ليست مجرَّد قضية مركزية – عبداللطيف مهنا

الصمت الرسمي والنخبوي شبه المطبق، ماخلا نتف من عبارات انشائية يعوزها المعنى لأنها كالعادة فقدة للقيمة لافتقارها للموقف، والأهم منه هذه الغيبوبة الشاملة التي تلف الشارع العربي، هما ما وسما معاً ردود الفعل عربياً حيال خطورة ما جرى مؤخراً من تصاعد للعدوانية الصهيونية في كامل فلسطين المحتلة. من غزة المحاصرة الى الضفة المستباحة، وما بينهما النقب المنكَّل بأهله، فالجليل المُضيَّق على فلسطينييه، ناهيك عن ما جرى ويجري في القدس المنتهكة الهوية والحرمات والأنسان. الأمر الذي لايستوي معه مجرَّد القول بتراجع قضية الأمة في فلسطين في سلَّم أولويات الراهن العربي فحسب، بل يتجاوز بكثير ذاك السؤال الاستنكاري الذي طرحته عقود الانحطاط الأخيرة التي غشت الواقع العربي والتي نحصد الآن مآلاتها المريعة، وهو، هل لازالت القضية الفلسطينية ينظر اليها على أنها القضية المركزية للأمة العربية؟! ليغدو السؤال في صيغته الراهنة، هل الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العربية، والمهدد بوجوده فيها مستقبل ووجود كل اجيال الأمة العربية القادمة من محيطها الى خليجها، لازال عدواً بالنسبة لأغلب ساستها وغالبية نخبها، ونتجاوز لنقول، وحتى شارعها؟! بل واكثر منه، وبالنظر إلى واقع الحال، يجوز لنا الإصغاء والتساؤل عن مدى مصداقية هذه التنبؤات الصهيونية، المتردده الآن بصفاقة على السنة القادة الصهاينة والمنعكسة بوقاحة على صفحات اعلامه، حول استبشارهم، وحتى تأكيداتهم، بدنو زمن التحالف بينهم وبين عرب هذه المرحلة الحبلى بحروب داحس وغبراء تذابح الطوائف والنحل والملل وفتن التشظي والتشرذم ودواهي الدونية والتبعية ومتاهات ضياع الهوية؟؟!!

نحن هنا لانتحدث فحسب عن القمع والتقتيل والاعتقالات والتشريد، التي هى خبر يومي فلسطيني بات يتردد برتابة وغدا ثانوياً وحتى مملاً لدى غالب وسائل اعلام المعمورة ومنها العربية، ولا عن التهويد الذي شارف على الفروغ مما بقى ولم يهوِّده بعد، ولا ابتلاع جغرافيا القدس والتفنن في التخلُّص من ديموغرافيتها ومسح هويتها والاجتهاد في شطب رموزها ومعالمها العربية، ولاحصار غزة الإبادي الصهيوني الشنيع والعربي المشين، ولا التنسيق الأمني الأوسلوستاني المخزي مع المحتل لخدمة أمن المحتلين، وإنما راهن كل هذا التصعيد غير المسبوق في كل هذه المناحي التي فرغنا من تعدادها جميعها، وكأنما هذا العدو قد وجد فرصة سانحة وقد لاتتكرر يتيحها له هذا الواقع العربي المشهود والذي كفانا اجماع الصديق والعدو على القول فيه توصيفاً بما لم يقله مالك في الخمر.

هذا التصعيد انتقل مؤخراً إلى مرحلة أعلى حفلت بها الأيام الأخيرة…تقتيلاً: اصبح التسلي بإطلاق النار على ظهر فلسطيني أعزل لايعجب ضابط أو جندي أو “مستوطن” صهيوني ومن يحاول اسعافه مسألة اشتباه يجيزه التحوط دفاعاً عن النفس، بل تحوَّل الى واجب يومي في سياق سياسة يومية تنفذها دون ان يرمش لها جفن الحواجز والدوريات والكمائن والغارات الأمنية…أما الاعتقالات، إدارياً وخلافه، فحدِّث ولا حرج، فمن لايعتقله العدو اشتباهاً أو مقاوماً تتكفل اجهزة سلطة التنسيق الأمني مع المحتل باعتقاله.

