أمريكا والدول العربية، ومنها دول المغرب العربي، بنحو 26% بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول 2001، بسبب مُقاطعة السّلع الأمريكية، وفق  وزارة التجارة الامريكية، ما جعل الحكومة الأمريكية تسعى لتشجيع التجارة مع البلدان العربية من خلال عقد اتفاقات لإقامة مناطق للتجارة الحرة، بحسب ما أوردته مساعدة وزير التجارة الأمريكي، في ندوة نظمها “المجلس الوطني للعلاقات الامريكية ـ العربية” في واشنطن…

أجرى مساعد وزير التجارة الاميركي، بنهاية شهر أيلول/سبتمبر 2002، جولةً شملت كلا من مصر وتونس والجزائر والمغرب، قبل أسبوع واحد من الاجتماع الاقتصادي الاميركي ـ المغاربي الذي انعقد بواشنطن، في تشرين الأول/اكتوبر 2002، وشَكّل تأكيدًا أمريكيا على الإهتمام بشمال إفريقيا، وإحياء “مبادرة ايزنستات” التي أُطلقتها سنة 1998، وضم اجتماع يوم الثالث من تشرين الأول/اكتوبر 2002 (الذي تأجّل منذ شهر نيسان/ابريل 2002)، كلا من وزير التجارة الاميركي ونظرائه في الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا “لبحث افاق اقامة مناطق ثنائية للمبادلات الحرة مع الولايات المتحدة”، وتم التوقيع، على هامش الإجتماع، على “اتفاق إطاري لتنمية التجارة والاستثمارات”، بين تونس والولايات المتحدة (ماذا تُصدّر تونس للولايات المتحدة، وهل تستثمر تونس داخل أو خارج البلاد؟؟؟)، كما وقّعت الولايات المتحدة اتفاقًا مماثلا مع المغرب، سنة 2003، في إطار مبادرة الشراكة الاقليمية، بهدف زيادة حجم الصادرات والاستثمارات الأمريكية نحو المغرب العربي، ولمنافسة النفوذ الاقتصادي الاوروبي التقليدي في المنطقة، وفي هذا الإطار أيضًا دعمت الولايات المتحدة مشروع انشاء سوق مغاربية مشتركة، قوامها مائة مليون نسمة، لكن لم تسفر التصريحات الأمريكية عن استثمارات أو مشاريع جديدة، باستثناء زيادة استثمارات شركات الطاقة الأمريكية في نفط وغاز الجزائر، وعلّلت الولايات المتحدة عدم الإستثمار بعدم إنشاء سوق اقليمية مُوحّدة، تكون منصّة لإعادة تصدير الإنتاج الأمريكي نحو أوروبا، بحسب وزير الخزانة الأمريكي، لكن تواصلت زيارات كبار المسؤولين الأمريكيين إلى منطقة المغرب العربي، بعد تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وفي النصف الأول من كانون الأول/ديسمبر 2002، زار مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الرباط والجزائر وتونس، للمرة الثانية، خلال أشهر قليلة، وبعد شهر واحد من زيارة زميله، مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية، وتهدف هذه الزيارات العديدة تكثيف “التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات، لمكافحة الإرهاب”، وسبق أن زار مدير وكالة الإستخبارات الأمريكية “سي آي إيه” (والعديد من مسؤولي الإستخبارات الأمريكية) تونس والجزائر والمغرب، بهدف “وضع آليات أمريكية للتنسيق والتعاون مع هذه البلدان”، ولكن ماذا تفعل المخابرات والجيوش الأمريكية بالمغرب العربي، أو بأي مكان آخر يبعد آلاف الكيلومترات عن حُدُودِها؟ إن الحديث عن “التّنسيق الأمني” هو خُضُوع للهيمنة الأمريكية…

