فيلم لوسي: مهند النابلسي

فيلم لوسي: بؤس الاستخدام الكامل للطاقة الذهنية!

مطاردات لاهثة وخيال علمي “غريب” وضياع فني

لوسي هي مجرد فتاة امريكية جميلة في الخامسة والعشرين من عمرها، تعيش وتدرس بتايبة (عاصمة تايوان)، يتم خداعها والتلاعب بها للعمل قسرا لدى زغيم كوري عنيف يرأس شبكة  عالمية لتهريب المخدرات ويدعى مستر “يانغ”، وذلك بواسطة صديقها الذي يتم قتله…وتضطر لوسي لتسليم  مستر يانغ شنطة غامضة تحوي أربعة اكياس من مسحوق غامض أزرق،يحتوي على مادة “سي بي اتش فور”، حيث يأسر الزعيم الكوري لوسي، وينجح أعوانه بوضع كيس  من المسحوق الغامض بأمعاءها لتهريبه خلسة للبيع باوروبا، وأثناء أسرها يقوم احد الحراس بضربها بقسوة على بطنها بعد ان تقاوم ببسالة محاولة اغتصابها، مما يؤدي لتمزيق الكيس داخل أحشائها، وكنتيجة لذلك، تكتسب لوسي قوى خارقة “فيزيائية وذهنية” غير مفهومة وبشكل تدريجي، وتصبح لديها القدرة على تحريك الأشياء والتخاطر الذهني عن بعد، كما تتمكن من السفر افتراضيا  وذهنيا للمستقبل وتوقع حدوث الأشياء، كما تصبح قادرة على تحمل الألم والمعاناة، وتمتلك قوى جسمانية خارقة ، تمكنها من قتل الحراس والنجاة بنفسها والهرب…

تسافر لوسي لأقرب مستشفى لاجراء  عملية تسمح لها بالتخلص من بقايا الكيس الأزرق التي تسربيت لأمعاءها، وينجح الجراح باخراج الكيس وبعض البقايا، كما يخبرها بالطبيعة “المتطايرة الغريبة” للمسحوق الغامض وبالأعراض الجانبية المدمرة!

ثم تعود بجسارة للاوتيل مصممة على الانتقام، فتقتل الحراس بضراوة، وتكتفي بجروح قطعية ليدي مستر جانغ، وتنجح باستخدام التخاطر بسبر عقله لمعرفة مواقع الأكياس الثلاثة الاخرى وحركات المهربين الثلاثة (أبدع الممثل الكوري  مين سيك شوي بتقديم الدور بنمط استحواذي فريد)…

السفر لباريس والتواصل مع البرفيسور “نورمن”

من شقتها المشتركة تحاول لوسي الاتصال بعالم شهير وطبيب متخصص، يدعى برفسور صمؤيل نورمن، وهو الذي أمضى عشرين عاما وهو يقوم بابحاث مستفيضة، تتعلق بمجال استغلال الطاقات الذهنية للبشر بنسب متفاوتة، (وقد أبدع مورغان فريمان كعادته باداء هذا الدور)، وبعد أن يقتنع البرفسور بقدراتها الذهنية المتنامية التي تنسجم مع طروحاته البحثية، تسافر لباريس وتتصل فورا برئيس الشرطة المحلية بيير ديل ريو (قام بالدور الممثل المصري عمرو واكد)، وتحاول معه  قبل فوات الآوان تحديد مواقع المهربين الثلاثة للقبض عليهم…وخلال رحلتها المثيرة بالطائرة المتوجهة لباريس، تنمو قدراتها الذهنية بشكل كبير غير متوقع، مما يسمح لها بالتخاطر الحيوي “الزمكاني” ويؤهلها لتحديد مواقع أعضاء العصابة الكورية، وحيث تقوم بارشاد الشرطة الاوروبية لشخصيات المهربين الثلاثة بكل من باريس وروما وبرلين، كذلك فهي تسرع للقاء البرفسور نورمن، وتتفق معه على المشاركة بالمعلومات والمعرفة العلمية المطابقة لحالة نمو ذهنها بشكل متسارع، فيما يسارع زعيم العصابة جانغ للحصول سريعا على أكياس المسحوق قبل انكشاف أمره، حيث تندلع معركة نارية كبيرة مع الشرطة الفرنسية!

الزمن هو المعيار الأوحد للقياس!

تناقش لوسي بمختبر البرفسور نورمن العلاقة بين الزمن والحياة، حيث يستنتج البرفسور أن معيار القياس الأوحد هو الزمن الذي يستهتر به البشرعموما، ثم تتمكن لوسي “المتحمسة” من حقن جسمها بباقي أكياس المسحوق الخطير،  ويبدأ جسمها بالتحول لمادة سوداءغامضة، وتمتد بشكل فوضوي مذهل وسريع، ويشمل ذلك الحاسوب المخبري الضخم ثم تنتقل الحالة لأجهزة اخرى بالجوار…هكذا تتداخل قدراتها الذهنية المذهلة (والتي لا يمكن السيطرة عليها) لتتكامل مع قدرات الحاسوبالضخم، مطلقة معرفة كونية-كلية  للكون والحياة، فيما يشبه”القدرة الالهية المطلقة”!

التواصل مع الجدة “البدائية” لوسي!

