مرة أخرى، مجنون يحكي وعاقل يسمع – حليم خاتون

مرة أخرى، مجنون يحكي وعاقل يسمع، يقال إنه وبعد توقيع أوسلو، اختلى أحد الصحفيين بإسحاق  رابين وسأله،
هل سوف تتخلون فعلا عن الضفة الغربية؟
ابتسم رابين، وأجابه، سوف نقتطع نصف الضفة ونضمها ألينا ونتقاسم الباقي مع الفلسطينيين، لكن بمخاتير وبلديات تبقى كلها تحت السلطة “الإسرائيلية”.
الضحك على العرب كلهم بدون استثناء، وعلى الفلسطينيين خصوصا كان السياسة التي مشت عليها كل القوى التي حكمت هذا العالم العربي كله، وتحديدا مشرقه الذي يضم همزة الوصل فيه، فلسطين.
مٍن السمسار الذي كان يفاوض السلطنة العثمانية للسماح بهجرة اليهود إلى فلسطين، والتي بدأت طلائعها منذ السلطان عبدالحميد، إلى لورانس “العرب!!”، إلى مكماهون، إلى بلفور، إلى وضع فلسطين تحت انتداب بريطانيا التي كثفت الهجرة وعملت على تسليم البلد لليهود، إلى الكتاب الأبيض الذي أوهم الفلسطينيين الغاضبين بإيقاف الهجرة، إلى الثورة الفلسطينية الكبرى، إلى تسليم المعسكرات بكامل أسلحتها لميليشيات الصهاينة.
قبيل الإنسحاب، إلى مشروع التقسيم في الأمم المتحدة الذي أعطى المهاجرين اليهود الذين كانوا أقل من ثلث مجمل المقيمين في فلسطين؛ أعطاهم ٦٠٪ من فلسطين بما فيها كل المدن الكبرى والساحل الفلسطيني بكامله وترك الباقين مع ٤٠٪ من الأراضي التي لا تتمتع بأية مقومات اقتصادية؛