اهتمّت الولايات المتحدة بثروات الجزائر، فغيّرت شكل التّعامل مع سُلُطاتها، وخفّفت من نَقْدِها، مع تخلِّي النظام الجزائري عن نقد الإمبريالية، وعن دعم حركات التّحرّر، وعن محاولات تجميع الدّول الواقعة تحت الهيمنة، للدفاع عن مصالحها بشكل جماعي، وتخلّت الحكومة الجزائرية عن التّأميم والحديث عن “الإشتراكية” المَزْعُومة، ولهذه الأسباب، أعلنت الولايات المتحدة تخصيص مبلغ 4,5 مليارات دولارا، خلال الفترة 2002 – 2005، “لتعزيز جهود الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، بالجزائر، على المدى البعيد”، ، لكن بشروط أمريكية تتضمّن “فتح السوق المحلية الجزائرية أمام المستثمرين الأمريكيين بإنشاء منطقة تبادل حر”، شبيهة بما يقع تنفيذه مع المغرب، ووَعَدت الولايات المتحدة بالمساهمة “إصلاح القطاع المالي” الجزائري، وفي ترميم الموانئ، وتمويل الطريق السيارة الرابطة بين شرق الجزائر وغربها، ومشروع سكك الحديد المغاربي، ودعم طلب الجزائر الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية…

أشادت الولايات المتحدة بدور نظامَيْ تونس والمغرب في عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفتح مكاتب تنسيق، منتصف عقد التسعينيات من القرن العشرين، ووعدت بزيادة الإستثمارات الأمريكية، وزيادة حجم التبادل التجاري، ولكن الوُعُود (رغم السُّمُوم التي تحملها) لم تتحول إلى إنجازات، بل كانت هذه الزيارات المتتالية (خلال النصف الثاني من سنة 2002) والوُعود (والتّهديد، أحيانًا)، مُقدّمة لاحتلال العراق، من خلال عدوان جديد، بموافقة الأنظمة العربية، وخصوصًا الأُسَر الحاكمة بدُوَيْلات الخليج، وبعض الأنظمة العربية والإسلامية الأخرى، وكان الموقف الجزائري الرّسمي والشّعبي رافضًا للإحتلال والإطاحة بنظام العراق…

 بعد احتلال العراق:

طرحت الإمبريالية الأمريكية، أثناء العدوان وأثناء احتلال العراق، وتفتيت الدّولة والجيش وتقسيم الشعب إلى مذاهب دينية وطوائف، مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وإعادة تقسيم ما قَسّمته الإمبرياليتان البريطانية والفرنسية، من خلال معاهدة “سايكس – بيكو” (1916)، واقتطاع أجزاء من الوطن العربي، لإلحاقها بإيران وتركيا، وتضم تفاصيل هذه المشروع الأمريكي “إجراء تغييرات استراتيجية في البلدان العربية والإسلامية”، وجعل هذه البلدان تحت الوصاية الصهيونية، باعتبار الكيان الصهيوني جزءًا من الإمبريالية ووكيلا موثوقًا، يضمن مصالحها.

تزامن هذا الطّرح الأمريكي مع توسيع مفهوم “الشرق الأوسط”، من قِبَل أمريكا، إلى كافة بلدان الوطن العربي، وتزامن مع الإعتراض الأوروبي (وخاصة الفرنسي) على استئثار الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم، وتهميش القوى الإمبريالية العريقة، وكان التنافس بين الإمبرياليات ظاهرًا للعيان في المغرب العربي الذي تستعمره فرنسا، وتُهيمن عليه اقتصاديًّا وسياسيًّا، وتحَوَّلَ، منذ سنة 2001 إلى ساحة تنافس بين الإمبريالية الأمريكية والأوروبية (باستثناء ليبيا التي تستهدفها العقوبات والحصار والعزل )، وتتالت زيارات ممثلي الحكومات الأمريكية والفرنسية للمغرب والجزائر وتونس، لكنه تنافس بشأن طريقة افتراسنا كشعوب واقعة تحت الهيمنة.

