فلسطين على حَد السكين (1) – خالد بركات

الدّعوة إلى تأسيس حركة فلسطينيّة جديدة تنشُد التغيير والتحرير والعودة، وتنطلق من القاع الشعبي في الوطن والشتات باتت دعوة تكتسب أهميّة مُضاعفة في هذه الفترة، وانتقلت من كونها مهمّة نضاليّة مُؤجلة تشترط ما يسمى ” المصالحة” و “التوافق الفصائلي” إلى حيّز المهمة الوطنيّة العاجلة،باعتبارها مسؤولية فردية وجماعيّة، خاصةً على ضوء حقائق الصراع في فلسطين المحتلة والمنطقة والعالم، وما أفرزه الواقع من أزمات ونتائج وحقائق في ظل ميزان القوى المُخّتل لصالح العدوّ؛ فاليوم ليّس “المشروع الوطني الفلسطيني”  أو “الفصائل” و “المنظمة” من يقف على مُفترق طرقٍ وحسب، بل الشعب الفلسطيني كُلّه يقف على حد السكين، وعلى مُفترق طرق تاريخيّ وامام أسئلة ودروب كُلّها صعبة

الحقيقة الفلسطينيّة الباردة التي يجب الإعتراف بها، والإنطلاق منها أيضاً، تكمُن في تحديد السيّاسات والجهات المسؤولة عن النتائج الكارثيّة التي لازمت مسار “مدريد – أوسلو ” ونتجت عنها. فهذا الفشل الذريع المُدوي والصارخ الذي أصاب تيّار التسوية والاستسلام، عنى في الجوهر سقوط مشروع “الدولة” الذي أسّسّت له البرجوازية الفلسطينيّة الكبيرة وشرائح طبقية عميلة مُرتبطة مع كيان الإستعمار الصهيوني والنظام العربي الرّسمي، وإن سقوط وهم “الدولة” عني أيضاً سقوط “حل الدولتين” بالضرورة.

ولم يحصُد أصحاب هذا النهج التفرّيطي المهزوم إلا الفشل والخزي والعار (وحفنة دولارات) غير أن كيّان العدوّ ،على المَقلَب الآخر من المُعادلة، حقق مكاسب إستراتيجية كُبرى لم يكُن يحلُم بتحقيقها قبل إنطلاق قطار التسوية في ” مدريد/ أوسلو ” في مثل هذا اليوم بالضبط مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي..

لقد صادرت “القيادة” الفلسطينية صوت الشعب الفلسطيني، فيما بات حق العودة للاجئين الفلسطينيين، جوهر القضية، يتعرّض إلى تصفيّة علنيّة يوميّة. ويدرك الشعب الفلسطيني في أعماقه أن منظمة التحرير وكل القوى الفلسطينية وصلت إلى مأزق خطير مُركّب لم يعرف له مَثيلاً على مدار تجربته الكفاحيّة التاريخية المعاصرة، ولأن الهجمة الشاملة التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني تقف خلفها قوى معادية كُبرى، ولأن التجمعّات الشعّبية الفلسطينيّة في فلسطين المحتلة ومحيطها المباشر أصبحت معزولة ومحاصرة لا تستطيع تحمُّل أعباء المواجهة والصمود وحدها، وقبل كل شئ لأن هذا الطريق الجديد، طريق التجديد والتغيير الثوري، ضرورة تفرضها حقائق الصراع وتمليها طبيعة ومهام المرّحلة الرّاهنة

نحو مرحلة نضاليّة جديدة:

لا بد من تلاقي الطليعة الوطنية الفلسطينية والعربية من أجل إطلاق وتأسيس حركة فلسطينية – عربية – أمميّة جديدة من أجل كُل فلسطين تكون قادرة على تجديد وتثوير حركة التحرر الفلسطينية وترّميم وبناء جسور العمل الوطني والقومي والدولي، حركة شعبية تملك رؤية سياسية فكرية واضحة، تقطع مع مرحلة “مدريد – أوسلو” وتستقطب الطاقات والكفاءات الوطنية الفلسطينية والعربية والصديقة في مختلف المجالات والساحات وزجها ،مرّة أخرى، في معركة التحرير والعودة.

