عذبة حسن خضر: نجمة في سماء فلسطين

د. فيحاء عبد الهادي

تلقيت العديد من الرسائل، التي تعقب على مقالتي حول المناضلة عذبة حسن خضر، «شاهدة على مذبحة شاتيلا: عذبة حسن خضر/ في الذاكرة الجماعية»، التي نشرت يوم 18 أيلول 2016؛ أستضيف بعضها ضمن «مساحة للحوار»، مع الاختصار، كما أستضيف بعض ما كتبه أفراد من عائلتها، ومن أصدقائها، ورفاقها.

وأعتقد أن هذه الإضافة تغني شهادتها، المحفوظة في أرشيف مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق/ اليونيسكو، وتعطيها نبضاً وحياة.

أضافت الرسائل بعض السمات الشخصية للمناضلة، والعديد من المواقف النضالية والإنسانية: الإيمان الراسخ بدور المرأة العسكري، وقدرتها على العمل على كافة الجبهات، أسوة بالرجل، وإيمانها العميق بحتمية الانتصار.

*****

«عذبة، يا دمعة عيني، تلقيت خبر استشهادك، وكان صاعقة ضربت قلبي، سرعان ما شرد تفكيري إلى زمن الملاحم الثورية، واللقاء الأول بالفدائية الهادئة الفقيرة، ذات الملامح المليئة بالقوة وغنى الروح. في تلك الأيام، تعرَّفت عن قرب بالرفيقة في مخيم الرشيدية، وكنت حينها المسؤول العسكري لمنطقة القاسمية في صور. كان صوتها العذب ينطلق؛ فيعطينا الاطمئنان عن الرفاق والوضع الميداني. صوتها كان إشارة إلى أن الصمود مستمر، وأن العدو لم يحقق أي نصر علينا. نبرة صوتها مملوءة بحتمية الانتصار، رغم مرارة اللحظة، ورغم الشهداء والجرحى.

كانت عذبة تفخر بانتمائها لفلسطين، وللمخيم، وللجبهة؛ طريقاً لفلسطين. كانت شامخة قوية. عاشت ظروفنا التي كنا بها نعاني الأمرَّين، من الفقر والحاجة.

ومع أن المرض كان يتسلل إلى جسدها؛ كانت توزِّع معنويات على رفاقها ورفيقاتها. جريئة، وصافية، ونقية، وملتزمة، وشجاعة، وفدائية حقيقية. مهما كتبت يعجز القلم!

هي كما العديد من رفيقاتنا يعطين بصمت، دون أن يكرمِّهن أحد. إن أفضل تكريم لكِ رفيقتي أنك كنت فدائية صادقة، ثورية بامتياز.

لك الحب، لك الشمس، لك القدس، ولك ميادين فلسطين،

ولا بأس! هذا زمن يكرَّم فيه لفيف آخر غير الفدائيين، فهل يطول هذا الزمن المقلوب؟! نامي في مستقرّك رفيقتي، مع من أعطوا بلا حدود، مع رفاق الدرب: «حكيم الثورة»، أبو علي، غسان كنفاني، وديع، وجيفارا، ومها نصار، وغيرهم. عشتِ فدائية، وارتقيتِ فدائية، لم تتلوَّني ولم تتسلقي، فأنت نجم في سمائنا. لك المجد والخلود، ومنا الوفاء لك، ولكل الشهيدات والشهداء.

د. مريم أبو دقة/ غزة

*****

«رحلت لكنها باقية،

هل لي أن أصدِّق بأنني فقدت شقيقتي ورفيقة الدرب والنضال، دون إنذار مسبق، يمهِّد لي الفراق الذي لم أتوقع أنه سيخطفها مني؟! عذبة، شجرة السنديان، التي لم تنحنِ لأصعب المواقف، ولم تهزمها الحروب؛ بل هزمها المرض العضال، الذي أنهك عزيمتها وقدرتها في أسابيع، بعد أن قاومته بإرادة فذة لأكثر من عامين.

أبصرت النور العام 1952، من عائلة مناضلة، شرِّدت من فلسطين العام 1948، حيث كانت تقطن بسهل الحولة/ صفد، من بلدة الذوق التحتاني/إصبع الجليل.

كانت أول محطة جنوب لبنان، في منطقة جسر أبو زبلة، ثم حي الرَّمل في صور، ومنها إلى البرج الشمالي، حيث المحطة الأخيرة.

