عن ثائر حمّاد وروايته – رشاد أبوشاور

سأبدأ حديثي عن البطل ثائر حماد وروايته ( فارس وبيسان).

سمعت بعمليته المثيرة للدهشة: فلسطيني واحد يقنص 11 جنديا صهيونيا ويوقعهم قتلى، وينسحب دون العثور على أثر يوصل أجهزة وجيش الاحتلال للقبض عليه.

حدث هذا بتاريخ 3 آذار 2002

وبعد سنتين وبالمصادفة تعرّف الاحتلال على ذلك البطل الذي بقي مجهولا طوال أكثر من سنتين..فقبض عليه وزج به في السجن، وحكم عليه ب11 مؤبدا عن الأحد عشر جنديا من جنود جيش الاحتلال.

المنطقة التي حدثت فيها مأثرة ثائر حماد تقع على الطريق العام، شمالي رام الله، طريق رام الله – نابلس، وهي منطقة متعرجة عميقة، وتقاطع طرق، وقد جعل الاحتلال منها حاجزا مهمته تعذيب الفلسطينيين، ومرمرة حياتهم، وإضاعة أوقاتهم، وحرمانهم من الوصول في الوقت المناسب لقضاء أعمالهم.

الشاب ثائر حماد ورث من جده البندقية التي أتقن القنص بها، وهي بندقية اخفاها جده بعد هزيمة حزيران – كان الجد جنديا في الجيش الأردني – وحافظ عليها، ثم أظهرها لحفيده في مرحلة السلطة، ودرّبه على استخدامها…

درس ثائر موقع حاجز عيون الحرامية، وكثافة جنوده، واعتلى تلة مشرفة، وكمن خلف صخرة تحجبه عن عيون الجنود، و..نفّذ عملية القنص التي كانت حفلة صيد من شاب فلسطيني مقهور لجنود الاحتلال السفلة الذين استمرأوا الاعتداءات على المسافرين الفلسطينيين…

القتلى من الجنود11..وامرأة توقفت عند الحاجز ذاهلة ومعها ابنتها..فصرخ بها ثائر: امش يا امرأة أنت وابنتك أنا اقتل الجنود..ونجت من الموت لأن ثائرا لا يقتل امرأة مدنية وطفلتها.

في السجن التقى بأسرى مخضرمين، اعتنوا به، وساعدوه وشجعوه على استئناف دراسته، فنجح في التوجيهي..وأنهى الدراسة الجامعية.

ذات يوم اتصل بي أسير، هو قريبي، وسألني: هل يمكن أن تساعد أسيرا بقراءة روايته الأولى..وتعتني بها.. وإن أعجبتك تساعد في نشرها؟

أجبته بلهفة مرحبا، وازددت حماسة عندما عرفت أن بطل عملية عيون الحرامية هو صاحب الرواية.

وصلتني الرواية على المسينجر بخط اليد، فتعبت في قراءتها، وعندما علم ثائر اتصل بي وأكد لي بأنها ستصلني مطبوعة..وقد وصلت بعد حوالي شهر على دفعات مطبوعة.

وكما وعدت، فقد عنيت بها، وعكفت على تنقيحها، وكنت أنقل له ملاحظاتي عندما يتحدث معي، فيؤكد أنه يضع روايته بين يدي، وأنه يوافق على أي تنقيح، أو تصحيح…

استشارني في تبديل أحد الأسماء، وهذا ما كان، وكان علي أن أعود وأقرأ العمل و..أبدّل الإسم، وعندما فرغت وضعت رواية ثائر الصغيرة حجما ..الكبيرة أهمية بين يدي مدير الدار الأهلية الصديق أحمد أبوطوق الذي وعد بالإهتمام بها.

لم يكتب ثائر حماد تفاصيل عملية عيون الحرامية، ومر عليها مرورا عابرا، وقد فهمت منه أنها ستكون عمله القادم…

في روايته ( فارس وبيسان) يتطرق ثائر إلى موضوع قد لا يستوقفنا، فهو يجيب على السؤال: ما ذنب أسرة من يسقطه الاحتلال حتى يلحق بها العار، وتنبذ؟

هنا نتعرف إلى أن الأسرى لا يعيشون بين جدران الزنازين راضين بالعزلة التي يفرضها عليهم الاحتلال، فهم يحملون هموم شعبهم، ويتابعون معاناة مجتمعهم، ويواصلون القيام بدورهم في حماية شعبهم، ومتانة مجتمعهم، وتمتين أواصر العلاقة بين الناس الذين ضحوّا من أجلهم، ويتحملون الأسر وعذاباته في سبيل خلاصهم من قهر الاحتلال..حتى بلوغ الحرية، حرية الوطن والشعب.

