جهاد أبو رمضان الذي غادرنا مبكراً – نضال حمد

الى رفيقي وصديقي الغائب الحاضر جهاد أبو رمضان الذي غادرنا مبكراً …

في حبس كورونا الجزئي يستحضر الانسان الذكريات ومن غابوا قبل ميعادهم من الأصدقاء والرفاق. ربما أنهم حضروا وحدهم دون استئذان ليدقوا باب ذاكرتنا المتعبة. ليدخلوا الى صفحاتنا ويقرئون ما فاتهم قراءته في زمن مضى. ففي فترة الشباب كانت الهموم تختلف كثيراً عن همومنا في هذه الأيام، تختلف في العديد من المسائل والأمور وفي النظرة والرؤية والمعرفة. لكنها ما اختلفت يوما فيما يخص فلسطين وقضيتنا المقدسة.

تعود بي الذكريات الى منتصف الثمانينيات من القرن الفائت، يوم تعرفت بشكل مباشر على الشباب والطلبة الفلسطينيين القادمين من الوطن المحتل فلسطين، إذ لم يسبق لي أن عشت معهم عن قرب إلا بعضهم من الذين كانوا متطوعين في الخدمة الثورية في القواعد الفدائية في لبنان. هنا في أوروبا تعرفت على الذين سافروا بعيدا عن أهاليهم ووطنهم لتلقي العلم والدراسة، بالذات في أوروبا الشرقية (الاشتراكية) حيث امكانية الحصول على منحة دراسية كانت متوفرة، و كذلك امكانية الدراسة على نفقة الأهل كانت ممكنة بسبب رخص الأسعار والتكلفة مقارنة مع جامعات دول غرب أوروبا.

في مدينة لودز البولندية تعرفت على الصديق الشهم ابن غزة العزة جهاد أبو رمضان وعلى شقيقه نافذ اللذان حضرا الى هنا لتلقي العلم والدراسة الجامعية. كان جهاد شابا يافعا طويل القامة مملوء الجسم، كله حيوية ونشاط وفرح بالرغم من مآسي شعبنا والتي عانى منها كأي فلسطيني.

حين حطت رحال جهاد في مدينة وودج البولندية. كانت المدينة تعج بالطلبة الفلسطينيين والعرب والأجانب. وكان النشاط السياسي وبالأخص الفلسطيني في ذروته. وكانت الخلافات السياسية الفلسطينية على أشدها في مرحلة ما بعد الخروج من بيروت ولبنان سنة ١٩٨٢، ثم انشقاق حركة فتح الذي عرف باسم الانتفاضة الثورية. وكنا كفلسطينيين منقسمين على أنفسنا سياسيا وتنظيميا. وكنا في بعض الأحيان لا نجد لغة حوار مشتركة. كما كانت هناك تكتلات صنعتها الميول الفكرية والسياسية لكل فلسطيني. بالرغم من ذلك حافط معظم الطلبة الفلسطينيين على علاقات صداقة أخوية ورفاقية قدر الامكان. فيما تباينت حدة الخلافات وطبيعة العلاقات من شخص الى آخر إما بسبب الخلافات التي سبق وذكرتها أو لعامل العلاقة الشخصية الذي كان يلعب دورا مهما في تحديد العلاقات وطبيعة مسارها فيما بعد. وبين هذا وذاك وكل ما كان يجري حظي جهاد بعلاقات طيبة وجيدة مع غالبية الفلسطينيين وكان شخصا محبوبا لخفة دمه وبساطته وطيبته وجرأته وشجاعته.

ففي الاجتماعات الطلابية كانت تصل الخلافات الى ذروتها وأحيانا تتجاوز المعقول وتكاد تنفجر وتحصل اشتباكات. أما بعد الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات كان الجميع أو كان  غالبية الطلبة يتوجهون الى المقاهي وهناك تعود المياه الى مجاريها ويستعيد الشباب علاقاتهم الانسانية، على موائد وطاولات المقاهي والمطاعم. وتستمر السهرات حتى الفجر أو حتى وقت متأخر من الليل. تتخللها النكات والأغاني والخ.

أذكر الآن أنه في يوم من الأيام دعاني جهاد للسفر معه الى مدينة أخرى لزيارة صديق له كان يقيم هناك. سافرنا وسهرنا عند صديقه حتى الفجر وتحدثنا في السياسة ولم يكن هناك أي خلاف لسبب بسيط هو أننا كلنا في ذلك اللقاء السريع كنا نحمل أفكارا يسارية ورؤية سياسية متشابه. سهرنا حتى الفجر ثم عدنا الى مدينتنا. كنا يومها بالكاد نتكلم اللغة البولندية التي بدأنا دراستها وتعلمها في معهد اللغة البولندية، وبعكس الصديق الذي زرناه والذي كان مضى على وجوده في بولندا عدة سنوات.

“الصورة من مهرجان اليوم الوطني لجبهة التحرير الفلسطينية بقيادة الشهيد طلعت يعقوب في نيسان 1985”

في خضم العلاقات المعقدة والصراعات القوية والخلافات العاصفة في الساحة الفلسطينية وبعد انتقالي الى مدينة فروتسلاف البولندية قررنا في جبهة التحرير الفلسطينية أن نقيم مهرجانا في فروتسلاف بمناسبة اليوم الوطني لفصيلنا المذكور أي ذكرى انطلاقته، كان فصيلنا حليفا استراتيجيا للتنظيم الذي كان جهاد من أعضائه أي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقرر المتنفذون في منظمة التحرير الفلسطينية وفي حركة فتح مقاطعة المهرجان. فسميناه مهرجان التحدي. وأقمناه وكان ناجحا جداً وبمشاركة طلابية من كل المدن. وحضر الى فروتسلاف رفاق ورفيقات وأصدقاء وصديقات فلسطينيين وعرب وأجانب وبالطبع بولندييين. وكان جهاد أبو رمضان من المشاركين الفاعلين في المهرجان، ولازلت أملك صورا من تلك الليلة التي وحدت غالبية العرب والفلسطينيين وإن كانت تلك الغالبية من اليساريين العرب والفلسطينيين.

لم يكمل جهاد دراسته في بولندا ولا أعرف سبب ذلك وغادرها وانقطعت العلاقة في مرحلة لاحقة نتيجة تشردنا الفلسطيني وعدم التواصل بسبب عدم توفر العناوين. لكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي عدنا والتقينا من جديد وعاد التواصل هاتفيا وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

علمت منه أنه في انكلترا وأن أوضاعه جيدة ومستقرة، وأصر على دعوتي الى زيارته ووعدته بذلك لكن الزيارة لم تتم بسبب ضيق الوقت. ولن تتم ابداً لأن جهاد توفي لاحقاً نتيجة المرض. فقد أخبرني قبل وفاته أنه يعاني من غزو سرطاني عضالي قد لا يمهله طويلا وقد لا يمنحه المزيد من الوقت لمتابعة الحياة.

وهكذا كانت نهاية جهاد، نهاية رجل شجاع وفلسطيني لا يمكن نسيانه.

في 24-11-2020

جهاد أبو رمضان الذي غادرنا مبكراً – نضال حمد