بين داعش و (إسرائيل) – د. فايز رشيد

منذ اللحظة الأولى لبدء العدوان الصهيوني على غزة , كان من المفترض في التنظيمات التي تطلق على أسمائها وصف ” الجهادية ” كداعش والنصرة وغيرهما , أن تترك معاركها التي تشنها ظلما وعدوانا على جبهات ودول عربية كثيرة , وتوجه كل أسلحتها إلى العدو الصهيوني ,فوفقا للدين الإسلامي الحنيف : فإن الجهاد ضد إسرائيل هو الاهم والأولى , فهو الغاصب للأرض الإسلامية وهو القاتل للبشر والمدنيين والأطفال الفلسطينيين وهادم البوت وهو العدو الرئيسي للإسلام  ! . ولكن فإن كافة هذه التنظيمات وبدلا من الجهاد الأكبر المفترض أن تخوضه ضد عدو الدنيا والدين  , واصلت مخططاتها التخريبية في العراق وسوريا واليمن وليبيا وتونس وغيرها , فتحرير الموصل ونبنوى  ودمشق وعرسال أولى من تحرير بيت المقدس والمسجد الاقصى المهدد بالانهيار والمتعرض في كل يوم لهجمات المستوطنين واعتداءاتهم .

إمعانا في الغيّ  وفي تنفيذ المخططات التقسيمية والتفتيتية للدول العربية, مدّ داعش نشاطاته التخريبية إلى الحدود السورية – اللبنانية , استولى مقاتلوه على بلدة عرسال اللبنانية , قتل من مدنييها ومن جيش لبنان , العديدين, وأسر منهم ومن الشرطة اللبنانية , الكثيرين .  هذا بالطبع إلى جانب تشريد الآلاف من المدنيين الآمنين . داعش افترض في اللبنانيين العرب والمسلمين , أعداءا ونسي المذابح والمجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين العرب والمسلمين أيضا ! .

داعش استمر في تخريبه للعراق وتدمير نسيجه الشعبي من خلال : إثارة الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية فيه , في الوقت الذي عاش فيه المجتمع العراقي كما المجتمعات في باقي الدول العربية قرونا طويلة من الوئام الطائفي والسلام بين المذاهب والطوائف والاديان والإثنيات . لا فرق بين مسلم ومسيحي وبين سني وشيعي وبين عربي وآشوري , الكل سواسية في دولتهم , فالدين لله والوطن للجميع , فالاقرب والأكرم لله جل شانه” أتقاكم “. إن أحد أخطر المخططات التي تنفذها داعش وأخواتها من التنظيمات الأصولية المتطرفة هو , تدمير التعايش الإسلامي – المسيحي من خلال حرق الكنائس في العراق وغيرها ,واللعب على الوتر الطائفي والطرد من البيوت وغيرها من الأساليب الإرهابية . هذا المخطط سعت وما تزال تسعى إليه : أمريكا وحليفتها الصهيونية.

وللدلالة على صحة ما أقول, أورد وبالأرقام بعض الحقائق ( فالمجال لا يتسع في مقالة صحفية قصيرة , إيراد الكثير من الارقام ) ففي إحصائية مهمة , كان عدد المسيحيين في العراق عند بدء الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله في عام 2003, حوالي مليون و200 ألفا . بعد السنة الأولى من الإحتلال , أصبح عددهم 400 ألفا فقط . معروف للجميع كيف قامت الولايات المتحدة بتسهيل هجرة المسيحيين من العراق ومن الدول العربية الأخرى , إليها وإلى الدول الاوروبية والغربية الأخرى من خلال التنسيق بينها وبين تلك الدول, وساعدت على اغتيال العلماء والكفاءات العراقية في مختلف التخصصات , وبخاصة العلمية من أجل إعادة العراق كما صرّح الرئيس بوش الإبن آنذاك : إلى العصر الحجري ! .

هذا ما تمارسه داعش وزميلاتها في سوريا في المناطق التي تمكنت من السيطرة عليها , والكل يعرف هذا ويدركه , وداعش تؤكده في بياناتها الصادرة عنها وفي تصريحات قادتها على الفضائيات , فهم يجاهرون بذلك علنا وعلى رؤوس الاشهاد .على صعيد آخر: اتخذت القيادات الإسرائيلية قرارا منذ عدة أشهر,  فحواه : العمل على استقطاب المسيحيين العرب إلى إسرائيل .فهم وفقا لوجهة النظر الإسرائيلية يعيشون اضطهادا, ومهددون . داعش وزميلاتها يمارسون نفس الدور ويكملّوه . وقد كتبنا عن هذا الأمر في حينه على صفحات  “الوطن ” العزيزة .

المسيحيون العرب هم مكون رئيسي من مكونات أمتنا العربية الواحدة من المحيط غلى الخليج . لعبوا تاريخيا وما يزالوا يلعبوا دورا رئيسيا في كل حقبات التنوير والتطور والنهضة العربية في مختلف المجالات وعلى كافة الأصعدة . لعبوا وما يزالوا دورا  في كل معارك التحرر الوطني العربية ,وفي قيادة العديد من فصائل المقاومة العربية . المسيحيون العرب هم حاجة  وطنية وقومية عربية . وهم جزء اساسي ومكون رئيسي من الشخصية العربية . وقفوا وما يزالوا مثل كل باقي مكونات الشعوب العربية , في خنادق الامة العربية في الدفاع عن وجهها الحضاري , الوطني , التحرري ,  وشاركوا ويشاركوا في مواجهة كل مخططات التآمر والتمزيق والتفتيت التي استهدفتها على مدى التاريخ وما تزال تستهدفه : غربية كانت أو صهيونية ,وبغض النظر عن وحدة الإنتماء الديني مع البعض من أصحاب هذه المخططات .

داعش والنصرة وزميلاتهما : يمثلون الوجه الآخر لإسرائيل وحلفائها الغربيين وكل الدوائر المتآمرة على وطننا العربي وبخاصة على القضية الفلسطينية . إن اية هزيمة لإسرائيل ولمخططات هذه الدوائر الإستعمارية ,مشابهة تماما للهزيمة لداعش وأخواته , من حيث النتائج ,ومن حيث إفشال كافة هذه المخططات , المتشابهة والمكملة بعضها للآخر , فهي في النهاية جميعا : أوجه متعددة لعملة واحدة .

بين داعش و (إسرائيل) – د. فايز رشيد

اترك تعليقاً