لا أريد أن ألخّص الرواية، إذ لا بد من قراءتها، فهي تعرفنا بما لا نعرف، وتقدم لنا العمق الإنساني للأسير الفلسطيني الذي لا يمكن أن يتعطل دوره باحتجاز الاحتلال لحريته، والزج به بين جدران الإسمنت، وأبواب الحديد، وقهر السجّان.

ثائر نفسه، من خلال شخصية فارس يدفع ببيسان لمواصلة دراستها، ويصونها من ألسنة الجهلاء الذين كانوا يكررون على مسامعها حكاية سقوط والدها وتعامله مع الاحتلال، وهربه إلى الداخل بعد افتضاح أمره.

المقاوم ليس مجرد شخص يحمل بندقية، او قنبلة، إنه (رسالة) و( دور)، فهو من جهة يقاتل الاحتلال ويدفعه ثمن احتلاله، ومن جهة يسهم في تحصين المجتمع وطنيا، وأخلاقيا، وتكافليا، بحيث يسد المنافذ التي يمكن أن ينفذ منها الاحتلال الذي همه تدمير الشعب الفلسطيني وتفكيكه اجتماعيا، وتحطيمه أخلاقيا وقيميا وروحيا ونفسيا.

ما يكتبه الأسرى وثائر حماد أحدهم، يعرفنا بما لا نعرف، ويضيف لأدبنا العربي جديدا، ويشحن ثقافة المقاومة بتجارب إنسانية ترفع الروح المعونية، وتعمق الثقة بالنفس، وتضع العدو في المكانة التي يستحقها كعدو عنصري منحط بلا أخلاق..ولذا يمكن هزيمته، لأنه هكذا..و لأننا أقوى منه بتراثنا، وقيمنا، وبعراقة شعبنا ومجتمعنا وأمتنا، وبعدالة قضيتنا، وبأننا نقاومه ونصارعه ونواجهه منذ أزيد من مائة عام..ولم، ولن..نتعب.

يمكنني القول بأننا بتنا نمتلك مكتبة أدبية أضافها الأسرى..وبات لدينا خبراء في سياسة وإعلام وتفكير عدونا الصهيوني، وهذا ما يجب أن نعرّف به.. وأن نسهم في الإضاءة عليه، وتوصيلة لشعبنا..ولملايين العرب.

الروايات التي يكتبها الأسرى لا يمكن لنا نحن الذين لم نعش تجاربهم أن نكتبها.. لأنها مكتنزة بتجارب متميزة، غنية بتجاربهم الشخصية وقد امتزجت وتماهت ميدانيا مع تجارب شعبنا الممتدة الغنية التي لا شبيه لها في عصرنا.

أنا لا أكتب لمجرد التعاطف، ولكن اعترافا لهؤلاء المبدعين حياة وكتابة ومعاناة بالفضل في إغناء ثقافتنا ومعرفتنا بأنفسنا..وبعدونا.

لثائر وأخوته الأسرى والأسيرات، الذين..واللواتي، كتبوا، وكتبن ما يضيف لإبداعنا الروائي، والسيري..تقديرنا وشكرنا لأنهم يغنون معرفتنا بعدونا، ويضعون أسلحة نواجهه بها في منازلة وجودنا معه..والتي ستتوج بالانتصار المؤزّر لفلسطين وشعبنا العظيم ..وكل الشرفاء من أمتنا المؤمنين بعروبة فلسطين..وبأنها قضيتهم..لأن تحرر الأمة ونهوضها رهن بتحرير فلسطين وعودتها قلبا للأمة وجسرا لتواصلها ووحدتها.

  • مشاركتي في ندوة أدب السرى – أكثر من قراءة، التي عقدت الساعة السادسة من مساء السبت 13 أيلول في ( ساقية الدراويش) .
  • نوهت خارج النص برواية الأسير البطل حسام شاهين الرائعة (زغرودة الفنجان) وهي رواية صادمة بما تنقله عن انحطاط ممارسات الاحتلال، وأساليبه في التخريب داخل المجتمع الفلسطيني..وعظمة ونبل وسمو المقاومين الفلسطينيين…
  • أود أن اذكّر بأن رواية (المجموعة 778 ) للروائي الكبير توفيق فياض الصادرة عام 1974 هي رائدة الرواية التسجيلية المقاومة في أدبنا الحديث وهي سجّلت بطولة تلك المجموعة بعد هزيمة حزيران 1967..وكان الكاتب توفيق فياض قد التقى بابطال تلك المجموعة عندما وقع في الأسر بعد اكتشاف دوره كمقاوم مع عدد من فلسطينيي الداخل، وبقي قرابة 4 سنوات في السجن حتى تم تحريره بعد حرب تشرين 1973.