حميد سعيد في الثمانين: يتأمل بصمت ويبدع شعرا صافيا – رشاد أبوشاور

 حميد سعيد

في الثمانين: يتأمل بصمت، ويبدع شعرا صافيا

 رشاد أبوشاور

في دمشق عرفته، وكان هذا قبل خمسين عاما. وفي بغداد تعززت معرفتي به. و..في عمّان اقتربت من (عالمه) الشعري..والإنساني، وازددت معرفتي وصداقتي به، وبيننا اغتنت تلك المعرفة والصداقة بجلساتنا الممتدة في مقهى الفوانيس، مع آخرين أحيانا، ووحدنا أحيانا.

انتقل من بغداد بعد أن اجتاحها الأميركان وأتباعهم، وفي (روحه) حمل نخيل العراق، وشجن دجلة والفرات، وجلس متأملاً، لا يبدو عليه انكسار، بل هو كما كان، يتأمل بصمت، ويحكي قليلاً، ويضحك بشجن غالبا، وفي حزنه وصمته تمتد نظرة بعيدة، أحسب أنها لا تذهب لغير بغداد..وعذابها الممتد بعد الاحتلال..والغربة.

في الثمانين وقد بُلّغها سمعه مرهف، وبصره حاد يخترق المسافات بحيث يرى ظلال نخيل العراق ويسمع هدير ماء دجلة والفرات، وهسهسة نور قمر بغداد المعلّق..والمحجوب بغبار صحراوي أثارته أقدام الغزاة..فتراه يصمت ويغمض عينيه قليلاً، ثم يبتسم كأنما أيقظه شجن عراقي يأتيه من بعيد، فيتيقن أن وجه بغداد وقمرها ستنجلي عنهما غمة الاحتلال، وأنه لا بد عائد إلى حيث عشقه وجذوره.

يكتب حميد سعيد شعرا صافيا أنيقا على أوتار روحه، بعزف منفرد، هو كبير التجربة الشعرية الغنية..متوجا رحلته بمجموعة (صغيرة) حجما، كبيرة غنى ومشاعر، هي (ما تأخر من القول) الصادرة عام 2019، والتي، وإن كانت بوحا منفردا..فهي تمس روح أبناء جيل بكامله، ممن أعطوا في كل بلاد العرب..ثم فجأة استفاقوا على أفول العمر إلاّ قليلاً:

شخنا ..وتغيرت الدنيا

إلاّ خفق عباءتها..ظل كما كان

ولأنه غريب عن نخيل العراق، بعيد عن ليل بغداد وأنسه والصحاب، فهو يلتقي( بها) في دائرة الهجرة..في عمّان:

في دائرة الهجرة

فاجأه صوت امرأة..يأتي من زمن جد بعيد

أأنت؟

بلى…

ها هو حميد سعيد يستحضر حبا..أيكون قد مضى؟!

هو لا يقف على الأطلال باكيا نادبا، ولكنه يقوي روحه بحب، وإن مضى، فإنه لا يموت، لأنه يعتصم ببغداد وبالنخيل وبالشعر..وبحب كان هناك في ذلك الزمان.

في الثمانين، يقول حميد سعيد شعرا، يبدو أنه لروحه، ومن روحه، بمشاعر زاخرة جيّاشة، و..نقول نحن: هذا الشعر لنا، عن عمرنا بما اكتنفه من غربة، وتشرّد، وفقدان، و..وحالنا واحد، وغربتنا واحدة في بلاد العرب.

أقول له: ها قد صرت فلسطينيا، فيرّد: ولكنني كنت فلسطينيا من قبل..هناك، في بغداد، والحلّة..وهنا، في عمّان، على مقربة من فلسطين أتشمم رائحتها الممتزجة برائحة بغداد.

كيف فاتنا أن نحب كل هذا الحب؟ و..أن لا نضيّع من نحب؟.

حميد سعيد، يدّخر مشاعره بصمت، وهو يتأمل حركة الشارع الذي على جنبه يقع مقهى الفوانيس، حيث يتحلّق العراقيون حوله، ويجيب على سؤال الغربة..والشوق، وتأمل ما( فات) من حب..وعمر، بهذا الشعر المصفّى في مجموعته الشعرية الأخيرة (ما تأخر من القول) الصادرة في العام الماضي…

وإذ يبلغ الثمانين، فسمعه لا يستعين (بالترجمان)، فروحه اليقظة، وسمعه وبصره..تخترق الأبعاد..لتنتعش بقمر بغداد، وظلال نخيل العراق، فيبدع شعرا يليق بكل هذا الحب، والانتماء للعراق ونخيله وفراتيه..وناسه الذين يحضرون معه في شعره ونثره وحياته اليومية.

عمرا مديدا للصديق الشاعر الأنيق النبيل، الصوفي بنكهة تنتمي لزمننا..وقد بلغ الثمانين: حميد سعيد.

 

عمّان

3/ تشرين ثاني / 2020