أخبار الجالية في النرويجالأرشيفالجاليات والشتات

د يوسف عراقي يروي شهادته عن مجزرة تل الزعتر

الدكتور يوسف عراقي: ضمير أخلاقي يستعيد حضور تل الزعتر- تقرير بسام الكعبي

لَمَعَ صوت المناضلة الأممية السويدية المرموقة إيفا شتال في سماء الكرمل مساء الخميس 20 تشرين أول الماضي؛ خلال محاضرة للدكتور يوسف عراقي في نادي حيفا الثقافي، قدم فيها الطبعة الثالثة لكتابه القيّم (يوميات طبيب في تل الزعتر). هَجَمَ حزن شديد على الحكيم، وقد إستعادتْ ذاكرته قسوة الجراحة التي أجراها قبل أربعين عاماً لليسارية إيفا، وقراره الصعب ببتر ساعدها من أجل إنقاذ حياة ممرضة وهبت عمرها لأهالي مخيم تل الزعتر تحت حصار محكم وقصف شديد وظروف بالغة التعقيد وأدوات طبية معدمة..ومع ذلك تمكن الدكتور عراقي من إنقاذ حياتها رغم أنها خسرت زوجها الشهيد يوسف حمد وجنينها؛ جراء المجزرة التي نفذتها عصابات الكتائب اللبنانية بإسناد النظام السوري، وقد استهدفت إبادة المخيم وقتل وجرح وخطف وتهجيرأهالي المخيم..كيف وصل الدكتور يوسف عراقي إلى مخيم تل الزعتر شرقي بيروت؟ وكيف سَرَدَ يوميات الحصار والقتل والتدمير في المخيم المنكوب؟

شهيق الكرمل

ولد يوسف يوم 15 نيسان 1945 في عرب الرمل شمال شرقي  حيفا، وتقع القرية  في السهل الممتد على الطريق إلى عكا مقابل خط الشاطئ، وأقيم على أنقاض القرية الزراعية مجمع للصناعات العسكرية “الإسرائيلية” يُعرف بإسم “كوردانه”.

كان والده أحمد موسى عراقي مختار بلدة عرب الرمل الزراعية، وإشتغل في تربية المواشي والأبقار، وزراعة الأرض وفلاحتها، وتسويق منتوجاتها في مدينتي حيفا وعكا.إكتسبت العائلة إسمها في الحقبة العثمانية بعد عودة أحد الأجداد من العراق إلى بلدته، وكانت أسرة (عراقي) غادرتْ البلدة بسبب مشكلة عنيفة أدت إلى قتلى في عرب الرمل، وعادتْ بعد عقد صلح عشائري وقضاء عشر سنوات في المنفى العراقي. هناك روايات كثيرة حول أصل التسمية، لكن الهجرة إلى العراق والعودة، قد تكون الرواية الأرجح التي منحتْ العائلة إسمها.

فَقَدً الصغير يوسف عشية النكبة 1948 خاله علي عراقي بعملية تفجير استهدفتْ حسبة حيفا، وراح ضحيتها خاله الشهيد علي وعدداً من أبرياء الشعب الفلسطيني، وذلك عندما زرعتْ منظمة “الايتسل” الصهيونية الارهابية عبوات ناسفة في الحسبة مطلع كانون أول 1947.

غادر الطفل قسراً إلى لبنان قبل تجاوزه الثالثة من عمره، وأقام مع ذويه في منطقة النهر قرب حي الكرنتينا المعدم في بيروت، إلى جانب عائلات فلسطينية هاجرتْ عنوة من قريتي شعب وعمقا في الجليل الأعلى، إضافة إلى عائلات لبنانية فقيرة، وقد شكلت منطقة الكرنتينا حزام بؤس حول العاصمة بيروت.

إلتحق الفتىف ي مدرسة نهر المقطع الاعدادية التابعة لوكالة الغوث، ثم تابع دراسته في برج البراجنة، وإنتقل إلى مدارس لبنانية تابعة لجمعية المقاصد الإسلامية الخيرية  بمنطقة الأشرفية في بيروت، وكان يقطع مسافة طويلة للوصول إلى مدرسته مستقلاً القطار (الترام) ثم الحافلة. أنهى البكالوريا (الثانوية العامة) بالنظام الفرنسي، وتفوق من الدورة الأولى التي لا يتجاوز فيها عادة نسبة النجاح 20 بالمائة.

