عن الثائرين الفلسطينيين الأسطورتين أبو جلدة والعرميط – نضال حمد

 

تقدّم الثائر الفلسطيني أبو جلدة برفقة أخيه الثائر العرميط الى حبل المشنقة وصاح:

بخاطركم يا شباب فلسطين أمانة بأعناقكم إياكم أن تفرطوا بحبة رمل من أرضها الطاهرة.

بعد استشهادهما دخل البطلان التراث الشعبي والوطني الفلسطيني من أوسع الأبواب وأصبحا مثلا يحتذى به لكل الشعب العربي الفلسطيني. فتناقلت ألسنة الفلسطينيين قصتهما وحياتهما ومقاومتهما جيلا بعد جيل. وأنشد فلاحو البلاد أغاني واهازيج لهما.

قال أبو جـلـدة وأنا الطموني … كـل الأعادي ما بهموني

قال أبو جلدة وانتا العرميطي … وأنا ان متت بكفيني صيتي

قال أبو جلدة يا خويا صالح … اضرب لا تخطي والعمر رايح

بعض نسوة قريتنا الصفصاف في الجليل الأعلى المحتل كن وربما لازلن يرددن أغنية الفلاحين والثوار في فلسطين تحت الانتداب أو الاحتلال البريطاني: ( أبو جلدة والعرميط ربطا الدرب تربيط).

في رواية أخرى ذكرها الثائر الفلسطيني المؤرخ الراحل نجاتي صدقي (1905-1979)  في مذكراته عن فلسطين ومقاومة شعبها ” أبو جلدة والعرميط ياما كسّرا برانيط”.

 كما كتب الشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد سيرة هذين البطلين في كتابه (أبو جلدة والعرميط ياما كسّرا برانيط ).

عن الشهيدين الثائرين قرأت تقريراً لحابس جبر جاء فيه:

” في بلدة طمون على جبل طمون وجود مغارة تعتبر من أحد المعالم الأثرية والتي يرتبط اسمها بأحد القادة الفلسطينين وهي” مغارة أبوجلدة ” حيث يعرفها الصغير والكبير في تلك المنطقة ، ويعتبر “أبوجلدة” المثل الأعلى لجميع سكانها حتى الأطفال يعتبرونه المثل الأعلى لهم وكذلك  “العرميط” ، تلكما الشخصيتان المغيبتان بطريقة أو بأخرى من أشهر وأبرز روايات التاريخ الفلسطيني في مقاومة الاحتلال..

أبو جلدة والعرميط هما فلاحان فلسطينيان أسسا نواة خلية ثورية لمقاومة الإنتداب البريطاني في فلسطين اشتهرت في بداية الثلاثينات. وتعود جذور أبو جلدة إلى بلدة طمون شرقي نابلس، بينما رفيقه أبو العرميط من قرية بيتا جنوب نابلس.”.

نسوة الصفصاف

نسوة الصفصاف والجليل والضفة وربما كل فلسطين أنشدن تلك الكلمات المتوارثة في إشارة منهن الى كمائن الثوار الفلسطينيين بقيادة البطلان أبو جلدة والعرميط، اللذان دوخا الاحتلال البريطاني وأذاقاه المر. لطالما في طفولتي بمخيمنا عين الحلوة، سمعت هذه الأغنية الثورية، الفلاحية، الجليلية، الفلسطينية الشعبية بصوت امرأة عمي أم حسين حمد وهي تنشدها تكرارا ومرارا على مسامعنا نحن الأطفال. امراة عمي هي سهام الزغموت شقيقة شاعر الصفصاف ومغنيها قبل النكبة محمد محمود الزغموت، الذي استشهد يوم سقوط البلدة في تشرين الأول اكتوبر سنة 1948 على اثر غارة شنتها طائرة صهيونية على المدافعين عن البلدة. وبهذا كان من أوائل شهداء الصفصاف، استشهد شاعراً مقاوماً مثقفاً رحمه الله. وسبق لي أن سمعت من بعض كبار السن في الصفصاف أنه شارك في بعض أغاني الشاعر والمغني الفلسطيني الكبير نوح ابراهيم في القدس.

