فسبكة سماح إدريس عن أنيس النقاش

بعد الخندق الغميق، انتقلتْ عائلتي في بداية الستينيّات إلى منطقة الطريق الجديدة، وسكنتْ تحديدًا في الطابق السابع من بناية إسكندراني رقم 3، مقابلَ جامعة بيروت العربيّة، وتحديدًا مقابل الجامع الذي فيها.
كان المرحوم أنيس النقاش يقطن في الطابق الرابع إنْ لم تخنّي الذاكرة. وكان الشهيد القائد خليل الوزير (أبو جهاد) يقطن في الطابق الثالث.
كان أنيس فتحاويًّا، وعلى علاقة ممتازة في نهاية السبعينيات بابن خالتي، الحبيب الراحل نزيه حلمي المباشر (المعروف باسمه الحركي “المقدَّم نزار عمّار”). وكان نزيه/نزار في حركة فتح طبعًا، وعلى علاقة وثيقة جدًّا بالشهيد أبي إيّاد (صلاح خلف) ثم بأبي جهاد.
ويبدو أن أنيسًا كُلّف من قبل حركة فتح، أو جناحٍ فيها، أو ربما كلّف نفسَه آنذاك، بنسج علاقات وثيقة بالثورة الإيرانيّة. وربما كان ابنُ خالتي نزيه/نزار جزءًا من هذه العلاقات. لا أعرف حقيقة هذا الأمر لأنني كنتُ ما أزال في السابعة عشرة من عمري، ولم تكن ميولي فتحاويّةً ولا إسلاميّة آنذاك (ولا في أيّ حقبة). كلُّ ما أعرفُه أنّ أنيسًا سُجن في فرنسا بسببِ ما قيل إنّه محاولةٌ لاغتيال شهبور بختيار، رئيس الوزراء الإيراني أثناء حكم الشاه سنة 1980، وأفرج عنه بعد عشر سنوات في إطار صفقة فرنسية-إيرانية.
سنة 1988، انتدبتْني دارُ الآداب لتمثيلها في معرضٍ للكتاب أقيم في طهران. ما كدتُ أضع حقيبةَ سفري على السرير حتى رنّ الهاتف. عجبًا لا أعرف أحدًا في إيران. أصدقائي الإيرانيّون كلّهم في نيويورك حيث كنت أدرسُ آنذاك.
– مرحبا جارْ، قال المتصل.
جار؟
– أنيس معك. تذكّرتني؟
-…
– أنيس النقّاش.
-…
– ولك شو قصّتك سماح. أنا كنت جارك ببناية إسكندراني.
صحتُ بعد ثوان من الإرباك: أنييييييس!
ثم لذتُ بالصمت قليلًا لأستوعب ما يجري. شو جاب الجار لطهران؟ وما أدراه أنّني هنا؟ وكيف عرف بوجودي في هذه السرعة القياسيّة… حتى قبل أن تدرك حقيبتي نفسُها أين حلّت؟
رحّبتُ بأنيس كثيرًا. أخبرني أنّ ابن خالتي نزيه (نزار) هو مَن أوصاه بي. “ما بدك توصية يا سماح عا كل حال. انتَ جار وحبيب، وقريب أخ وحبيب”. ورجاني أن أتصل به عند حاجتي الى أيّ أمر خلال أيام المعرض. وفهمتُ منه أنه بات مقيمًا في إيران، وربّما قال لي إنه تزوّج هناك أيضًا، وأنّه حصل على جنسيّة. طبعًا هذا ما قاله أو خُيّل إليّ أنه قاله في سرعة قبل 33 عامًا، ولا أستطيع الجزمَ به اليوم.
لم اتصل بأنيس في طهران ولا اتصل بي.
ومضت الأيّام، والتقيتُه غيرَ مرّة في قهوة الروضة، مقهاي المفضّل طوال سنوات طويلة قبل أن يتوقّف عن تقديم الكحول (بحر بلا بيرة؟ بيصريشْ يا خويْ كما كان يقول لي صديقي الفلسطيني الراحل). وإنْ لم تخنّي الذاكرة كان أنيس دائمًا بصحبة أخي الكبير المناضل أبي فادي (منير شفيق)، وربما صديقي الكاتب المميز في جريدة الأخبار د. وليد شرارة.
هذه حدود معرفتي بالمرحوم أنيس. لكنني كنتُ أتابعه دومًا على التلفاز، وأعجبُ بكميّة معلوماته، وفكرِه المركّب، وإيمانِه الرسوليّ بتحرير فلسطين. ومؤخّرًا لفتتني روحُه النقدية حيال محور المqاومة وحزب الربّ في عقر المحطّات التابعة لهذا المحور أو المقرّبة منه. وأكثر ما كان يلفتني في أدائه على التلفزيون تنقّلُه بين الهدوء، والسخرية، والحدّة الخطابية؛ كأنّه ثلاثةُ أشخاصٍ في واحد، وذلك خلال بضع ثوانٍٍ فقط.
لم يفقدْ أنيس في أيّ لحظة هدفَه الأول، فلسطين، منذ أن سكن في تلك البناية التي سكن فيها أبو جهاد (آه نسيتُ أن أقول إنّها ضمّت أيضًا، في تلك المرحلة، الشاعر الراحل يوسف الخطيب، وكان الخطيب يسكن في الطابق الثامن، ولطالما أغاظ أمّي “عيّود” بسبب تسرّب مياه مزروعاته وأحواضه إلى داخل صالوننا وغرفة السفرة — ولكنّ هذا موضوعٌ آخر ).
برحيل أنيس تعود بي الذاكرة إلى زمنٍ حبيب، هو زمنُ الثورة الفلسطينيّة في منطقة الجامعة العربيّة. هناك تعرّفتُ إلى أنيس, وهناك سكنتُ إلى جانب القائد أبي جهاد وإنْ لم ألتقه لا في المصعد ولا في المدخل. وهناك التقيتُ الحكيم الخالد جورج حبش. وهناك زارنا غسّان كنفاني وحملني عاليًا وداعب شعري؛ كان ذلك قبل شهورٍ أو أسابيع من استشهاده على يد العدوّ الإسرائيلي في الحازمية في 8 تمّوز 1972 مع ابنة أخته لميس نجم.
وداعًا أيها الجار الرقيق، العنيف، الهادئ، المثقف، العاشق لفلسطين.