تحاول الولايات المتحدة، ضمن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، ومن خلال مشروع الشراكة الأمريكية المغاربية ( مبادرة “أيزنستات”)، فَصْلَ الجانب الاقتصادي عن الجانب السياسي (رغم شَكْلِية الفَصْل)، فيما يعتبر الإتحاد الأوروبي (وفرنسا بشكل خاص) “الإصلاح السياسي” شرطا من شروط الشراكة، لكن الهدف الأمريكي يظهر من خلال التّأكيد على “التعاون الأمني والعسكري”، الذي سبق تأسيس القيادة العسكرية الأمريكية الموحدة لإفريقيا (أفريكوم)، بتنظيم مناورات عسكرية، بالبحر الأبيض المتوسط، بمشاركة جُيُوش المغرب العربي (بما فيها الجزائر) مع جيوش حلف شمال الأطلسي والكيان الصهيوني، وتكثّف التعاون العسكري الأمريكي الجزائري، بعد تولّي عبد العزيز بوتفليقة رئاسة البلاد (1999)، وأدّى الرئيس الجزائري (بوتفليقة) أربع زيارات، خلال أقل من أربع سنوات، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي استغلّت دبلوماسيتها رهان فرنسا على انهيار النظام الجزائري، والدّعم الرّسمي الفرنسي الخفي، للمجموعات الإرهابية، وادّعاء الحكومة الفرنسية (خاصة حكومات الحزب “الإشتراكي”) أن الوضع بالجزائر غير واضح، مع اتهام الطّرَفَيْن (المجموعات الإرهابية والجيش الجزائري، ووضعهما على قَدَم المُساواة) بارتكاب الإنتهاكات والمجازر، وحَظَرت فرنسا تصدير بعض أنواع العتاد العسكري، الذي يستخدمه الجيش لمحاربة المجموعات الإرهابية.

من جهة أخرى، شجّعت الولايات المتحدة، كما الإتحاد الأوروبي، تمويل المؤسسات الرسمية الأوروبية أو الأمريكية للمنظمات “غير الحكومية”، وما سُمِّي “المجتمع المدني” والنقابات، بذريعة نشر وتشجيع الديمقراطية.
أنشأت الولايات المتحدة، في بداية كانون الأول/ديسمبر سنة 2010، منظمة باسم “”فرص الشراكة بين الولايات المتحدة و شمال أفريقيا”، أو ( NAPEO )، كتطبيق عملي لما وعد به “باراك أوباما”، في شهر نيسان/ابريل 2010، خلال “قمة الأعمال”، من “تدريب وتأهيل رجال الأعمال و القيادات الشبابية في العالمين العربي والإسلامي، وتشجيع مساهمتهم في بناء المستقبل…”، وهو برنامج مُكَمّل أيضًا لخطة “ميبي” الأمريكية (مكتبها الرئيسي بتونس)، وتشمل ( NAPEO ) الولايات المتحدة وموريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا، وتُعرّفها وزارة الخارجية الأمريكية إنها “شراكة بين القطاعين الخاص و العام، بين منطقة (المغرب العربي) والولايات المتحدة… وتهدف إلي تحقيق مجموعة من الأهداف منها، خلق فرص العمل عبر تشجيع المشاريع الصغيرة و تعزيز الروابط الاقتصادية بين الجانبين و زيادة حجم التبادل بين الدول المغاربية”، ورغم محاولات التمويه، فإن هذه الشراكة تفتح الباب أمام القطاع الخاص الأمريكي، ليلعب دورًا مُكمِّلاً للدور العسكري لبرنامج “أفريكوم”، من خلال الإهتمام بمجالات قد تبدو بعيدة عن الجانب الأمني والعسكري، ومنها التعليم ومحو الأمية والرعاية الصحية، والزراعة والطاقة، والنّدوات العلمية، وبدأت أمريكا تُطبّق هذه الخطط الجديدة في المغرب وموريتانيا، بالتوازي مع تعزيز البعد العسكري والاقتصادي، في مختلف الخطط الأمريكية، بهدف استبدال النفوذ الأوروبي (والفرنسي أساسًا) بالنفوذ الأمريكي.