ولأن البريطانيون والروس والاميركان، كانوا يعرفون أن الفلسطينيين سوف يثورون ولن يقبل بهكذا ظلم وإجحاف، قاموا بمد الكيبوتزات “الإسرائيلية” بالمهاجرين الجدد من أوروبا الشرقية، بينهم جنود الفيالق اليهودية التي شاركت في الحرب العالمية الثانية، أي الجنود الذين عليهم ملاحقة الفلسطينيين كما لاحق البيض في القارة الأميركية الهنود الحمر وقضوا عليهم، إلى التآمر مع مؤسس الدولة السعودية عبدالعزيز الذي نظر بعين العطف على إعطاء “أولاد عمنا اليهود
فلسطين، إلى غلوب باشا، البريطاني الذي كان قائدا للجيش الأردني والذي حرص على إفهام الملك الأردني عبدالله الأول أن مصلحته هي بالخضوع لمشيئة صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا، إلى السادات الذي أقنعوه برجاحة عقله الذي صقلوه له، وألبسوه ثوب ماريشال، فاقتنع أنه أعظم من نابليون، وانتهى به الأمر أن أعطى “إسرائيل” مفاتيح إفريقيا، ودول عدم الإنحياز، وتحديدا بلاد الحبشة
كانت ضحكة ياسر عرفات تخفي يأسا من كل الأعراب، ورضى بالقليل القليل القليل، وأقل من القليل، لعله يوما يستطيع
كما في لعبة الشطرنج، كان عرفات محاصرا من كل الجهات، لكنه كان يحمل سلاحا اقوى من كل الحصار… كان يملك قوة الإعتراف، قوة التوقيع، قوة الكلمة.
نفس الكلمة التي رفض الحسين أن يعطيها ليزيد.
نفس الكلمة التي رفض “هوشي منه” أن يعطيها للأميركيين.
نفس الكلمة التي رفض أرنستو تشي غيفارا أن يعطيها للإمبريالية.
في لعبة الشطرنج تنتهي اللعبة عندما لا يبقى للملك من مخرج على شرط أن لا يكون وحيدا .
أما إذا كان وحيدا ولم يبقى له مخرج تنتهي اللعبة بالتعادل.
للأسف، كان عرفات وحيدا ولكنه لم يكن يعرف أصول اللعبة، فاستسلم خوفا من أن لا يبقى له مخرج.
لم يعرف أن الخصم مضطر إلى إعطائه المخرج دوما حتى يأخذ التوقيع، حتى يأخذ الكلمة.
كانت ضحكة عرفات، ضحكة تغطية للخضوع .
ذهب الى المقاطعة بعد أن وقٌع؛ بعد أن خسر السلاح الوحيد الذي يحميه، “”التوقيع“”.
فاغتالته “اسرائيل.”
وقٌع عرفات، كما وقع السادات قبله.
إذا كان السادات بتوقيعه أعطاهم إفريقيا، وسلم شريان مصر الحيوي إلى “إسرائيل” عبر إثيوبيا؛
فإن توقيع عرفات أعطاهم كل البلاد العربية من الخليج إلى السودان إلى التشاد، إلى المغرب….
وفوق كل ذلك أعطاهم كل ما أخذوه منذ اليوم التالي لأوسلو.
إذا كانت كامب ديفيد سمحت للإستيطان بالتضاعف من حوالي عشرة آلاف مستوطن إلى حوالي مئة وسبعين ألف،
فإن أوسلو سمحت لهذا العدد أن يتجاوز السبعة مئة أو الثماني مئة ألف
والحبل على الجرار
الضفة تُقضَم قطعة قطعة؛
يوم بالإستيطان، ويوم يالإقتلاع، ويوم بالمصادرة.
الفلسطيني في الضفة يُعلف فقط لكي يكون مواطنا من الدرجة العاشرة لخدمة الدولة الصهيونية.
يخرج في تظاهرة!!!
يظن أن العالم سوف يتعاطف معه.
ربما تعاطف بعضهم.
لكن العالم يحترم القوي.
العالم قائم على احترام القوة.
أما الصهاينة، فمنهم من يضحك من هبل هذا الفلسطيني الذي يتظاهر!!!ومنهم من يطالب بقتله فورا إذا رفض الإنتقال الفوري إلى مرحلة العبودية، المنصوص عليها في تعاليمهم التوراتية
سوف يخرج أحد العربان ليصرخ بأن هذه التوراة مزورة!! مش مهم. المهم هذا ما يطبقونه.
أما في غزة، dose العبودية يقل قليلا.
طبعا، لم يكن هذا برضى الصهاينة.
ولكن الفلسطيني في غزة
صار عنده بندقية في غفلة من الزمن لم ينتبه “الإسرائيلي” لها.
أراد الله أن يعطي الفلسطينيين فرصة القتال بشرف، فرصة شيء من الدفاع.
الهم الله إيران أن تمد الفلسطينيين بما تستطيع تمريره عبر البحار والصحاري وخفية عن أعين أولاد القحبة من الإعراب الذين يشاركون “الإسرائيليين” في هذا الحصار.
بدل البندقية، صار الفلسطيني يملك صاروخا.
علمته إيران، كما علمت غيره، كيف يبني الصواريخ؛ علمته إيران كيف يقاتل وينتصر.
رأى بأم العين حزب الله يهزم “اسرائيل” المدججة بالسلاح.
خاض نفس نوع الدفاع، فانتصر
صار الفلسطيني قوة.
هو محاصر، لكنه قوة.
هو يجوع، لكنه قوة.
هو يعطش، لكنه قوة.
هو يفقد شهداء كل يوم،
لكنه قوة.
هو يندثر كل يوم، لكنه قوة.
بالله عليكم، إذا لم تستعملوا هذه القوة لإنهاء الحصار، متى سوف تفعلون؟
إذا لم تستعملوا هذه القوة لمنع الجوع والعطش، متى
سوف تفعلون؟
إذا لم تهدموا بيتا يغتصبه
الصهاينة، مقابل البيت الذي يهدمونه في الضفة أو القطاع، متى تستعملون هذه القوة؟
إذا لم تستعملوا هذه القوة لمنع الموت الزاحف إلى أطفال وشيوخ فلسطين،
متى تفعلون؟
في توراتهم، أنتم عبيد.
أنتم غوييم، لخدمتهم، حتى ابن زايد وابن سلمان وخليفة والملك الفلاني والرئيس الفلاني، كلهم غوييم؛ كلهم خُلقوا ليخدموا اولاد الرب، من شعب الله المختار.
ما لدى حماس والجهاد والشعبية والبقية؛ ما لديهم يكفي لتدمير نصف “اسرائيل”.
ما لديهم يكفي لتدمير كل المدن والمرافىء الجوية والبحرية.
ما لديهم يكفي لتدمير الإقتصاد “الإسرائيلي” بالكامل.
إلى متى الإنتظار؟
إلى أن يفنى الشعب الفلسطيني؟
إلى متى الإنتظار؟
إلى أن تقتنع اسرائيل بالإنسانية؟
إلى متى الإنتظار؟
إلى أن يتذكر السيسي أنه ليس سوى كلب الحراسة
لإسرائيل.
هو ميت لن تقوم له قائمة!!
الى اهلنا في فلسطين،
أنتم لستم عبيدا.
أنتم الاحرار، بل ربما أنتم
أكثر حرية من كل العالم العربي.
أنتم الصاعق الذي يستطيع أن يوقظ هذه الأمة من كبوتها.
كبوة استمرت أكثر من عشرة قرون.
ليس لعدونا عهود يحترمها.
أساسا، هو جاء بأمر لاهوتي كاذب يريد اقتلاعنا من جذورنا.
بيننا، وبين هذا العدو لا شيء غير النار.
ألم يئن الأوان ليتحول جوعنا وعطشنا وموتنا إلى غضب يقتلع الغاصب من مغتصابته؟
كم سوف يقتل منا؟
كم من الشهداء ندفع كل يوم؟
نحن نموت وهو ينعم بما اغتصبه.
إن عدونا جاءنا طمعا بالدنيا؛
فلنحوًل دنياه إلى جحيم.إذا لم يخسر كل يوم..
إذا لم يدفع ثمن جرائمه..

إذا تركنا احتلاله نزهة,لن نستعيد أرضا، ولن تكون لنا كرامة،
والحياة، وقفة عز وكرامة.
:::::
المصدر: موقع إضاءات الإخباري – موقع كنعان

مرة أخرى، مجنون يحكي وعاقل يسمع
حليم خاتون