التهويد والتشريد، حيث مستجد العطاءات واقرار مشاريع توسعة المستعمرات وضم المزيد من الأراضي المصادرة اليها وهدم بيوت العرب وطردهم من اراضيهم، بات مثله مثل التقتيل والاعتقالات روتيناً يومياً، والاعتداءات على المساجد والكنائس وعلى رأسها الحرم القدسي الشريف والإسائة لرمزيته العربية والإسلامية اخذت منحى تصعيدياً تمهيدياً تطبيعياً، بمعنى تهيئة الأجواء لاقتراب موعد اقتسامه توطئةً لوضع اليد عليه فهدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وهى سياسةً تحدوها فتاوي حاخامات وتترجمها اقتحامات مبرمجة برعاية رسمية وأمنية وإعلامية توطئةً لهذا الآتي تطبيقاً لأساطيرهم واقعاً في ظل احوال عربية واسلامية وكونية ولا أفضل منها مشجعاً لهم على ما ينتوونه ويعملون ليل نهار لتحقيقه…قبل أيام اقتحموا المسجد الأقصى وخلعوا بوابته الرئيسة لافراغه من مصليه والمرابطين فيه بوحشية غير مسبوقة لإتاحة المجال لزمرة من المستعمرين على رأسهم وزير الزراعة اوري اريئيل يحرسهم طابور مدجج من الجند وتحت وابل من القنابل الدخانية والصوتية للصلاة بأحذيتهم داخله إحياءً لذكرى اسطورة خراب الهيكل المزعوم، حيث الحقوا بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، أو التوصيف الذي ربما لايردده الآن أو يتمسك بترديده سوى المقدسيين، خراباً وجرحوا 17 من مصليه والمرابطين فيه واعتقلوا منهم من اعتقلوا بتهمة العنف والتصدي لانتهاك المصلين اليهود لحرمته!

ذروة هذا التصعيد هى جملة من القوانين المستحدثة، التي منها اقرار الكنيست لقانون تشديد العقوبة لتصل إلى عشرين عاماً لمن يلقى حجراً على المحتلين، حيث تقول وزيرة عدلهم أييلت شاكيد إن “من يلقي حجراً هو ارهابي”، وعليه فإن هذه العقوبة عند امثالها “هى عقوبة عادلة”! كما عدَّلوا قانون طوارىء الانتداب البريطاني الذي اسهم في انشاء كيانهم الغاصب، ليوسعوا قوانينهم ل”مكافحة الإرهاب”، أي المقاومة، لتشمل الجمعيات الخيرية، ومنظمات المجتمع المدني، ولجان الزكاة، والصدقة، ورعاية أسر الشهداء والأسرى، وصولاً لإقرار قانون التغذية الإجبارية للأسرى المضربين عن الطعام… والمعروف أنه كان قد استشهد اربعة اسرى بسب من هذه التغذية قبل قوننتها…وذروة المفارقة أن هذا يحدث بينما يباهي الدكتور صائب عريقات، كبير مفاوضي سلطة أوسلو، والذي حل محل ياسر عبدربه أمين سر للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أمم الكون بأن سلطته قد اكتسبت عضوية 523 منظمة دولية وباتت عضوا مراقباً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن ترد عليه اييلت شاكيد واصفةً مكتسباته هذه ب”الإرهاب الديبلوماسي”!!!
…فلسطين ليست مجرَّد قضية مركزية للأمة العربية، وإنما بوصلة وهوية ومستقبل، إن فرِّطت بها فرِّطت بأمسها ويومها وغدها…

اترك تعليقاً