حصل الشاب يوسف على منحة دراسية لاستكمال تعليمه الجامعي في العاصمة السوفياتية موسكو، وسافر من بيروت أواسط آب 1968برفقة ستة طلبة فلسطينيين في الدفعة الثانية للمنح الدراسية التي بدأت موسكو تقدمها لمنظمة التحرير الفلسطينية.

أنهى الطالب الجامعي دراسة الطب في جامعة موسكو صيف 1974، ونال في السنة التالية شهادة تخصص بالجراحةالعامة؛ متزامنة مع الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت شرارتها يوم 13 نيسان 1975. إلتحق بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وتسلم مسؤول الخدمات الطبية في جنوب لبنان، وأنتخب عضواً في المكتب التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر، وسكرتير إتحاد أطباء فلسطين في لبنان.

خلال اجتماع لأطباء جمعية الهلال الأحمر في بيروت، أبدى الطبيب يوسف رغبته في الالتحاق بعيادة الهلال الطبية في مخيم تل الزعتر شرقي بيروت. داوم في العيادة إلى جانب الدكتور عبد العزيز اللبدي يوم 11 آب 1975 وظل فيها سنة ويوم واحد حتى 12 آب 1976 عقب تدمير المخيم وتنفيذ مجزرة مروعة.

إلتحقتْ الشابة فادية جواد، من أبٍ لبناني يقيم في بلدة شوقين قضاء النبطية (جنوب لبنان) وأم فلسطينية هاجرتْ قسراً من الجليل، في مدرسة للتمريض تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. تطوعتْ فادية للعمل في عيادة تل الزعتر،وخطفتْ قلب الدكتور يوسف قبل أن تغادر إلى برلين لاستكمال دراستها في العلاج التأهيلي للمصابين. إلتقى يوسف وفادية في العاصمة الألمانية وتزوجا في برلين عام 1982 وأنجبا ثلاثة أبناء.

Eva – Yusef

مجزرة تل الزعتر

صباح الثاني عشر من آب 1976، قرر الدكتور يوسف عراقي الذهاب إلى عيادة المخيم كالمعتاد، وحال دون ذلك  قصف عنيف استهدف البيوت المجاورة. وصل ممرض وأخبره أن ميليشيا الجبهة الانعزالية اقتحمت العيادة، ونفذت عملية قتل جماعي بحق الجرحى والمدنيين الذين لجأوا اليه هروباً من القصف المدفعي الكثيف. اتجه عراقي إلى مركز الطوارئ، وشهد حول المبنى المتواضع معركة قاسية بين مقاتلي المقاومة والحركة الوطنية اللبنانية من جهة ومسلحي الجبهة الانعزالية من جهة أخرى، في محاولة يائسة لحماية الجرحى والنساء والأطفال والمسنين. اجتاح مسلحو الجبهة اليمينية الفاشية بأعداد كبيرة مركز الطوارئ قادمين من محور الدكوانة الشمالي، عندما حاول عراقي مع زميله الدكتور عبد العزيز اللبدي والممرضين ترتيب عملية نقل الجرحى إلى بناية مجاورة. رفضتْ المليشيات المسلحة ذلك وتجاهلت حقوق الجرحى ونداء الاستغاثة، وطلبتْ منهم مغادرة العيادة وخروج الطاقم الطبي عبر ممر إجباري؛ حيث ينتظرهم الصليب الأحمر الدولي! وكان خروجاً محكماً إلى مصيدة موت مريع وفق وصف الدكتور عراقي.

معجزة نجاة الأطباء!

سار يوسف عراقي منذ التاسعة صباحاً برفقة زوجين طبيبين سويديين يتبعهم طاقم التمريض حاملا الجرحى على ألواح خشبية والمتاح من أدوات بسيطة. أصدر مسلح فاشي في أول حاجز عسكري  أوامره بوقوف الجميع على الحائط استعداداً لاطلاق النار عليهم. انشغل المقاتلون بأحاديث جانبية، وطلب عراقي من الممرضين التحرك بسرعة مع الجرحى والاختفاء بين جموع الأهالي الخارجين من تل الزعتر، وخلع الرداء الأبيض وإشارة الهلال والصليب الأحمر، لأنه  أدرك أن أمراً غامضاً يدبر للطاقم الطبي. تقدم عراقي في الممر الإجباري تحت طلقات نارية فوق رؤوس الفارين، واصطدم بمسلحي الحاجز العسكري الثاني؛ الذين قرروا تصفية الطاقم الطبي فوراً! فجأة تقدم مسلح نحو الدكتور عراقي ونادى عليه بإسمه، واستعاد معه وقائع العملية الجراحية الخطيرة التي أجراها له وأنقذت حياته، وقد وصل الجريح الكتائبي إلى عيادة المخيم قبل بدء الحصار على تل الزعتر مطلع 1976.