خلفيات العلاقات الأمريكية المغاربية، خلال ربع قرن:

لم تُركّز برامج الهيمنة الأمريكية كثيرًا على منطقة المغرب العربي، ولا على إفريقيا، قبل انهيار الإتحاد السوفييتي، وبدأت الولايات المتحدة، منذ 1998، تقترح شراكة اقتصادية مع دول المغرب العربي، وهي علاقات غير متكافئة، مثل العلاقات مع أوروبا، لكنها تختلف شَكْلاً، وَوَعدَتْ إدارة “بيل كلينتون” ب”مساعدات وبرامج تنمية”، وغيرها من الوُعُود الزّائفة…

دفَع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بُلدان المغرب العربي نحو إنشاء سوق مُوحّدة، ليس حرصًا على وحدة شُعُوب البُلدان الخمس، لكن لتصريف بضائعها في سوق موحّدة، قِوامُها أكثر من مليون نسمة (100 مليون مُستهلك)، والتّفاوض مع طرف واحد، بدل خمسة أطراف، بالتوازي مع ذلك عرقلت الولايات المتحدة، وكذلك الإتحاد الأوروبي أي وحدة سياسية، تقدّمية، على أساس دعم حركات التحرر، والتحرر الإقتصادي والسياسي من التّبَعِيّة.
تمكّن الإتحاد الأوروبي من فَرْض اتفاقيات “شراكة” غير مُتكافئة، ومُضِرّة بمصالح الأغلبية السّاحقة من أفراد شعب تونس والمغرب (ولا تزال الجزائر في الطّريق)، فيما أقرت الولايات المتحدة “مبادرة إيزنستات”، لمنافسة أوروبا، وليكون المغرب العربي سوقًا للمنتجات الأمريكية، بالتوازي مع الأبعاد الأمنية والعسكرية، وبيع الأسلحة، وتركيز القواعد العسكرية، ونقاط التّجسّس، بذريعة “مكافحة الإرهاب”…

يهدف برنامج أو مبادرة “إيزنستات” (على إسم “ستيوارت إيزنستات”، الموظف سامي أمريكي مُكلف بالإقتصاد والتجارة) “تطوير المبادلات التجارية والمالية” مع القطاع الخاص في الدّول المغاربية، بهدف إدْماج اقتصاد المغرب العربي نهائيًّا في اقتصاد العولمة الليبرالية.

بدأت الإستثمارات الأمريكية، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، لكنها بقيت ضعيفة، لاتُزاحم النفوذ الأوروبي والنفوذ الصيني عمومًا، وفي مجال المحروقات بالجزائر، بشكل خاص، بالإضافة إلى الهيمنة على المغرب، كما بدأت بعض المنتجات الأمريكية تغزو أسواق المغرب العربي، منذ العقد الأخير من القرن العشرين، وأضافت الإمبريالية الأمريكية البُعد الأمني إلى البُعد الإقتصادي، بعد تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر 2001، زار الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، الولايات المتحدة، بهدف تعزيز العلاقات العسكرية والأَمْنِيّة، و”قَبِلَت” أمريكا تزويد الجيش الجزائري بأسلحة متطورة لمكافحة الإرهاب، شرط عدم استخدامها ضد المغرب، واعتبر جورج بوش الإبن “إن الجزائر شريك هام في مكافحة الإرهاب”، واتفق الرئيسان أيضًا على “التعاون الإستخباراتي”، ويُشكّل هذا البَند خَطرًا على شعب الجزائر وعلى الشّعوب المجاورة، وأعلنت بعض أجهزة الإعلام المحلّيّة وجود مكتب تنسيق لوكالة الإستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) بعاصمة الجزائر، لكن الولايات المتحدة تُفضّل التعاون والتنسيق مع النظام المغربي الذي تعتبره أكثر استقرارًا وأقل عداوةً للإمبريالية…

