وجهة نظر حمدان الضميري من بلجيكا عن المبادرات الفلسطينية في أوروبا

 

الفلسطينين في أوروبا وضعهم والبحث عن الدور

أقدم وجهة النظر هذه للحوار والتفاعل الايجابي لاغنائها خاصة فيما هو مرتبط بالمعطيات الواردة فيها

المقدمة

نجد بداية الوجود الفلسطيني في أوروبا مع بداية القرن العشرين حيث مكث في بعض الجزر الاسبانية – جزر الكاناري عشرات من العائلات الفلسطينية والتي كانت في طريقها لقارة أمريكا اللاتينية. بعد ذلك نجد في سنوات الأربعينات بداية وجود لأعداد بسيطة من فلسطينين في بريطانيا إما للدراسة أو بسبب علاقة عمل ربطتهم بسلطة الانتداب البريطاني على أرض فلسطين. بعد ذلك نجد في أواخر سنوات الخمسينات بداية قدوم طلبة فلسطينين للدراسة في جامعات أوروبية مثل ألمانيا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي لمنتسبين لأحزاب شيوعية، بدأت الأعداد بالتزايد بشكل ملحوظ في مع سنوات الستينات من القرن الماضي. لذلك كان الاتحاد العام لطلبة فاسطين أول اطار جماهيري ينشط فيه الوجود الفلسطيني في الساحة الأوروبية.

لا يختلف اثنان عن حقيقة الزيادة المتصاعدة والهامة للوجود الفلسطيني في الساحة الاوروبية وهو وجود يشمل كافة الدول الأوروبية بدون استثناء وإن كان بأشكال وأعداد وفترات زمنية متفاوتة من بلد أوروبي لآخر. تختلف الأرقام حول أعداد الفلسطينين في مجمل الدول الأوروبية وهذا يعود لسببين،

الأول وجود وثائق تعريفية مختلفة عند الفلسطينين يبرزونها عند وصولهمةالقارة الأوروبية.

والثاني أي السبب الآخر فقدان الفلسطينين لدولة ترعى شؤونهم وتعمل على توثيق وجودهم هنا أو هناك.

رغم اختلاف التقديرات لكن نستطيع القول أن العدد الاجمالي يتجاوز 600 الف فلسطيني وربما يقترب من 800 ألف في مختلف الدول الأوروبية وهذا عدد كبير يجعل  من فلسطيني أوروبا ثالث كتلة بشرية فلسطينية بعد الكتلة الموجودة في فلسطين المحتلة وهي الأكبر والكتلة الثانية عدديا والمتواجدة في الأردن. وهذه الحقيقة تلزم فلسطينيي أوروبا بأخذ دورهم والقيام به على أحسن وجه.

في داخل هذا الوجود المهم هناك كما قلت تفاوت بالأعداد لكن يبقى من المهم القول بأن التواجد الأهم هو في كل من ألمانيا وهي الكتلة الأكثر عددا يليها الوجود الفلسطيني في الدول الاسكندنافية أي السويد والدنمارك والنرويج ثم بعد ذلك نجد وجود لجاليات أقل أهمية في كل من اسبانيا وايطاليا وبلجيكا وهولندا والمملكة المتحدة وقبرص وربما في دول أخرى لكن بشكل أقل عددا. وهنا وحتى نقترب من الدقة أقدم اقتراح للنشطاء الفلسطينيين لكتابة أوراق حول الجاليات الفلسطينية في الدول التي يعيشون فيها يذكروا فيها بعض المعطيات الرقمية والتاريخية للوجود والمؤسساتية مثل الجمعيات الموجودة وكذلك الجانب المهني مثل أعداد الأطباء والمهندسين والأكاديمين …

يتشكل هذا الوجود من عدة فئات ألخصها بالتالي :

فئة العمال التي قدمت في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي وخاصة في ألمانيا والدانمارك وهولندا وبلجيكا.

فئة الطلبة وتعود بداياتها الجدية لمرحلة الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي واستمرت ولو بأعداد أقل في فترات لاحقة حتى يومنا هذا وهنا أعطي مثال لتواجد مهم لطلبة فلسطينين في قبرص وفي دول أخرى أقل أهمية من ناحية الأعداد.

