تداعيات الهجوم على أسطول سفن السلام

نضال حمد

تداعيات الهجوم الصهيوني على أسطول سفن الاغاثة الدولي الذي كان يبحر باتجاه قطاع غزة المحاصر مازالت مستمرة .. ومازال هذا الموضوع مثار جدل وتحليلات للعديد من الخبراء والمختصين والمهتمين والمتابعين لقضية الصراع العربي الصهيوني في أوروبا كلها. فالعملية المذكورة نزعت القناع الأخير للديمقراطية الصهيونية الزائفة التي ظل الغرب يدافع عنها طويلاً.  حيث استطاعت عدة سفن مع بضع مئات من نشطاء السلام الدوليين، المدنيين، العُزَلْ أن تخرج الكيان الصهيوني عن طوره، وأن تفضح حقيقة العقلية الاستعلائية المغرورة، ولغة الارهاب الدموي التي لا يتقن الاحتلال غيرها في تعامله مع كل من يعارضه ويحاول فضحه وكشفه .. فهذا الكيان الذي يُعرفهُ القائمون عليه بدولةِ اليهود، هو كيان للاستعماريين الصهاينة، أقيم فوق تراب فلسطين العربية عقب تشريد سكان الارض الأصليين وبعد ارتكاب عشرات المجازر ومحاولة تصفية الفلسطينيين عرقياً.

نشطاء السلام الدوليين ومنهم شخصيات ثقافية عالمية هامة مازالوا يرون لوسائل الاعلام ويتحدثون في ندوات ومحاضرات حول ما رأوه وعايشوه على متن سفن أسطول الحرية وفي معتقلات الصهاينة ..

البروفسور نورمان بيش أستاذ القانون الدولي بالجامعات الألمانية -في مقابلة له مع الجزيرة نت- أعلن أنه سيسعى لجعل مقاضاة (إسرائيل) أمام المحاكم الألمانية، مقدمة لرفع دعاوي عليها أمام القضاء الدولي. والأخير سياسي وخبير قانوني ألماني شارك في أسطول الحرية وأكد عزمه رفع دعوى أمام القضاء الألماني ضد “إسرائيل” لهجوم قواتها البحرية على سفن الأسطول وقتل وجرح متضامنين كانوا على متنها.

كما رأى أستاذ القانون الدولي أن البحرية “الإسرائيلية” ارتكبت عملا مناهضا للقانون الدولي وحقوق الإنسان وجريمة حرب، وقال “لم يطلب الجنود “الإسرائيليون” تفتيش السفينة مرمرة، وهجموا عليها دون سابق إنذار، وأطلقوا الرصاص مباشرة على المتضامنين فوق سطحها، فهل هذا دفاع عن النفس؟“.

أما الناشط الأمريكي المعروف بول لارودي فقد أكد خلال مقابلة أيضاً مع الجزيرة نت تعرضه للتعذيب القاسي من قبل الجنود “الاسرائيليين” ولسوء المعاملة في المركب وفي المعتقل، وأنه يستعد لمقاضاة المسؤولين “الاسرائيليين”. وذكر أنه يجري فحوصات طبية لكتابة تقرير عن حالته الصحية كي يقاضي “إسرائيل”، وأنه وكّل محامية “إسرائيلية” برفع دعوى نيابة عنه ضد الحكومة “الإسرائيلية” بتهمة الاختطاف والقرصنة.

وقال إن المتضامنين يترقبون استرجاع السفن التي “سرقتها إسرائيل” لمعاودة السفر بها وسيلجأون للضغوط الشعبية والقانون الدولي لاستعادتها..

حركة التضامن العالمية وحملات فك الحصار عن غزة تعتزم ارسال عشرات السفن الى القطاع المحاصر وهناك آلاف نشطاء السلام والمتطوعين الذين يعلنون يوميا استعدادهم للسفر الى فلسطين لفك الحصار عن القطاع ولتعرية الصهاينة.

فمنذ أعلنت لجان التضامن والمناصرة النرويجية الاسبوع الفائت نيتها ارسال سفينة الى غزة وصلتني عشرات الرسائل الالكترونية والمكالمات الهاتفية من نرويجيين وعرب وفلسطينيين يرغبون السفر.

وعلمت من مصادر خاصة أن عددا من البرلمانيين النرويجيين سوف يكونون على متن السفينة التي ستتجه الى غزة. يترافق هذا التوجه مع توجه آخر لنشطاء السلام الدوليين، حيث أن عددا كبيرا من المثقفين والأدباء والفنانين والبرلمانيين والنقابيين والسياسيين سوف يقومون بشن هجوم قانوني واسع وشامل على “اسرائيل”، وسوف يقدمون دعاوى في المحاكم الدولية ضد (اسرائيل) ولتعزيز مبدأ المقاطعة، كما كان الأمر مع نظام الأبارتهايد في جنوب افريقيا.

