عن ثاني أيام مجزرة صبرا وشاتيلا وهو يوم إصابتي هناك

كتب نضال حمد عن ثاني أيام مجزرة صبرا وشاتيلا وهو يوم إصابته هناك

١٧-٩-١٩٨٢

الساعة العاشرة والربع صباحاً في بيروت، قرب المدينة الرياضية على مدخل مخيمي صبرا وشاتيلا. الدبابات الصهيونية تنتشر في كل مكان حول المخيمين وفي ستاد المدينة الرياضية. وعلى طول الشارع الممتد من السفارة الكويتية حتى جسر الكولا. الطيران الصهيوني يسيطر على السماء فوق بيروت. السفن الحربية الصهيونية تقصف المدينة واطراف المخيمين صبرا وشاتيلا. الجنود الصهاينة يقنصون ويطلقون النار على أي شيء يتحرك. السكان المدنيون المرعوبين يختبئون في منازلهم. سكان المخيمين يتعرضون لعمليات إبادة منظمة داخل أزقة وبيوت المخيمين. المجزرة بدأت بصمت منذ ليلة الأمس ١٦ أيلول ١٩٨٢.. نعم بدأت وأنتهت تقريباً بصمت. عمليات القتل والسحل والذبح كانت تجري بصمت. عائلات بكاملها أبيدت. لا أحد كان يدري ماذا يدور في المخيمين. فقط الجنرال المتوحش شارون وقادة الجيش (الاسرائيلي) والميليشيات اليمينية، الفاشية الارهابية اللبنانية حليفة (اسرائيل) كانوا يعرفون ما يجري هناك.

الجنود الصهاينة كانوا يمنعون الصحافة ووسائل الاعلام وسيارات الاسعاف الطبية من دخول المخيمين.

فجر الجمعة بدأت تردنا بعض الأخبار عن حدوث مجازر في المخيمين … وعن وجود قتلى بالعشرات .. لا وجود لجرحى ولا يوجد أسرى، الكل كان يجب أن يقتل ويذبح بصمت، الصغير قبل الكبير. النساء يغتصبن، فيما الحوامل تقتلن بوحشية ويستخرح الأجنة من بطونهن بعد بقرها بالسكاكين والخناجر، ورؤوس الأطفال الصغار تقطع بالسواطير والحراب أمام أعين ذويهم.. ثم فيما بعد يتم قتل الأهالي. تجمع الجثث وتنقل لدفنها في حفر قامت بحفرها الجرافات (الاسرائيلية).. توارى الجثث بشكل جماعي على مرأى الجنود والضباط الصهاينة. بعض الفلسطينيين واللبنانيين من سكان المخيمين دفنوا أحياء تحت التراب.

بعض السكان استطاعوا الفرار والوصول الى نقاط الجيش (الاسرائيلي) طالبين منهم التدخل لوقف المذبحة والنجدة والمساعدة. لكنهم لا يتدخلون ويرفضون مساعدة الأبرياء والمدنيين. كانت لديهم تعليمات من شارون وقادة الجيش الصهيوني بعدم مساعدة الناس واعادتهم من حيث أتوا كي يذبحوا في المخيمين. هذا شيء طبيعي لأن شارون هو الذي خطط للمذبحة.

صباح السابع عشر من أيلول 1982 كُنا مجموعة من الرفاق، الشباب الفلسطيني والعربي.. كُنا مجموعة من جبهة التحرير الفلسطينية التي كان قائدها وأمينها العام الشهيد طلعت يعقوب. تعاهدنا على الدفاع عن هذا المدخل المؤدي الى المخيمين من جهة المدينة الرياضية والفاكهاني في بيروت. لأنه آخر مجال وممر آمن ممكن للسكان المدنيين الفرار عبره الى مناطق آمنة خارج المخيمين.

كُنا حوالي 15 شخصاً حملنا السلاح وبعض القاذفات المضادة للدبابات كي نتمكن من ايقاف الدبابات (الاسرائيلية) المتمركزة في المكان. وفي الساعة العاشرة والربع صباح الجمعة 17-9-1982 واثناء المواجهات مع الدبابات الصهيونية، تعرضت أنا ورفيقي اللبناني محمد علي – أبو الفداء لقذيفة أطلقتها دبابة صهيونية. استشهد محمد على الفور وأصبت أنا اصابات بليغة وصعبة، فقدت خلالها ساقي اليسرى. بقيت حوالي عشر دقائق أو أكثر قليلا مسجى بجوار صديقي محمد الذي لفظ آخر أنفاسه. حاولت التحدث إليه لكنه لم يجب، فقط نظر في عيني نظرات لن أنساها مدى الحياة.

عندما استشهد محمد بعدما لفظ أنفاسه الأخيرة أمام ناظري، شعرت بجراحي وباصابتي ورأيت نفسي أسبح في بركة من الدماء، ساقي ممزقة ومفصولة عن جسدي. عندها شعرت بالموت يقترب مني بشكل سريع جداً. خاصة أن الدبابات الصهيونية كانت تمطر المكان قربي وفوقي وحولي بوابل من الصليات الرشاشة بلا توقف.

في تلك اللحظات استعدت شريط حياتي كلها منذ طفولتي حتى هذه اللحظة. ثم رأيت المباني حولي تلف وتدور.. لكن في حقيقة الأمر أنني أنا كنت أنزف بشدة وكنت أقترب من فقدان وعيي أو الموت في تلك اللحظات الحرجة.

فجأة برز أمامي رفيقان من مجموعتنا قاما بانقاذي وسحب جثة صديقي محمد خلف جدار في المكان المذكور. من هناك نقلاني الى مستشفى غزة في مخيم شاتيلا. أحدهما كان والد زوجة الشهيد محمد علي. لازلت أذكر كيف أجهش في البكاء وكيف احتضن الشهيد محمد. أما الثاني فكان صديقي العربي التونسي المناضل الثوري، الفدائي العربي الكبير علي أبو رفيق. هذا الصديق أصيب هذا العام في باريس بفيروس كورونا. وعانى كثيراً قبل أن يخرج منتصراً على الكورونا كما كان خرج حياً ومنتصراً من جحيم الحرب والمجزرة ومن تلك المعركة في بيروت سنة 1982.

في الصورة مع أبي رفيق في باريس سنة 2007

في الحلقة القادمة اذا تمكنت من الكتابة سأروي كيف وصلت شبه ميت الى مستشفى غزة وما حدث معي فيما بعد. فقد هاجم الفاشيون المجرمون المستشفى يوم السبت 18-9-1982 وقتلوا كل الجرحى والمرضى من نزلاء المستشفى.كما قتلوا غالبية الأطباء والممرضون والممرضات والعاملون والعاملات الفلسطينيون والعرب في المستشفى باستثناء الأوروبيين منهم.

نضال حمد 17-9-2020