كانت تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر 2001، فُرصة استغلّتها الولايات المتحدة، لتعزيز علاقاتها العسكرية مع دول المنطقة، بذريعة “مكافحة الإرهاب”، وأشْرَفَ الضّبّاط الأمريكيون على عِدّة اجتماعات ونشاطات، أهمها لقاء في مدينة “شتوتغارت” الألمانية (مقر القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا وإفريقيا) جَمَع مُمثّلين عن الدّول المُحيطة بالصحراء الكبرى، وأسفرت اللقاءات عن إنشاء البرنامج “العابر لمنطقة “الساحل” (الصحراء) سنة 2002، بميزانية قدرها ثمانية ملايين دولارا، ويتضمّن إنشاءَ قُوّة عسكرية بحوالي 150 جندي (في مرحلة أولى)، لتنتشر في كل من موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد، لتنظم السينغال والمغرب والجزائر وتونس ونيجيريا وبوركينا فاصّو، سنة 2005، وتغيّر اسم الخطة ليصبح “الشراكة عبر الصحراء لمكافحة الإرهاب”، و”لمكافحة الجريمة المُنَظّمة”، قبل أن تُؤسِّسَ الولايات المتحدة رسميًّا (سنة 2006) برنامج “أفريكوم”، أو “القيادة العسكرية الأمريكية الموحّدة لإفريقيا” التي يُشرف ضُبّاطٌها على تنفيذ حوالي 350 نشاط سنويًّا في قارّة إفريقيا، لكن الجيش الأمريكي يُشرف، منذ سنة 1995، في إطار “الحوار المُتوسّطي” للحلف الأطلسي، على تنظيم مناورات، بذريعة تنظيم عمليات الإغاثة والإنقاذ، ثم مكافحة الإرهاب، على ضفّتَيْ البحر الأبيض المتوسط، بمشاركة الجيش الصّهيوني، ولم يُشارك الجيش الجزائري في هذه التدريبات، سوى بداية من سنة 2002، وكان الإرهاب العابر للصحراء، أو العابر للبحر الأبيض المتوسّط، ذريعة لتعزيز “التعاون” العسكري بين حلف شمال الأطلسي والجيش الأمريكي، من جهة، وجيوش دُول المغرب العربي من جهة أخرى، وارتفع عدد “زيارات” السفن العسكرية الأمريكية والأطلسية، لموانئ المغرب العربي، منذ شهر آذار/مارس 2003، أي منذ احتلال العراق، وأصبحت الولايات المتحدة تُنافس فرنسا والصين، من أجل الهيمنة على المغرب العربي، الذي تعتبره بوابة أو منصّة للهيمنة على قارة إفريقيا، بعد أن كان “هنري كسينغر” (أكاديمي ومستشار الأمن القومي، ووزير الخارجية الأمريكي الأسْبَق) يعتبر المغرب العربي، لأسباب سياسية، مُلْحقًا بالمشرق العربي، في الإستراتيجية الأمريكية، قبل إطلاق “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، الذي وقعت ترجمته على مستوى الوطن العربي بالتّطبيع الجماعي والمَجاني مع الكيان الصّهيوني، ولعب النظام المغربي، والتونسي (بدرجة أقل)، منذ الإستقلال الشّكْلي، دورًا هامًّا في نشر عقيدة الإستسلام والتّطبيع، ولم يكن ذلك صُدْفَةً لأنهما من ضمن الأنظمة العربية الأكثر ولاءً للإمبريالية الأمريكية، ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين، أصبح نظام المغرب، وموريتانيا، بوّابة لِعَسْكَرة السّياسة الخارجية الأمريكية، ونافذة للعدوان على الشّعُوب الإفريقية، باسم الحرب الوِقائِيّة ضد الإرهاب، فتعدّدت المؤتمرات وزيارات الضّبّاط الأمريكيين للمغرب العربي ولإفريقيا، بذريعة مكافحة المنظمات الإرهابية (بوكو حرام، والقاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الدين وغيرها)، وتعزّز الحُضُور العسكري الأمريكي، أثناء وبعد الإطاحة بالنظام في ليبيا، ونهب أسلحة ثكنات الجيش الليبي، ليزداد انتشار السّلاح، في شمال وغربي إفريقيا، وكُلّما زاد عدد التنظيمات والعمليات الإرهابية، زاد الحضور العسكري الأمريكي، وأصبح الجيش الأمريكي يمتلك قواعد جوية للطائرات المُسَيَّرَة آليًّا، في النيجر وبوركينا فاصو وتشاد، بالإضافة إلى القواعد في جنوب تونس وفي المغرب وموريتانيا وشمال مالي وغيرها…

