في ذكرى المعركة – نضال حمد

المعركة

في العدد التاسع عشر ليوم 13-7-1982 من صحيفة (المعركة)، التي صدرت فقط خلال فترة حصار بيروت عام 1982. وهي فترة حصار بيروت من قبل الغزاة الصهاينة وجيشهم الإرهابي بقيادة الجنرال إرييل شارون.

في ذلك الوقت ، كان عمري 19 عاماً وكنت جديداً، مبتدئاً في عالم الكتابة الصحفية. كتبت هذا المقال عن معركة قلعة الشقيف – أرنون – الشهيرة في جنوبي لبنان، والتي تعتبر من أهم المعارك المشتركة التي خاضتها القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة، والتي عبرت عن الإصرار الفلسطيني-اللبناني في مواجهة الغزو الصهيوني للبنان في ذلك الوقت. في هذه المعركة البطولية استشهد كافة أفراد المجموعات الفدائية من الفدائييين والمدافعين عن القلعة ومنهم بعض رفاقي في جبهة التحرير الفلسطينية.

تحضرني الآن الزيارة التاريخية التي قمنا بها برفقة القائد الفلسطيني الراحل طلعت يعقوب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية. كان ذلك في أول أيام الغزو حيث توجهنا من الفاكهاني في بيروت الى قلعة الشقيف لزيارة موقع للجبهة هناك ومواقع لفصائل أخرى. لكننا لم نتمكن من الوصول الى القلعة بسبب احتدام المعارك وشدة القصف. فكانت بلدة كفر تبنيت قرب القلعة أبعد نقطة وصلنا اليها في ذلك اليوم. هناك التقينا بالقائد الميداني الشهيد علي أبو طوق الذي ابلغنا بعدم وجود اي امكانية للوصول الى القلعة. فعدنا الى النبطية ومن هناك الى صيدا ومخيم عين الحلوة ثم الى بيروت.

عندما كتبت هذا المقال وارسلته الى الجريدة، لم أكن أتوقع نشره في الجريدة، لقد كانت صحيفة عظيمة يكتب وينشر فيها أهم الصحفيين والشعراء والكتّاب الفلسطينيين والعرب آنذاك. مثل معين بسيسو، محمود درويش، سعدي يوسف، رشاد أبو شاور، عز الدين المناصرة، حنا مقبل، ناجي العلي، عبد القادر ياسين، عدلي فخري، حسيب الجاسم، نزيه أبو نضال، زين العابدين فؤاد، ياسين رفاعية، ليلى السايح، حلمي سالم، جليل حيدر، محمود حيدر، سليمان شفيق، أمجد ناصر، ميشال نمري، صخر حبش وغيرهم..

تم نشر مقالتي الأولى بتوقيع (حمرا) وهو لقب محبب أعطاني إياه بعض أصدقائي. كانوا ينادونني به في مخيم عين الحلوة، في مدينة صيدا اللبنانية، ثم في بيروت حيث استخدمه في مخاطبتي بعض رفاق السلاح والمعركة.

في بداية شبابي دُعيت بحمرا من اللون الأحمر. لكن سبب اللقب المذكور كان في ذلك الوقت، كثرة ذهابي إلى سينما (الحمرا) في البلدة القديمة لمدينة صيدا التاريخية عاصمة الجنوب اللبناني، حيث كنت أشاهد الأفلام السينمائية.

قررت عن قصد توقيع مقالتي باسم ( حمرا) وكان المقال الأول لي في هذه الصحيفة، إذ نشرت فيما بعد مقالة ثانية. وقعت بذلك اللقب ربما لأن بيروت المحاصرة كانت في ذلك الوقت تحترق تحت النيران المستمرة والقصف المتواصل براً وبحراً وجواً. حيث تعمد الصهاينة خلال الحصار الذي استمر ثمانية وثمانين يوماً احراق العاصمة وترويع سكانها وحاولوا كسر ارادة المدافيعين عنها.

أما الآن وبعد مرور ثمانية وثلاثين عاماً على الحصار، أنا فخور بمقالتي وبتجربتي الأولى، وحين أنظر اليها في مجلد جريدة المعركة التاريخي، الذي لازلت احتفط به كوثيقة تاريخية. وحين أرى اسم أو لقب (حمرا) بين الكتاب الكبار أشعر بالفخر والاعتزاز.

أعدت قبل أيام قليلة نشر صورة عن مقالتي في فيسبوك، نشرتها كما نشرت في الجريدة. وأعدت قراءتها كما أفعل في كل سنة بذكرى الحصار وفي ذكرى نشرها. بالرغم من تواضعها وبساطتها إلا أنني انظر اليها باعتزاز. وفي نفس الوقت أتذكر رفاقي الشهداء الذين سقطوا وهم يقاومون الغزو والعدوان والحصار.

الآن حدثت نفسي، سألتها:

هل كنت محظوظاً لأنني لم أمت في تلك المعركة؟

أنا نفسي لا أعرف ولا أملك الإجابة على السؤال.

لكني أعرف وأعترف بأنني كنت قريبا جدا من الموت خلال 88 يوما من الحصار.

كنت قريباً جداً من الموت خلال كل أيام المعركة والحصار.

بعد حوالي اسبوعين على تنفيذ اتفاقية الخروج او الانسحاب الفلسطيني من بيروت برعاية وضمانة أمريكية، انسحب المقاتلون الفلسطينيون وبقيت العاصمة محاصرة، بدون من يدافع عنها إلا القليلين من اللبنانيين والفلسطينيين. فغزاها شارون مع عصابات اليمين اللبناني الفاشية، وارتكبوا مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا منتصف شهر ايلول – سبتمبر 1982.

حصلت مواجهة غير متكافئة من جميع النواحي. على أثر إحداها مع الدبابات الصهيونية على مشارف  مخيمي صبرا وشاتيلا والفاكهاني قرب المدينة الرياضية، أصبت بجراح بليغة فقدت خلالها ساقي.

كان يمكن أن أموت في أي وقت مثل أصدقائي والعديد من الأشخاص الآخرين.

أنا حقا أقدر تلك المرحلة من حياتي. وأعتز كثيرا برفاقي وبأصدقائي الشهداء والجرحى والأسرى والمحررين. وبنفس الوقت أقدر جراحي التي اعتبرها وساما لي على مشاركتي في المعركة وعلى نضالي من البداية حتى الآن، حيث لا نهاية إلا بزوال الاحتلال الصهيوني وتحرير كل فلسطين. يبقى لي من بيروت هذا الوسام الذي حصلت عليه في معركة الدفاع عن لبنان وفلسطين والأمة العربي. في مواجهة الغزو الصهيوني… نعم هو كل ما تبقى لي بعد 38 عاما على الحصار والمجزرة.

نضال حمد في تموز – يوليو 2020