المناضل المثال..إلى صديقي الشهيد الحيّ أديب الشهابي – نضال حمد

إلى صديقي الشهيد الحيّ أديب الشهابي – أبو فواز-.

الكتابة عن إنسان حي يرزق سوف يقرأ هذه الكلمات عادة تكون أصعب من الكتابة عن إنسان توفي وماعاد بإمكانه قراءة ما سنكتبه عنه. أقول كلامي هذا لأنني أحببت أن أكتب عن الطفل سابقاً والرجل لاحقاً، صديقي وأخي أديب الشهابي. الذي عرفته منذ دخولي كتلميذ في الصف الأول ابتدائي في مدرسة قبية بمخيم عين الحلوة. عرفته كتلميذ في صف المعلمة فاطمة والأستاذ أبو ياسين والأساتذة محمد أيوب، أحمد عزام، محمود دهشة، خالد العينا –غنوم- حسين خليل وربما آخرين، فالذاكرة ماعادت تعمل كما كانت قبل سنين. هناك تعارفنا الى بعضنا كأطفال في أكاديمية تلاميذ مدرسة قبية بمخيم عين الحلوة. فمن تلك المدرسة كانت بداية التكوين والنشأة االفدائية، الوطنية، الفلسطينية، القومية العربية والثورية الأممية. من هناك كانت البدايات وما أجملها من بدايات. من هنا تخرج شهداء وإخوة سبقونا الى العالم الآخر مثل: زاهر السعدي،صبري حسين، ناصر عيسى، محمود الشامي، هيثم حسين الطافش، محمود حجير و آخرين.

قبل سنوات قليلة ومع بروز وظهور وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والواتس أب، قام أديب الشهابي وزياد الخطيبب بمبادرة جمع أبناء صف الأستاذ أبو ياسين في مجموعة تحمل هذا الاسم في واتس أب. هناك التقينا من جديد وعدنا الى زمن أكاديميتي أو مدرستي قبية وحطين. هناك بعد فراق عشرات السنين التقيت من جديد بأديب الشهابي وزياد الخطيب وبلطفي الخطيب ومحمود الخطيب ومبارك غازي ووليد أبو جاموس وخالد سليمان داوود ونبيه الامام وبسام شحادة وبالمرحومين مجدي عزام وخالد علاء الدين. كذلك بالأصدقاء خالد النصر وعلي الجمال وخليل حميد وبلال طالب وآخرين من زملاء مقاعد الدراسة في الصف الأول ابتدائي، في مدرسة قبية بمخيم عين الحلوة. ولكل واحد من هؤلاء قصة مشوقة مع رحلة العمر من الطفولة حتى الرجولة. فكل واحد منهم موجود الآن في بلد عربي أو غربي وأوروبي وله اختصاصه ومكانته وعمله.

أديب الطالب المجتهد في مدرسة حطين المتوسطة حيث كنا نتنافس معاً ومع آخرين على أفضل العلامات المدرسية، وكذلك على أفضل النشاطات التنظيمية والطلابية والشبابية. فقد كان هو ينتمي لشبيبة أنصار الثورة، أي قائمة فتح والعاصفة وأنا كنت أنتمي لقائمة الرفض أي من شبيبة جبهة الرفض أو جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية. كان التنافس بيننا أخوي ورفاقي ويصب في مصلحة فلسطين القضية والثورة. إذ لم يكن لدينا قضية في ذلك الوقت سوى قضيتنا المقدسة. وكانت الثورة همنا وغايتنا وهدفنا وملاذنا.

في مخيم عين الحلوة أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ولد الأديب أديب الشهابي لعائلة مناضلة تعود الى بلدة لوبية في فلسطين المحتلة. هناك تصاحبنا وتعاهدنا على أن لا نحيد عن درب العودة والتحرير.. تعاهدنا على أن فلسطين هي فلسطين الكاملة من رأس الناقورة حتى أم الرشراش، فمن يفرط بها لا مكان له بيننا. ثم من يتخلى عن البندقية المقاتلة قبل التحرير الكامل وعودة كل اللاجئين الى ديارهم وبيوتهم في فلسطين المحررة لن يكون منا. عندما ولما حصل الغزو الصهيوني للبنان صيف سنة 1982 وحصل ما حصل من انهيارات وارباكات وتراجعات وانسحابات، فحالات سقوط وفرار لقيادات عسكرية وتنظمية معروفة… ولما رفض صاحب القرار محاسبة أي من الفارين وأتجه سياسياً نحو الأنظمة الرجعية العربية وأولها نظامي كمب ديفيد وأيلول الأسود، ثم نحو الإدارة الأمريكية برعاية سعودية، ولما صار همه ايجاد موطئ قدم له في لعبة الاستسلام المسماة سلام والتي بدأها المقبور أنور السادات أسوأ عربي على الاطلاق. مثلما كان بشير الجميل أسوأ لبناني على الاطلاق.. ومثلما هو الآن محمود عباس أسوأ فلسطيني على الاطلاق. حصلت الانتفاضة الثورية في حركة فتح وانضم أديب كما آلاف الشباب الفلسطينيين وغالبيتهم من الفتحاويين الغاضبين على القيادة بسبب الهزيمة، الى المنتفضين على قيادة فتح. مع مرور الوقت أصبح أديبنا من قيادات الصف الأول في حركة فتح الانتفاضة. الى أن اختار بعد سنوات من النضال والخيبات المتواصلة والمتراكمة فلسطينياً وعربياً، التنحي جانباً والتزام بيته وعمله وتربية أطفاله كنوع من أنواع النضال والاستمرارية وصيانة التربية الوطنية الفلسطينية.

