الوقت خير علاج – نضال حمد

نضال حمد مدير موقع الصفصاف – وقفة عز

في زمن الصمت العالمي المريب والذي لم منذ انشاء دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة. عشرات آلاف الجرائم والمجازر بلا محاسبة. لازلنا نعيش زمن الفظائع والارهاب من اوشفيتس حتى غزة. لم ينته الصمت العربي بصحوةٍ أو نهضةٍ ولم يتبدل نحو الأأفضل واعلا الصوت، بل ازداد سوءا وخيانة حتى غدونا نرى هذه الأيام مشيخات وامارات ومحميات خليجية عربية صغيرة، لم تكن في يوم من الأيام في صراع مع الاحتلال الصهيوني، تخون الفلسطينيين وتتآمر على قضيتهم وتتحالف مع الصهاينة ضدهم. والقصة ليست قصة توقيعهم اتفاقيات واقامتهم تحالفات مع الصهاينة، بل أكبر لأنهم يستخدمون القضية الفلسطينية في كل ذلك. هنا مبعث الخطر وهذا ما يجب على الفلسطينيين أن يعدوا العدة لايقافه وسحقه إن تطلب الأمر ذلك.

لم يعش الفلسطينيون مثل هذا الوضع السيء والمظلم منذ نكبتهم الأولى سنة ١٩٤٨عندما احتل الغزاة الصهاينة فلسطين وأسسوا دولتهم على أرضهم وطردوهم منها بمساعدة الأمم المتحدة والعالم الغربي عموما. كما وبمساعدة بعض الدول العربية الرجعية التي كانت ولازالت تتبع الاستعمار الاوروبي والسياسة الأمريكية وفي المقدمة منها مملكة آل سعود الوهابية.

لقد ساعدت الظروف العربية في توجه القيادة الرخوة والطيّعة في منظمة التحرير الفلسطينية نحو الاستسلام بإسم السلام. فمنذ افتتح الرئيس المصري أنور السادات بوابة الخيانة العربية أمام الجميع. حيث قام السادات المغرور والجاهل قبل نحو خمسين عاماً بتوقيع أول اتفاقية استسلام عربي مع الصهاينة، جرى ذلك برعاية الرئيس الأمريكي آنذاك القس جيمي كارتر في منتجع كمب ديفيد الأمريكي. انهارت العلاقات العربية العربية. بموجب تلك المعاهدة سلم السادات مصر للأمريكان وللصهاينة وأخرجها كأكبر دولة عربية من الصراع العربي الصهيوني. فأنسقم ظهر العرب مع الشلل الذي أصاب عاموده الفقري أي مصر.

استسلام مصر السادات كان صدمة كبيرة لكل العرب وللمصريين أنفسهم وللفلسطينيين بالذات. أضعف السادات باستسلامه المهين، العرب وقسمهم وفرق جمعهم وصفهم. لكن في ذلك الوقت كانت لازالت هناك دول عربية قومية قوية وقفت ضده وقاطعته وحاصرته. على إثر ذلك تأسست جبهة رفض وممانعة ضد السادات شكلتها ليبيا والجزائر وسوريا والعراق واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية. في نفس الوقت لم تستطع الدول الرجعية العربية بقيادة السعودية اعلان موقف مؤيد للسادات بل أعلنت رغماً عنها معارضتها ولو اللفظية والشكلية لخطوته الانهزامية الاستسلامية الخيانية. فعلت ذلك خوفاً من غضب الشعوب العربية ولحماية عروشها وأنظمتها.

لكن تلك الأنظمة الرجعية وهي حليفة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية أبقت على علاقاتها السرية مع السادات ومن ثم مع خليفته في الحكم حسني مبارك. وبقيت تنتظر الفرصة للانقضاض على المعارضين للسادات وللخيانة ولتصفية القضية الفلسطينية. جاءت الفرصة مؤاتية مع انهيار الاتحاد السوفيتي الحليف القوي لحبهة الرفض العربية. ثم بعد تدمير العراق الذي أغرق في حروب عديدة مع ايران ثم مع تحالف امريكا العالمي على اثر حرب الكويت.  كما جرى انهاء دولة اليمن الجنوبي اليسارية عبر توحيد شطري اليمن. ثم تبع ذلك قبول قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت ولازال تتحطم بشرعية تمثيل الفلسطينيين والكلام باسمهم، قبلت الشروط الأمريكية الصهيونية للسلام في مدريد ثم في اوسلو وواشنطن.