إن تأسيس قوة فلسطينية عربية أُممية لن تأت من خارج الواقع ولا من خارج حركة المقاومة وقواعد شعبنا المناضلة، إنها مسألة كفاحيّة شاقة وطويلة لكنها واقعية وممكنة. فالمطلوب اليوم هو تنظيم كتلة شعبية تتجاوز مفهوم “اللوبي الفلسطيني” و “مجموعات الضغط” و “المؤتمرات” و ” الجاليات ” إلى فضاء ثوري وحراك شعبي بديل يقف خارج تأثيرات وسطوة السلطة الفلسطينية وخطاب قيادات الفصائل. حركة حاضنة للمقاومة الفلسطينية ولا تخضع إلى ضغوط ومصالح الأقطاب والمحاور ولا تكون مرجعيتها القوى المُقررة في الأقليم وأجهزة المخابرات العربية والأجنبية ولا تعيش في فُقاعة وتصورات وَهمية بالية سقطت بقرار حاسم أصدره الواقع الحيّ وأكدته التجربة المُعاشة ونتائجها المُجَسَدة على الأرض..

إذن، تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية تأتي من داخلها وقد باتت ضرورة وجودية، لن تتحقق بالرغبة والحلم فقط، ولا من خلال تيّار واحد أو جيل واحد أو لون سيّاسي فكريّ واحد، بل يشترط التجديد حراكا وطنيًا نقديًا مُتعددًا ومغايرًا، يَشترط بدوره حواراً قاسيًا في بعض جوانبه تقوده طلائع الجيل الفلسطيني والعربي الجديد والكفاءات الوطنية ذات المصداقية والتجربة النضالية ليراكم على إنجازات وتجارب الأجيال السابقة..
هذا يعني أيضاً : المشاركة الشعبية الفاعلة بقيادة الحركات الطلابية والنسوية والشبابية والعمالية والاتحادات النقابية والشعبية على أسس وطنية ديموقراطية جديدة، تُحسِن توظيف أدوات العَصر الحديث، وخلق المؤسسات التي تُمكّنها من التصدى ومواجهة القوى والدول المعادية والحَركة الصهيونية، وعدم الاكتفاء بكشف التورّط الرّسمي للدّول والشركات والقوى التي تحتضن الكيان الصهيوني العُنصري وتقدم له كل عناصر القوة والتفوق التكنولوجي والاقتصادي والسيّاسي والعسكري وحسب.. بل والعمل على حصارها ومعاقبتها أيضاً. .

الفلسطينيون باتوا في حاجة ماسّة اليوم إلى إطلاق مثل هذا الحراك، بالعمل والحوار معاً، بديلاً عن “حوار الطرشان في رام الله وبيروت” وأن يكون الهدف السيّاسي الناظم لحركتهم هو التغيير الثوريّ الرّاديكالي ( الجذري) وليس التكيّف مع شروط الواقع والمرحلة.  .
بعبارة أوضح: البدء في شق مسارات وطنية جديدة وبديلة لا تكون تكرارًا واجترارًا  لمقولات وسياسات قديمة لم تفض إلا لمزيدٍ من الفشل والعبث، كما يجب الإقلاع عن الدروب البائسة التي مَزّقت قضية الفلسطينيين وحقوقهم ودفعتهم إلى مسالك التيه والتفكك والعتمة ومرض المناطقية. واذ لم يتبق لهم اليوم إلا “هويتهم الوطنية” فهذه أيضًا يجري تجرّيفها وتمزيقها كل يوم. .

يقول غسّان كنفاني: إن أكبر جريمة أُرتكبت بحق الفلسطينيين، بعد الجريمة التي ارتكبتها الصهيونية المُتحالفة مع الامبريالية، هي جريمة خَلع الفلسطينيين عن قضيتهم” وهذا بالضبط ما نعنيه بأن مُصادرة صوت الشعب الفلسطيني وما تعرّضت له حقوق الفلسطينيين ومؤسساتهم من عملية تجريف كانت جريمة كبرى وسلباً لكل مصادر قوتهم، وهذه حقيقة تستوجب  استعادة الشعب لمفاتيح قضيته وتحريرها من قيود الاحتكار التي تفرضها الشرائح الطبقية الفلسطينية المهزومة التي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية لأكثر من خمسة عقود.

لقد فشلت “القيادة” الفلسطينية في تحقيق العودة والتحرير. وفشِلَت في حماية وتحصين الجبهة الداخلية الفلسطينية من الإختراق الصهيوني والأمريكي والعربي الرجعي، وفشلَت في التنمية الوطنية والتعليم وحماية الأرض وبناء اقتصاد وطني مُقاوم، وفشلت في صون وحدة الشعب والحقوق، وانتهكت الميثاق الوطني الفلسطيني والحقوق والحرّيات الفردية والعامة. هذه حقيقة تُذّكر بنصيحة غسّان كنفاني مرة أخرى عن ضرورة تغيير الفاشلين لا تغيير القضيّة..!