تبدأ لوسي الشابة الجميلة برحلة فراغية عبر تخوم الزمن السحيقة القدم، لتتواصل مع أقدم جدات الجنس البشري البدائية وتدعى ايضا “لوسي” (وقد تم اكتشاف رفاتها بربوع أفريقيا الشرقية)، ثم نرى بمشهد مؤثر سيريالي  قيام كلا “اللوستين” وهما تتلامسان بحذر وشغف وحنين، ربما كمؤشر على العلاقة الجينية التواصلية في اشارة  “خفية” ذكية لنظرية داروين حول تطور الجنس البشري …وخلال نفس الفترة ورجوعا للمختبر، نرى مستر جانغ القاتل الجامح، نراه يحطم باب المخبر موجها مسدسه لرأس لوسي من الخلف،  قاصدا قتلها…ثم بنفس اللحظة الحاسمة التي يطلق بها الرصاصة، تصل لوسي لحالة “المئة بالمئة” من الاستغلال الذهني ، حيث تختفي  فجاة بشكل غامض وتذهب لبعد فضائي زمني جديد وكأنها اصبحت مخلدة، تاركة وراءها بزة سوداء فارغة وسوبركمبيوتر أسود “عنكبوتي الشكل” يمتد عبر “فضاء الغرفة” كوحش روبوطي خارق، وبالتزامن مع نفس هذه اللحظات “الحابسة للأنفاس” نرى زعيم الشرطةالفرنسية “ديل ريو” يدخل على الخط حانقا وغاضبا ويسرع بقتل المستر جانغ، فيما يستلم البرفسور نورمن “فلاش ذاكرة” يقدمه له السوبركمبيوتر قبل ان يتفتت ويفنى كغبار! ثم يتساءل ديل ريو مستغربا وقلقا (بلهجة العاشق الولهان) عن مكان وجود لوسي، فيما يرن هاتفه المحمول ليقرأ فجأة رسالة غامضة:” أنا في كل مكان”!

أداء متواضع للممثل المصري “عمرو واكد”

مقارنة بالشخصيات الرئيسية الثلاث الاخرى (العالم الأمريكي والمجرم الكوري والبطلة الجامحة) ، بدا عمرو واكد وجلا وخائفا ومهزوزا (بدور ضابط الشرطة الفرنسية)، وكأنه لم يصدق الدور الكبير الذي اعطي له، فغطى قسماته الغامضة بالجمود والوجوم، عكس متطلبات الدور “الحركية الديناميكية التفاعلية” كمدير لشرطة باريس كما فشل بتكوين “كيمياء تفاعلية” مع البطلة البارعة، وربما فشل المخرج لوك بيسون باختياره لعمرو واكد لهذا الدور تحديدا،  ف”الوسامةالغريبة والنظرات الجذابة والخبرة السابقة” لا تكفي هنا، وكان الأولى تسليم الدور لممثل فرنسي مخضرم وهم كثر ومتمرسين، والغريب أني شاهدت نفس الممثل المصري “الشهير” وبدا قادرا على تقديم أكشن دراما باسلوب لافت وجاذب بفيلم مصري قديم يدعى “دم الغزال”!

رسالة تحذير!

ربما نجح بيسون باظهار حالة “التوسع الذهني الجامح” لدى ممثلته “سكارليت جوهانسون”، فأظهرت ببراعة تداعيات هذه الحالة وبشكل مقنع، وتقمصت حالة “التمدد الذكائي”  فيزيائيا وتخاطريا، وبدا وكان بيسون يوجه من خلالها رسالة تحذر البشرية من التلاعب مستقبلا بالقدرات الذهنية، التي قد تصبح شرا مطلقا فيما اذا انطلقت بلا ضوابط “أخلاقية وسلوكية” من عقالها!

فقدان البوصلة!

فقد المخرج الفرنسي الفذ لوك بيسون بوصلته بطريقة اخراجه لهذا الفيلم، فتشتت جهوده وتبعثرت ما بين فيلم مطاردة حركي مثير وحابس للأنفاس، وخيال علمي شيق مطعم ببعد وثائقي غريب…وربما أجبره هاجس المنتجين التجاري على التخبط بهذا الضياع، فأضاف العديد من اللقطات المجانية غير المنطقية ضمن السياق، وبدت بلا مغزى ومنها على سبيل المثال المطاردات الطويلة اللاهثة بشوارع وأزقة باريس، ومنها قيام لوسي بقتل سائق تاكسي”مسكين” لمجرد أنه لا يعرف الانجليزية، وكذلك قيامها بقتل غير مبرر وعنيف لمريض عاجز راقد على طاولة غرفة العمليات بالمستشفى لمجرد معرفتها بأن حالته “السرطانية” ميؤوس منها، بغرض أن تحل محله وتحصل على أولوية المعالجة الجراحية! كما ان المشاهد يستغرب حقا من اقدامها الجسور على قتل كافة الخصوم “الكوريين” بقسوة لافتة، فيما يبدو أنها قادرة “بفضل التأثير السحري للمسحوق” على تنويمهم وتحييدهم ومن ثم تعليقهم على الأسقف والجدران بلا حراك…وربما ساعدت كل هذه اللقطات الحركية “العبثية” والجرعة الزائدة من العنف على اضعاف القيمة “السينمائية-الفنية” الطموحة للشريط بالتوازن مع الرغبة الكاسحة برفع رصيده التجاري بشباك التذاكر “العالمي”!

مهند النابلسي

lucyfilm

اترك تعليقاً