لكن فيما بعد برزت قوة جديدة على الساحة الاقليمية تمثلت في الجمهورية الاسلامية الايرانية ودعمها لسوريا والمقاومتين اللبنانية (حزب الله) والفلسطينية (حماس والجهاد الاسلامي). شعر محور الأعداء بالخطر فأخذ يعمل على اضعاف هذا الحلف العربي الاسلامي الجديد. خاصة بعدما حققت المقاومة في لبنان انتصارات تمثلت بهزيمة (اسرائيل) مرتين وبعدما حررت لبنان من الاحتلال الصهيوني سنة 2000 وهزمته سنة 2006. بنفس الوقت تصاعدت هجمات المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية ضد المحتلين الصهاينة ولم تهزم المقاةمة بل صمدت وتطورت وتصلبت. سنة ٢٠١١ برزت الى الواجهة أحداث ما عرف بالربيع العربي، والتي تبين أن الأعداء استغلوا تحركات الشعوب العربية من أجل التغيير والعدالة والتحرر من الطغم الحاكمة، لضرب الدول القومية العربية بالذات وتصفيتها واضعافها من أجل تحصين هيمنة (اسرائيل) في المنطقة تهيئة لفرض شروط الاستسلام العربي الجماعي.

ثم جاءت صفقة القرن الأمريكية التي هي في حقيقة الأمر خطة (اسرائيلية) او خطة نتنياهو للسلام مقابل السلام أو بمعنى آخر مقابل الاستسلام. ما يعني أيضا أنه لا حقوق للفلسطينيين ولا استعادة أرض ولا حرية ولا دولة ولا سيادة ولا عودة للاجئين ولا حدود ولا جيش والقدس عاصمة (لاسرائيل) وضم الأراضي الخصبة والغنية بالموارد المائية والزراعية في الضفة الغربية الى الدولة الصهيونية.. سلام مقابل الاستسلام  ولا شيء آخر اطلاقاً.

بعد استسلام السادات وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية أقدمت المملكة الاردنية على توقيع اتفاقية “وادي عربة” الاستسلامية مع الصهاينة. وأقدمت دول عربية عديدة على اقامة علاقات تجارية وغير ذلك مع  العدو الصهيوني منها قطر وعُمان وتونس والمغرب وموريتانيا. تجمدت بعض تلك العلاقات ابان الانتفاضة الفلسطينية الثانية.  لكن التطبيع مع الصهاينة لم يتوقف ومارست السلطة الفلسطينية دورا في التشجيع على التطبيع بين العرب والمسلمين وحتى بعض المسيحيين العرب.

في هذه الأيام نرى حصاد ما زرعه ترامب ونتنياهو في صفقة القرن واضحاً من خلال الاتفاقيات المهينة التي وقعتها الامارات والبحرين. كما يوشك على توقيعها الحكام العسكريون في السودان مقابل ثلاثة مليار دولار، ومقابل أيضاً رفع اسم السودان من القائمة الامريكية للدول الداعمة للارهاب حسب التفسير اليانكي للمصطلح الأمريكي. فيما لازال الآخرين ينتظرون اشارة من نتنياهو وترامب لاعلان اتفاقيات ممثالة مع العدو الصهيوني.

لكن وإن استسلمت الأنظمة والظُغم الحاكمة فلا سلام شعبي عربي مع الصهاينة لأنهم أعداء الانسانية وأعداء السلام. مشروعهم واضح منذ البدء. يعملون على تحقيقه بمساعدة الأنظمة العربية الخائنة. ليس لنا إلا الصمود والعمل على اعادة بناء الوضع العربي والوضع الفلسطيني بالذات على أسس قومية وطنية تتمسك بحقوق شعب فلسطين. الحقيقة واضخة جداً لمن يريد أن يراها كما هي: إما نحن وإما هم ولا خيار ثالث. ومن يظن غير ذلك واهم ويعيش في غيبوبة وخارج الزمن.

أخالف الرأي القائل بأن القضية الفلسطينية سوف تذوب وتنتهي بدون تحقيق الحرية والدولة الفلسطينية وانهاء الاحتلال الصهيوني، مع بقاء وفي ظل استمرار وجود السلطة الفلسطينية التي ألحقت الضرر الكبير بالقضية. نعم فقد ألحقت السلطة الفلسطينية وخيانة قادة من منظمة التحرير الفلسطينية أكبر الضرر بالقضية الفلسطينية منذ النكبة الكبرى سنة 1948 لأنها بحد ذاتها نكبة تضاهي تلك النكبة. شعبنا الذي ابتلى بهم والصامت حالياً والتائه والضائع منذ اتفاقيت اوسلو، عودنا دائما على قلب الطاولة. وأنا أراهن على جيل فلسطيني جديد سيقلب الطاولة على الجميع. السلطة الفلسطينية الوهمية هي ضرورة صهيونية لتطبيق المشروع الصهيوني، كما قال عنها رابين وبيرز يوم توقيع اتفاقية اوسلو. لكنها في نهاية الأمر سوف تنتهي وتزول تماما مثل الاحتلال، كذلك الفصائل الفلسطينية التي تهادنها.

الوقت خير علاج لكل المسائل.