في 14 شباط سنة 1985 أرسلت فتح الانتفاضة عشرات الفدائيين المزودين بالسلاح والعتاد والمجربين في المعارك والميدان.. وكانوا جميعهم من مخيمات لبنان، عين الحلوة، نهر البارد، برج البراجنة والرشيدية، للعودة الى المخيم للدفاع عنه في وجه عصابات سمير جعجع وعملاء الكيان الصهيوني، الذين كانوا يريدون تكرار سيناريو مجزرة صبرا وشاتيلا في عين الحلوة.

باختصار يقول أديب في رسالة وصلتني منه بناء على استفساري وطلبي:” كنت أحد أفراد المجموعة حيث أُسِرت بعد نفاذ الذخيرة واستشهاد وإصابة غالبية أعضاء المجموعة، بعد معركة ضارية تكبد العدو فيها أضعاف عدد شهداؤنا، مما اضطره لاستخدام الطائرات وقصف المنطقه رغم تداخل مقاتلينا مع جنود الاحتلال.. وحسم العدو المعركة لكن بأعداد خسائر مرتفعة”.

العزيز أديب تم أسره في الميدان في مواجهات منطقة علمان مع سبعة مقاتلين آخرين، خمسة منهم كانوا مصابين بجراج مختلفة. في هذا الصدد أكد أديب تعرضهم خلال الاعتقال للتعذيب الذى يفوق قدرة البشر. كما وأضاف أنه مازال يعاني من آثار التعذيب حتى يومنا هذا. خاصة من مشاكل الكلى بالرغم من مرور أكثر من ٣٥ عاماً على التعذيب والاعتقال.

هذا البطل الفلسطيني، الفدائي والمهندس، الخريج الجامعي، الانسان اللامع والناجح، الذي عمل بصمت ويعيش كجندي فلسطيني مجهول وسط أبناء وبنات شعبه في مخيمه عين الحلوة. لم يكن وحده من رفاق مقاعد الدراسة في المخيم، في تلك المواجهة في منطقة علمان القريبة من صيدا اللبنانية، فقد استشهد معه في المعركة صديقنا وزميلنا في صف المعلم أبو ياسين ومدرستي قبية وحطين الصديق طلعت أبو علول. طلعت الجميل الذي كان ينتمي كما كل أبناء صفنا وجيلنا لكامل تراب فلسطين وللبندقية المقاتلة. استشهد أيضا العديد من المعارف والأصدقاء من أبناء عين الحلوة ومنهم الشهيد الصفصافي عبد زيدان.

بعد كل هذا نجد اليوم أن لصوص الثورة والتضحيات والمتسلقين على أضرحة الشهداء وجماجم وعظام الفدائيين، الذين لم تعد تثيرهم كلمة “اسرائيل” يتحكمون بشعبنا وبقضيتنا وبمنظمتنا، ويتحدثون بإسمنا ويتنازلون ويستسلمون ويخونون بإسم شعبنا. هؤلاء كان يجب علينا أن نضع حداً لهم بعد انتفاضة فتح سنة 1983. يوم انتفضت قواعد فتح لتنظيف بيتها من عار هزيمة الغزو 1982. لكن عوامل كثيرة ذاتية، فتحاوية، فصائلية، فلسطينية، عربية واقليمية جعلت ذلك الأمر في ذلك الوقت صعباً وربما مستحيلاً. مما فوت الفرصة على الثوريين الفلسطينيين في إعادة بناء منظمتهم وتنظيف بيتهم من الذين أوصلونا فيما بعد الى خيانة أوسلو ومشتقاتها. ثم أوصلونا الى أوقات مظلمة حيث تم تحويل الفدائي الى وقائي يحمي أمن المستوطنين والمحتلين الصهاينة. على كل حال ليس هذا موضوعنا للنقاش في هذه المقالة، لأن مثل هذا النقاش يحتاج لدراسة طويلة ومتأنية ونقد ونقد ذاتي. كما يحتاج الى جرأة وصراحة وشجاعة في تسمية الناس والأشياء بأسمائها وفي تحمل المسؤولية التاريخية.

صديقي أديب أنت من حجارة الوادي لذا لازلت مكانك، تلمع في مكانك الطبيعي وحيث خفت وهج الآخرين وغاب بريق الذين سقطوا واستسلموا على الدرب الطويل.. معاً أردنا تغيير الدنيا لكننا لم نستطع، ربما الجيل الجديد سيكمل عملية التغيير ويحقق ما عجزنا عن تحقيقه.. فإما فلسطين وإما فلسطين ولا بديل آخر.

في 19-2-2021

المناضل المثال – نضال حمد