جرتْ مشاجرة بين عناصر الحاجز على قرار التصفية الجسدية، وحينها وصل ملازم من جيش التحرير الفلسطيني وكان يقيم في المخيم، عانق عراقي، وقدم نفسه لمسلحي الحاجز بأنه ضابط سوري وحسم الموقف، وحاول الملازم جهده  إنقاذ الممرضين والجرحى لكن دون جدوى. شاهد عراقي عملية حجز الطاقم الطبي في طابور، وتلقى أفراد الطاقم أوامر من مليشيا الحاجز العسكري بالسير إلى الأمام، قبل أن يتم نقله برفقة الطبيبين السويديين خلف بناية مجاورة. شاهد عراقي أحد القتلة يطلق  صليات رصاص من بندقية، وسمع  عقبها أصوات صيحات الضحايا. استعاد صورة فاشي ضخم الجثة، يحمل سكيناً كبيرة تقطر دماً: كل ثلاث دقائق يعود إلى مدخل البناية ويمسح سكينه الملطخة بالدماء بقميص مدني يجلس مرتعداً على درج المبنى!

وصل بعد ساعة من الزمن أحد مسؤولي أمن المليشيات المسلحة، وقاده برفقة الطبيبين السويديين والضابط السوري إلى خارج حدود تل الزعتر في أطول طريق قطعها في حياته: شاهد مئات الجثث الطاهرة للأطفال والنساء والشيوخ على جانبي ممر إجباري لا يتجاوز 300 متر. في نهاية الطريق القاتلة نقل بسيارة إلى مكتب أمين الجميّل مسؤول حزب الكتائب، وقد خاطبه الأخير بسخرية: لستُ فاشياً. أنظر يدي نظيفة غير ملطخة بالدماء”! طلب عراقي من مندوب الصليب الأحمر البحث عن زميله الدكتور اللبدي وطاقم الممرضين، وتحركتْ سيارة الصليب الأحمر إلى منطقة الدكوانة لانقاذ الطاقم الطبي. أثناء فترة البحث عن اللبدي،  تعرض عراقي للتحقيق والاستجواب في مكتب الجميّل، وبدا واضحاً من الأسئلة التي نشرها الدكتور في شهادته حجم كراهية الكتائب العنصرية لمقاومة الشعب الفلسطيني والحركة الوطنية اللبنانية. في ساعات العصر وصل اللبدي سالماً، وتعرض لنفس أسئلة التحقيق وطريقة الاستجواب.

شاهد من شرفة مكتب الجميّل مظاهر ابتهاج المليشيات الانعزالية “بالانتصار”! ودقق بنزعة سادية تتلذذ بالذبح والقتل والسحل! وصل المصري حسن صبري الخولي وتفاوض طويلا مع أمين الجميّل لاطلاق سراح الأطباء. في السادسة مساء استقل الأطباء سيارة الخولي وقادها الجميّل، واجتازت اثني عشر حاجزاً عسكرياً في المنطقة الشرقية شكلتْ مصيدة لقتل الناجين من الطوق العسكري حول تل الزعتر. وقفتْ السيارة في منطقة المتحف على خط التماس بين بيروت الشرقية والغربية ترجل منها عراقي، وتابع سيره برفقة الأطباء الثلاثة باتجاه بيروت الغربية، حيث كان ينتظرهم مندوب الصليب الأحمر الدولي.

تخصص جراحة

استقال من جمعية الهلال الأحمر سنة 1980 وغادر بيروت مطلع أيلول إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وإلتحق في جامعة برلين لاستكمال تخصصه في جراحة المسالك البولية، ودافع عن رسالة الدكتوراه في التخصص وحصل على شهاداته العلمية أواخر آذار 1986. أثناء دراسته تعرض لبنان لعدوان إسرائيلي مطلع حزيران 1982، غادر برلين إلى بيروت للالتحاق بمهمته الطبية، لكن السلطات اللبنانية أغلقت المطار وحولت الطائرات المدنية إلى مطار دمشق الدولي. شكل الهلال الأحمر الفلسطيني لجنة طوارئ، وتم تكليفه بمسؤولية المتابعة مع الأطباء الأجانب، وأدار من الشام العلاقة مع أعداد كبيرة من الأطباء المتطوعين بما فيهم مجموعات من أطباء النرويج، وتم إدخال أغلبهم إلى منطقة البقاع لتقديم العلاج للجرحى والمصابين