خاتمة:

صَنّفت الولاياتُ المتحدةُ الجزائرَ، كدولة محورية وكنقطة ارتكاز إقليمية للإستراتيجية الأمريكية، “لمكافحة الإرهاب في منطقة الصحراء الإفريقية”، بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها (النفط والغاز والمعادن الأخرى)، واعتَبَرَتْ أن عدم استقرار الجزائر، قد يُؤَثِّرُ بالسّلب على المصالح الأوروبية والأمريكية، ولا تَهتمُّ الولايات المتحدة بالإنعكاسات السلبية على الأمن القومي لدول المغرب العربي، ومع ذلك، فإن النظام المغربي يُعتَبَرُ “حليفًا أساسيًّا، من خارج حلف شمال الأطلسي، قَدّم للولايات المتحدة خدمات عديدة”، ومن بين هذه الخَدَمات، دعوته للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ومنح تسهيلات عسكرية وإنشاء قواعد عسكرية “ظرفية” أو “مُؤقّتة” للجيش الأمريكي، مقابل حماية عسكرية أمريكية للنظام المغربي.

لم تكن الإستثمارات أو المبادلات التّجارية سوى طُعْم أمريكي، لأن الرهان الأمني والعسكري، هو الرهان الأمريكي الرئيسي في المغرب العربي، وفي إفريقيا وفي عدد من مناطق العالم، لذلك يمكن الحديث عن عَسْكَرة السياسة الخارجية الأمريكية، وعسكرة علاقاتها مع العالم، وزيادة إنفاقها العسكري بشكل مستمر…

ارتفعت الصادرات الأمريكية نحو المغرب العربي، لكن بقي الإتحاد الأوروبي مُهيمنًا على اقتصاد وتجارة المغرب العربي، وبقيت الإستثمارات الأمريكية ضعيفة، خارج قطاع المحروقات في الجزائر، ورغم توقيع اتفاقية تجارة حرة بين المغرب والولايات المتحدة، سنة 2004، لم ترتفع صادرات المغرب نحو الولايات المتحدة، ولا ارتفع عدد السائحين الأمريكيين بالمغرب، بل تضررت بعض القطاعات المغربية (مثل الغذاء والدّواء ) من منافسة الواردات الأمريكية التي تدعمها الدّولة، وتستورد تونس عددًا من السلع الأمريكية، ولكن قيمة صادراتها إلى أمريكا تميل نحو الصّفْر، وبشكل عام، لا تخرج العلاقات بين الولايات المتحدة ودول المغرب العربي عن إطار التنافس داخل القوى الإمبريالية، بين الإمبريالية الأمريكية والإمبريالية الأوروبية، وتنافس الفريقَيْن مع الصّين، ولن تستفيد شعوب المغرب العربي من هذه المنافسة ولا من علاقات الشراكة، مع الإتحاد الأوروبي أو مع الولايات المتحدة، ولا من غزو المنتوجات الصينية للأسواق المحلية، ويمكن دعم علاقات الشراكة أو التكامل بين اقتصاد بلدان المنطقة…

أما الإتفاقيات التي تفرضها الإمبريالية الأمريكية أو الأوروبية فهي تكريس لعلاقات التّبَعِيّة، ولا تَحَرُّرَ بدون القطع مع الرأسمالية، لأنه لا يمكن “اللحاق” بالدول الرأسمالية المتطورة، بل يكمن الحل في انتهاج طريق مختلف عن التطور الرأسمالي الذي استجاب لمرحلة من التطور الإقتصادي والإجتماعي والثقافي (بالمفهوم الواسع) للوضع في أوروبا، ثم في أمريكا الشمالية…

 

المغرب العربي في جدول الأعمال الأمريكي
الطاهر المعز

كنعان