كبرنا يا أبا جلدة .. كبرنا يا أم حسين ونكاد نهرم، لكننا لازنا على العهد والوعد، عهد أبو جلدة والعرميط والعم الشهيد الثائر الصفصافي أبو صوله حمد ورفاقه الشهداء. عهد أن لا نفرط بالأمانة وهي فلسطين الكاملة.

علمت من حكايات الأجداد ومن أبي رحمه الله أن أبا الثائر الشهيد أبو صوله حمد كان أحد أبطال الثورة والمقاومة الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني وطلائع العصابات الصهيونية في فلسطين. استشهد مع آخرين من بلدتنا الصفصاف ومن بلدات جليلية مجاورة من قضائي صفد وعكا، اثناء مواجهة القوات البريطانية والعصابات اليهودية الصهيونية، وذلك خلال قيام طائرة حربية بريطانية سنة 1936 بمهاجمة مجموعته في وادي المغير قرب بلدة دير حنا، حيث تم دفن الشهداء من قبل أهالي بلدة دير حنا في مغارة بالمنطقة. وبعد سنوات في بداية القرن الحالي، قام أهالي دير حنا بعد تزويدي لهم بأسماء غالبية الشهداء، التي أكدها لي أبي أبو جمال حمد والعم أحمد حمد – أبو مروان – رحمهما الله. قام أهالي دير حنا باقامة نصب تذكاري للشهداء في نفس مكان استشهادهم ودفنهم. حيث لازال النصب قائما حتى يومنا هذا.

سنة1933 تمكن الانتداب البريطاني عبر عملاءه الذين انتشروا في كل المنطقة وكان لديهم مهمة واحدة هي تعقب الثائرين وكشف مكانهما. تمكنوا من حصار صالح العرميط و أحمد المحمود “أبو جلدة” حيث وقعا في كمين محكم نُصب لهما. فيما بعد تكشفت الحقائق وتبين أن أحد أقرباء أبو جلدة هو الذي وشى بهما حيث كانا يختبئان في مغارة. بعد اعتقالهما وضعا في سجن المسكوبية في القدس.

في مذكراته ذكر المؤرخ الفلسطيني نجاتي صدقي:

 “أن (العرميط) طلب من والدته عندما تحضر لزيارته في المرة القادمة أن تحضر معها خنجراً، لأنه سيضعه معه في قبره، وسيذبح به الخائن الذي وشى به!”.

قبل شنقه وفي كلمات وداعية تحريضية مكللة بالوطنية الصادقة وبالعنفوان والإباء، ألقى أبو جلدة خطبته القصيرة والأخيرة فكانت أخر كلماته:

 “بخاطركم يا شباب.. فلسطين أمانة في أعناقكم.. إيّاكم أن تفرطوا في حبّة رمل من أرض فلسطين“.

 يا أبا جلدة

من قادوا منظمة التحرير الفلسطينية من أجل العودة والتحرير والاستقلال، عادوا هم وعائلاتهم وحاشيتهم بتصريح من الاحتلال الصهيوني وتركوا شعبك في الشتات…

عادوا بعدما سددوا ودفعوا ثمن العودة التخلي عن الصفصاف ودير حنا وصفد وطبريا وعكا وحيفا ويافا والقدس وثلاث أرباع الضفة الغربية وتقريبا كل فلسطين…

عادوا مقابل العمل حرسا للاحتلال الصهيوني وللمستوطنين تحت اسم سلطة فلسطينية، الذين عادوا مستسلمين رافعين شارات النصر، سموا المناطق التي اسمها حسب اتفاقيات الاستسلام في اوسلو وواشنطن سلطة الحكم الذاتي المحدود، سموها دولة فلسطين… وكانوا سابقا في الجزائر أعلنوها دولة على الورق. للأسف في ذلك الوقت كنت شاباً وواحداً من الساذجين الذين مرت عليهم كذبة أو بدعة الاستقلال واعلان الدولة. أما الآن أفضل تسمية لها هي دولة الغرق… فقد غرقوا ويحاولون اغراق شعبنا معهم غصباً عنه … هؤلاء لم يصونوا الأمانة ولم يحفطوا عهود الشهداء وفرطوا بفلسطين وبدمك وبدم العرميط وأبو جلدة والقسام وبدماء الشهداء كلهم.

 

نضال حمد في 20-7-2020

 

أنظروا جيدا في الصور لترون ثبات وعزيمة البطلين قبل اعدامهما شنقاً