بعد تخرجه سنة 1986، تنقل طوال عامين بين السودان وإمارة الشارقة في الخليج العربي؛ بحكم وجود تجارة ناجحة لأشقائه في الامارة، وحصل فيها على إقامة، ورخصة مزاولة مهنة، وفتح عيادة طبية، لكنه لم يتمكن من العيش في الخليج، وقرر الهجرة إلى النرويج عام 1988 بناء على تشجيع مجموعة من أصدقائه أطباء النرويج الذين ناصروا الشعبين اللبناني والفلسطيني إثناء العدوان “الإسرائيلي” مطلع حزيران 1982.

إلتقى الدكتور يوسف عراقي سنة 1989 بالصحفي السويدي اندريه هاسليوم الذي لعب دوراً بإنقاذ إيفا ونشر يوميات حصارها في تل الزعتر.، أصر اندريه على دعوة الدكتور عراقي إلى بيته، وكانت المفاجأة بوجود إيفال شتال التي لم يرها منذ خروجها من تل الزعتر قبل 13 عاماً. إستعاد عراقي وشتال اللحظات القاسية في حياة المخيم وتفاصيل المجزرة المروعة التي عصفت بسكانه اللاجئين، وروى كل منهما للآخر الأحداث التي شهدها بعد الخروج الدامي من المخيم.

طبيب فنان وأبناء مبدعون

أقام عراقي في ضواحي أوسلو، وإشتغل بعدة مستشفيات في  العاصمة، وفتح عيادة متخصصة بجراحة المسالك البولية في قلب العاصمة. عندما كان يعود منهكاً من العمليات الجراحية في المشفى، كان يلجأ إلى الألوان، ويستعيد من ذاكرته مأساة المخيم ويجسدها بلوحات فنية. رَسمَ ملامح اليافاوية والدة صديقه وجاره في النرويج عزيز خضر، وقد لَعبَ جاره عزيز دوراً كبيراً في توثيق علاقته بمدينة حيفا، وشجعه على زيارة الجليل مع أسرته سنة 2000 ، وكانت أول زيارة للدكتور يوسف عراقي إلى مسقط رأسه بعد نصف قرن على هجرته القسرية  من حيفا سنة 1948.

قرر الدكتور يوسف التقاعد سنة 2011، متفرغاً لمتابعة ملف تل الزعتر، ونقل المعاناة التي عصفت بسكانه، ومتابعة ضحايا المخيم في أماكن اللجوء والشتات الجديد: برلين، بيروت، كندا، وقد وصل حيفا منتصف تشرين أول الماضي (2016) للاحتفاء بإصدار الطبعة الثالثة من كتابه (يوميات طبيب في تل الزعتر).

أنجب ثلاثة أبناء:  ريما ولدتْ يوم 2 تشرين ثاني 1982 في برلين، ودرستْ الإعلام في أستراليا، وإلتحقتْ منذ عام 2007 بالتلفزيون النرويجي. تقدم حالياً نشرة الأخبار الرئيسية على السابعة مساء، وأعتبرت أول أجنبية بلغت هذا الموقع في تلفزيون النرويج الرسمي. جمعة مواليد 1987، نال تخصصاً في التغذية الرياضية من جامعة لوزان السويسرية، يقيم في النرويج ويعمل مع المؤسسات الرياضية في مجال تخصصه. رانيا مواليد 1992 تخصصتْ في السينما والتلفزيون، وتقيم في لندن،وتعمل مساعدة مخرج في مؤسسة بريطانية؛ تقدم عروض افتتاح الأفلام الأولى للمشاهير، وأخرجتْ فيلمين قصيرين.

وللدكتور يوسف شقيق أكبر منه يقيم في لبنان، أنهى دراسته متخصصاً باللغة الانجليزية وعمل في حقل التعليم، وشقيق ثان طبيب يدعى علي  ويقيم مع زوجته الطبيبة في ألمانيا، وثالث بدأ بدراسة طب الأسنان لكن تجارة الأدوات الطبية خطفته من إكمال تخصصه، فيما نجح شقيقه الرابع الذي درس المحاسبة والاقتصاد في تأسيس شركة (عراقي إخوان) سنة 1977 في إمارة الشارقة، وبات للشركة عدة فروع.