فئة اللاجئين والتي بدأت وبشكل واسع بعد الاجتياح (الاسرائيلي) للبنان عام  1982 وخاصة من فلسطيني لبنان وكانت وجهة هؤلاء المانيا والدول الاسكندنافية ثم عرفت الساحة الأوروبية موجات من طالبي اللجوء الفلسطينين بعد هذا التاريخ مثلا موجة التسعينات بسبب حرب الخليج الاولى وتشمل فلسطينيين من الكويت أو من دول خليجية أخرى… وأخيرا الموجة الحالية والمستمرة وهي تشمل أعداد من الفلسطينيين القادمين بشكل خاص من قطاع غزة ومن فلسطيني سوريا بسبب الأوضاع التي تعرفها الساحة السورية منذ تسعة سنوات.

الفئة الأخيرة والمهة جدا وهي بتزايد متواصل هي الجيل المولود هنا في الدول الأوروبية والتي علينا مستقبلا الوقوف أمامها وبشكل خاص دورها في المجتمعات الأوروبية وما هو المطلوب لتعزيزه ليكون مستقبلا أحد روافع العمل السياسي الوطني والمؤسساتي الفلسطيني في الساحة الأوروبية.

بعد هذه المقدمة أصل للسؤال المهم ما هو دورنا في أوروبا

 هناك مجموعة من المهام تقع على عاتق فلسطيني أوروبا

ألمهمة الأولى نقل الرواية الفلسطينية للبيئة الأوروبية الحاضنة للوجود الفلسطيني فيى  القارة الاوروبية وهنا أرى فئتين في أوروبا ننقل هذه الرواية لهما:

الأولى عامة الأوروبيينى والذين تربطنا علاقات انسانية واجتماعية ومهنية وشخصية بهم، ننقل لهم رؤيتنا كمعنيين

وأصحاب لهذه القضية كيف نعيشها وكيف عشناها وماذا تمثل لنا ولأبنائنا.

والفئة الثانية والهامة جدا وهي المؤسسات والنشطاء التي تربطنا بهم علاقة مؤسساتية أو نشاطية.

حول هذه الفئة المهة والناشطة في المجتمعات الأوروبية أرى أهمية وجودنا داخل هذه المؤسسات والجمعيات وهذا عامل مهم للتأثير على مواقفها وعلى توجهاتها وأخص بالذكر لجان التضامن والصداقة مع فلسطين في أوروبا.

نحن أصحاب القضية ونحن الأقدر للحديث عنها، اضافة لهاتين الفئتين هناك عمل جاد ومدروس تجاه الأجيال المولودة هنا في الدول الأوروبية حيث آليات العمل معها تختلف عن آليات العمل في الأوساط الاوروبية.

ألهمة الثانية تتمثل في الدفاع عن القضية الفلسطينية في الأوساط والساحات والمدن الأوروبية وهذا يتم عبر النشاطات والفعاليات والملفات والفيديوهات والوقفات.. وهنا لا بد من وجود ومضاعفة وجود مؤسسات وجمعيات فلسطينية ناشطة وحاضرة عبر فعالياتها وهي في تزايد ملحوظ في الآونة الأخيرة .. وهنا لا بد من القول أن هذه النشاطات والفعاليات نتوجه بها لأبناء جالياتنا كما نتوجه ببعضها للجمهور الأوروبي.. وهنا علينا أن نعرف أن الاليات المعتمدة أحيانا تختلف بداية في اللغة ووصولا للخطاب المستعمل ومضمونة، نقل والتعريف بالثقافة الفلسطينية وهي غنية جدا يمثل أحد الجوانب التي علينا العمل بشكل مدروس وجميل لنظهر تراثنا الغني من الدبكة للأكلة الشعبية للثوب المطرز للوحة الفنان الجميلة، لشعر شعرائنا الكبار المترجمين للغات الأوروبية وأدبائنا المترجمين مثل غسان كنفاني لرسمة كاركاتير ناجي العلي وهذا ممكن على مستوى المحتوى وعلى مستوى الشكل.

المهة الثالثة تتجسد بتقديم الدعم المادي لأهلنا على المسوى العائلي وأحيانا عبر المشاركة في حملات تبرعية هنا أو هناك وذلك لدعم صمودهم وبقائهم على أرض الوطن. ثم هناك الدعم المؤسساتي أي العمل على تمويل مشاريع لمؤسسات فلسطينية جدية وهي موجودة وكثيرة في الوطن المحتل بهدف دعم صمود شعبنا تحت الاحتلال. هنا في الدول الأوروبية تتوفر فرص لتمويل مشاريع لمؤسسات فلسطينية ناشطة و فاعلة في مجالات مختلفة اجتماعية، طبية، نسائية تنموية وفي ميادين أخرى كثيرة ومتنوعة سواء في فلسطين أو في مخيمات الشتات الفلسطيني.