الأديب السويدي العالمي الكبير هيننغ مانيكل أحد أشهر الأدباء والكتاب في العالم والذي كان على متن احدى سفن الاسطول المتجه الى غزة، وتم اعتقاله واهانته من قبل الصهاينة، وتمت مصادرة جميع أغراضه الشخصية بما فيها جراباته .. قال انه سافر بعد ترحيله من دون جوارب، وأن المضيفة في الطائرة أتت له بجرابات جديدة.

هيننغ مانكيل وصف “اسرائيل” بدولة تمارس الفصل العنصري كجنوب افريقيا تماما وتمارس بحق الفلسطينيين سياسة احتلالية ووحشية بغيضة. وقال في ندوة ببرلين في ألمانيا: صنفت على أني كاتب روائع في “اسرائيل” ومع ذلك أفكر جديا في ايقاف ترجمة رواياتي الى اللغة العبرية.

في النهاية قال هيننغ: ‘ اني متعـَب وبحاجة الى الراحة.’ ثم قال وبنبرة تحدّ ٍ واصرار: ‘ ولكني سأشارك في أول اسطول يمخر ماء المتوسط باتجاه غزة.

هذه شهادة أحد أهم رموز الأدب العالمي المعاصرهيننغ مانكيل الذي كرس سنوات طويلة من حياته في محاربة نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا الى أن تم اسقاطه. وبعد ذلك تبنى القضية الفلسطينية ومحاربة الصهيونية في العالم.

 لا نعتقد أن تداعيات هذه القضية سوف تنتهي بسرعة لأن الذين تم الاعتداء عليهم ليسوا فقط  وكما ترون من ذوي الأصول الفلسطينية. بل من جنسيات مختلفة وجلهم من الأوروبيين والغربيين بشكل عام، ومنهم شخصيات عالمية، ثقافية، سياسية، وازنة، منها سيدة ايرلندية حائزة على جائزة نوبل للآداب.

تعرض هؤلاء للخطف والقرصنة والاحتجاز والاعتقال والتعذيب والاهانة. كذلك لاطلاق النار عليهم وقتل وجرح مجموعة كبيرة منهم مع سبق الاصرار والترصد وبدون أن يبدوا مقاومة تذكر للجنود المهاجمين والمدججين بالأسلحة وأدوات القتل والتصفية. فعمليات الاقتحام والتصفية جرت في المياه الدولية وضد سفن تحمل أعلام دول مختلفة، مما يعني أنها اعلان حرب على تلك الدول وبالذات تركيا حيث  كل الضحايا كانوا من الأتراك وسقطوا على متن السفينة التركية مرمرة.

شهادات النشطاء والشهود تؤكد أن الجنود كانوا يعرفون أهدافهم مسبقاً وأنهم زودوا قبل العملية ببنك أهداف على سطح سفينة مرمرة بالذات. لأنها كانت السفينة القائدة لأسطول السفن العالمي .

تظهر يوما بعد يوم أدلة جديدة على أن الجنود الصهاينة قاموا بتصفية النشطاء الذين استشهدوا بطرق همجية وبإطلاق الرصاص بهدف القتل المباشر، إذ ما معنى أن معظم الشهداء أصيبوا في الراس والصدر إما من الأمام أو من الخلف.

الشهيد الأصغر سناً ويدعى فرقان دوغان (19) سنة أمريكي، تركي الأصول أصيب بطلقة مباشرة في الرأس. ثم عاد الجنود لاحقاً وأطلقوا عليه خمس رصاصات أخرى ..

تم بث لقطات فيدو تظهر عملية القتل العمد فيما كانت وسيلة اعلام تركية نشرت قائمة بأسماء وصور أتراك ونشطاء كانوا على متن السفينة مرمرة، يبدو أنه تقرر في (تل أبيب) اعدامهم مسبقاً. كما وأدعت المصادر التركية أن هذه القائمة سقطت من الجنود أثناء عملية اقتحام السفينة.

غالبية الدول الأوروبية تريد فك الحصار عن غزة لكنها تخضع للضغوطات الأمريكية التي تجبرها على التجاهل والصمت وحتى الارتهان للموقف الأمريكي. ففي الوقت الذي تقوم فيه هذه الدول بإدانة حصار غزة، تمارس نفسها الحصار على غزة. من خلال التزامها بقرار اللجنة الرباعية الذي على أساسه حوصر القطاع ويستمر حصاره. ترى متى سترتقي الدول الأوروبية الى مستوى الحس والموقف الشعبي فيها؟.

سؤال سوف تجيب عليه الأيام والأشهر القادمة فالحرب القانونية وحملة مقاطعة كيان “اسرائيل” ستنحى منحى تصاعدياً في كل أوروبا والغرب. أما في بلاد العرب أوطاني فلا حياة لمن تنادي ..

 

12/06/2010