لم تعُد سلطة أوسلو وكيّانها الهزيل التابع في رام الله وغزّة قادرة على المُضي في مشروعها متراً واحداً الى الأمام لأنها تعيش فشلاً ومأزقاً خانقاً يتجاوز سؤال الشرّعية السيّاسية والقانونيّة التي تسعى إلى تجديدها الشكلي، تارة بالتذاكي وشراء الوقت وتارة أخرى من بوابة خراريف المصالحة في رام الله وبيروت والقاهرة والدوحة واسطنبول.
إن قوى السلطة اليوم مرتهنة للمحاور في المنطقة ولا تملك إلا تقديم المزيد من التنازلات المجانيّة للعدوّ الصهيوني والولايات المتحدة ومَشيّخات النفط في الخليج على حساب الشعب الفلسطيني، وذلك لأنها تسعى للحفاظ على موقعها وامتيازاتها الطبقيّة. ولم تعد القوى الفلسطينية، في واقعها الراهن وفي مجموعها، قادرة على التصدي لأسئلة ومهام المرحلة.. حتى لو إجتمعت وتصالحت كل يوم ألف مرّة.!

ولأننا في حاجة إلى التجديد والتغيير الثوري باعتباره شرط النهوض الشعبي الفلسطيني فلا مستقبل لحركة وطنية جذرية في عموم فلسطين المحتلة والشتات إلا من خلال الدور المركزي والقيادي للشباب الطليعي الرّاديكالي واحترام الدور المقرر للمرأة الفلسطينية ومجاميع المقاومة المسلحة، أيّ حركة ثورية بقيادة طلائع الطبقات الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير والتحرير التي تواكب روح العصر وتُعبّر عن مصالح الكتلة الشعبية الفلسطينية الكبيرة التي تمثل 99 % من الشعب وقد جرى مصادرة صوتها على يد الـ  1 % وحفنة من أصحاب القصور والبنوك والمليارات من خناشير أوسلو في عمّان وغزة وبيروت ونابلس ورام الله المحتلة.

إنها إذن حركة الأكثرية الشعبية الفلسطينية الصامتة في مخيمات الأردن وسوريا ولبنان والتجمعات الفلسطينية في الوطن العربي وفي أوروبا وامريكا الشمالية والجنوبية وكل عاصمة ومدينة ومخيم. حركة فلسطينية، وعالمية الحضور، هذا إذا أردنا حقًا إحداث التغيير الوطني الشامل وتجديد الدماء الفلسطينية (في السياسة والفكر والممارسة النضالية) في شرايين ومفاصل الحركة الوطنية واذا أردنا حقاً إستعادة البوصلة والطريق نحو هدف شعبنا في التحرير والعودة..

فلا حركة فلسطينية جديدة إلا إذا كانت ديموقراطية وثورية في سلوكها داخل البُنى الحزبيّة والنقابيّة والمؤسسات الثقافيّة أولاً، تعتمد على قدرة الذّات أولاً، وتؤمِن بالتبديل القيادي السلمي والعمل الجماعي التطوعي والحوار المنتج، وليس على طريقة كائنات الفضائيات من جماعة أوسلو. .

ولا حركة سياسية تحررية دون برنامج نضالي فاعل ومؤثر يستزف قوى العدوّ ويمارس أشكال المقاومة كافة بما في ذلك إستراتيجية فاعلة للكفاح الثوري المسلح الذي يراكم القدرة ويردع العدو ويخدم ويحمي مصالح الشعب ويكون أداة للتحرير وليس سلاحاً للتشبيح والطخ في الأعراس واستجلاب المنح القطرية!.
يتوق الشعب الفلسطيني اليوم إلى جبهة وطنية موحدة تُحدد أولوياتها في وضوح: حماية وحدة الشعب والارض والحقوق وتعتمد المقاومة المُسلّحة نهجاً استراتيجياً، وتوسع دائرة الفعل السياسي والجماهيري واستثمار كل عناصر القوة الفلسطينية والعربية وهي كثيرة وهامّة.
ولا يمكن لجبهة أن تصنع استراتيجية فاعلة لمقاطعة وعزل الكيان الصهيوني عربياً ودولياً، دون النضال ضد كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني ودون أن تعتبر نفسها جزءاً مُتقدمًا وطليعيًا في معسكر المقاومة العربية والأممية المناهض للامبريالية والإستعمار والعُنصرية.