ضمير الزعتر وأيقونة التل

كانت لحظة مؤثرة جداً شاهدتها عبر الفيديو، تأملتُ بصمتدموع طاهرة للطبيب النبيل عراقي عندما تحدثت إيفا شتال أو سميرة حمد، كما أطلق عليها أهالي تل الزعتر، وقدلمعَتْ بحضور صوتها المتماسك في ندوة نادي حيفا الثقافي أواسط تشرين أول الماضي، واستعادتْ قرار الدكتور عراقي الصعب ببتر ذراعها لانقاذ حياتها. تستحق إيفاتكريماً فلسطينياً يليق بتضحياتها، لعل شعبنا يطلق عليها لقب (أيقونة تل الزعتر). سجلتُ مقطعاً من مسيرة إيفا شتال في كتيب متواضع أصدرته مؤخراً في حيفا تحت عنوان (مخيم تل الزعتر يقاوم التغييب) وجاء فيه: “تعاطفتْ إيفا أثناء دراستها الثانوية في السويد مع الثورة الفيتنامية، والتحقتْ مطلع السبعينات بالحركة اليسارية السويدية، وقرأتْ في أدبياتها عن المقاومة الفلسطينية، وكانت قد درسَت اللغة الانجليزية قبل أن تتابع تعلم مهنة التمريض. عرضتْ الحركة اليسارية السويدية على المقاومة الفلسطينية تزويد عياداتها بالأطباء والممرضين، ووافقتْ إيفا على شروط اليسار السويدي: عمل طوعي دون راتب، تغطية تكاليف السفر إلى بيروت مسؤولية المتطوع، السكن في منازل العائلات الفلسطينية المستضيفة وتحمل تكلفة العيش ومخاطر الإقامة. وصلتْ تل الزعتر أواخر 1974 وأقامت رغم البرد القارص في بيت من صفيح مع عائلة كبيرة، وأطلق عليها الأهالي (سميرة) وبات الإسم المتداول في المخيم. للأسف خسرت في المجزرة زوجها الشهيد يوسف حمد وجنينها وبترت ذراعها وكادت أن تفقد حياتها. سردت إيفا قسوة تجربتها، ووضعتْ يوميات الجرائم في كتاب (تل الزعتر قصة البطولة والمأساة) بمشاركة الصحفي السويدي اندريه هاسليوم. الكتاب(42 صفحة من القطع الصغير بتوقيع منشورات الناصرة آب1977) سيبقى يشكل وثيقة هامة في كشف الجريمة التي استهدفت اللاجئين الفلسطينيين وفقراء لبنان وسورية في تل الزعتر”.يتطلب الموقف الأخلاقي للمؤسسات الوطنية الفلسطينية تتويج الدكتور يوسف عراقي بلقب (ضمير الفقراء) وإيفا حمد بلقب (أيقونة  تل الزعتر).

العودة إلى المنفى

حاضر الدكتور عراقي بمجموعة مؤسسات وطنية في الداخل الفلسطيني، وزار مدن الجليل والمثلث وآمل أن يتسع وقته لزيارة البلدات الفلسطينية في النقب. تلقى تكريماً يستحقه بجدارة على كتابه المرموق (يوميات طبيب في تل الزعتر) على أمل أن يحمل لقب ضمير فقراء الزعتر، وتحمل إيفا أيقونة التل. حرص الدكتور يوسف على تكرار جملة واحدة في كل محاضراته التي ألقاها قبل عودته المنتظرة إلى المنفى البارد والبعيد: “لن أبيع دماء تل الزعتر وسأظل وفياً للضحايا طوال عمري”.

المحطات الطويلة في مسيرة الدكتور يوسف عراقي؛ تحتاج مزيداً من الصبر، ومزيداً من اللقاءات؛ لعلها تكتمل لاحقاً بنص أوسع، وأكثر غزارة بإلتقاط التفاصيل الانسانية الدقيقة في حياة طبيب بارع ومناضل أخلاقي؛ حرص منذ أربعين عاماً على حضور تل الزعتر في كل المناسبات، وتمسك بكفاح مرير من أجل عدم تغييب مجزرة تل الزعتر مهما بلغت التضحيات .

bfeature2000@yahoo.com

تاريخ النشر: الأحد 06/11/2016

المصدر: شبكة أصداء الالكترونية