المهة الرابعة وهي تتعلق بدورنا في الساحة الفلسطينية وتفاعلنا معها كجزء من الشعب الفلسطيني لنا كامل الحق أن نعبر عن رأينا لما يدور حول قضيتنا الوطنية. وهنا ومن جهتي أريد التأكيد على بعض الأمور المبدئية الهامة وهي :

الشعب الفلسطيني ما زال في مرحلة التحرر الوطني وله كامل الحق باستخدام كافة الوسائل المتاحة له لاسترجاع حقوقه الوطنية.

وحدة الشعب الفلسطيني عامل مهم لمعركته النضالية الوطنية ويجب أن تكون دائما في صلب تفكيرنا لأن غير ذلك الفراغ والدمار الأكيد والذي يتجسد بتصفيتها نهائيا كما تخطط لذلك أطراف أجنبية تتحالف معها أطراف عربية.

م ت ف هي البيت والاطار الجامع لشعبنا والممثل الوحيد، يمر هذا الاطار بمرحلة قاسية ويعرف حالة من التفكك والضعف وتغييب له ولمؤسساته منذ سنوات وهذا جزء من مخطط مدروس تقف وراءه قوى دولية وعربية ونافذين في أوساط فلسطينية. هذا الوصف الموضوعي يحتم علينا أن نكون شركاء فاعلين في معركة اعادة الاعتبار للمنظمة والمطالبة الدائمة لاستعادة الوحدة الوطنية باعتبارها السلاح الأمضى في معركتنا التحررية. هناك مجموعة من الاتفاقيات وقعتها الاطراف الفلسطينية المختلفة ولم يتم تنفيذها لحد الآن وهذا لأسباب متعددة منها ما هو ذاتي فلسطيني ومنها ما هو متعلق بالعامل الجيوسياسي. تطبيق هذه الاتفاقيات مقدمة للبدء لاعادة الاعتبار للمنظمة وبالتالي استعادة دورها التاريخي مع التأكيد على الآليات الديمقراطية في تسيير المؤسسات الجماعية حفاظا على وحدتها وعلى أداءها الفعال كأحد روافع المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.

ما العمل أمام هذا الواقع المرير ؟

بداية ترتيب وضعنا هنا في أوروبا ليكون لكلامنا ولموقفنا صدى عند من نريد مخاطبتهم سواء فلسطينيا أو أوروبيا وهنا لا بد من التأكيد على ضرورة العمل التنسيقي كبداية لتوجه مدروس نحو وحدة العمل المؤسساتي في مراحل أخرى متقدمة. ثم البحث عن حلفاء لنا يشاركوننا قرائتنا للوضع والواقع الفلسطيني بعد أن نتوافق على هذه القراءة وهذا يتم عبر توسيع دائرة الحراك المطالبة بالتغيير ومغادرة واقع الانقسام المدمر.. وهنا أمامنا امكانية التشبيك مع بعض تجمعات الفلسطينية في أماكن خارج القارة الأوروبية مثل أمريكا اللاتينية و أمريكا الشمالية وبعض الدول العربية, عندها نكون أمام شتات فلسطيني فاعل ومؤثر ومسموع.

علينا المطالبة بحقوقنا بالتمثيل الديمقراطي كتجمع بشري وهو الثالث كما سبق وقلت. وهذا عبر آلية الانتخاب الديمقراطي المباشر وهذا ممكن لنا في الساحة الأوروبية وللوصول لهذه النتيجة علينا التنسيق وأخذ مبادرات مشتركة تجاه الأطراف الفلسطينية بدون استثناء.

القيام بأخذ مبادرات نتوجه من خلالها للأطراف الفلسطينية المجتمعية في الداخل كما في بلدان اللجوء والشتات أولا ثم السياسية ثانيا وبدون الاقصاء لشرح رؤيتنا وطلب الدعم لها منهم.

العمل على اقامة علاقات مع أطراف عربية ديمقراطية وتقدمية ناشطة في الساحة الأوروبية.

أخيرا علينا أخذ مواقعنا في البيئة الأوروبية المتضامنة مع قضيتنا الوطنية لإيصال خطاب فلسطيني متميز والدفاع عن مواقف سياسية ذات أفق وطني تحافظ على الحقوق والثوابت الوطنية. وهنا لا بد من التأكيد على أهمية الانخراط داخل الأحزاب والنقابات الأوروبية ومؤسسات المجتمع المدني كروافع مهمة لايصال رؤيتنا وروايتنا.

 

حمدان الضميري

ناشط فلسطيني في بلجيكا

06-11-2020