هي الشهيدة/ المرأة السمراء، من جميلات فلسطين، عملت في الزراعة خلال مواسم الليمون والبرتقال؛ لتساعد أهلها. كانت محبة للغير ومعطاءة، حنونة وعنيدة بنفس الوقت. تمتعت بشخصية قيادية جريئة، مكَّنتها من التدرج في حياتها النضالية، تركت أثراً إيجابيا عند كل من التقت أو عملت معهم.

أحبت العمل الفدائي، وعشقت النضال من أجل فلسطين، ومن أجل حلمها بالعودة. بعد نضال استمر 7 سنوات مع جيش التحرير الفلسطيني، وفي العام 1976، التحقت بالجبهة الشعبية «الجناح العسكري»، وأشرفت على دورات عسكرية للتدريب، وحين عملت في جهاز اللاسلكي، متنقلة بين قواعد المقاتلين في الجنوب اللبناني؛ امتلكت قوة داخلية وجرأة عالية، مكَّنتها من حمل الأجهزة على ظهرها، والتنقل بالأحراج والمواقع، دون خوف من القصف المتكرِّر للمواقع العسكرية. حوصرت في الجنوب اللبناني أثناء الاجتياح، ولم تغادر؛ حرصاً منها على توريد المعلومات لقيادتها.

تنقلت في معظم مناطق القتال خاصة أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، من الجنوب إلى صيدا، واستقرَّت في مخيم شاتيلا، لتعيش المأساة على أثر مجزرة المخيم، وكانت الشاهد الحيّ على بعض من فصول المجزرة. كما كان لها دور فاعل في العمل الاجتماعي

.

كانت مسؤولة لجان المرأة الشعبية لمنطقة صور، وعضواً في قيادة المنطقة في الجبهة، وعضو لجنة شعبية في برج الشمالي، وعضو منطقة في الاتحاد العام للمرأة في الجنوب، وعضواً في المؤتمر الخامس للاتحاد. لم يتحقق حلمها بالمشاركة بالمؤتمر في فلسطين. فارقت الحياة، وهي تحلم بالعودة».

دنيا حسن خضر/ مخيم عين الحلوة – صيدا

*****

«عرفت المناضلة عذبة بجرأتها والتعبير عن موقفها ورأيها، دون حاجة للبحث عن مفردات اللغة، وتدلي بما تراه بوضوح ودون مواربة، وعلى الدوام كان حسها الإنساني يدفعها للتعاطف مع الآخرين وتفهمهم، حتى وإن كانوا ممن يخالفونها الرأي، لـذا فمن عرفها عن كثـب اعترف برهافة حسِّها وتوقها لمساعدة الآخرين».

وليد درباس/ مخيم البرج الشمالي – صور

*****

«خلال المسيرة النضالية، وما تضمنته من معارك واجتياحات ومجازر؛ لم تستشهد عذبة، ولم تخف من الموت؛ بل على العكس لم يتجرأ الموت على شقيقتي عذبة؛ إلاّ بعد أن تمكن منها المرض، فماتت وهي تذكِّرني بالصحابي «خالد بن الوليد»، بطل كل المعارك، الذي مات على فراشه».

وليد حسن خضر/مخيم برج الشمالي – صور

*****

عملت بالعمل السياسي، من خلال العمل العسكري، والعمل الاجتماعي، والعمل النقابي النسوي؛ لكنها أحبت العمل العسكري بكل جوارحها، وأخلصت له. آمنت بقدرات المرأة وإمكاناتها اللامحدودة، على الأصعدة جميعها. وصفت نفسها خلال عملها ضمن جيش التحرير، بأنها كانت كالضابط، وأن الجميع كان يهابها، حتى أنهم لقبوها: «فريد شوقي». وبقي البعض ينادونها باللقب.

عذبة الغالية، المسؤولة العسكرية، الملازم الأول، فريد شوقي، ابنة فلسطين البارَّة،

شغلتِ مواقع عديدة خلال عملك السياسي، وكنت كادراً ملتزماً، وقيادية متميِّزة، وإنسانة رائعة، وشغلت قلوب عائلتك وأصدقائك، أما الشعب الفلسطيني؛ فسوف تشغلين مساحة تستحقينها في قلوب أبنائه وذاكرتهم الجماعية.

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

اترك تعليقاً