وداعاً علي نابولي .. علي العوراني – نضال حمد

 وداعاً علي نابولي .. علي العوراني

في زمن وباء كورونا يمضي الأصدقاء والرفاق على غفلة ودونما لحظة وداع. يختطفهم هذا الوباء اللعين كما كان وباء الصهيونية ولازال يختطف البلاد العربية بلداً خلف بلد. يدخل الوباء صدورهم وأجسادهم وكريات دمهم مثلما تدخل كريات أو مستعمرات ومستوطنات الصهاينة بلاد العرب، من كريات السادات الى كريات الامارات مرورا بكل الذين اسقطوا الرايات من الفلسطينيين والعرب.

ولد المناضل علي محمد ظاهر العوراني (61 عامًا) في بيت نوبا قضاء رام الله عام 1959، وتوفي مساء اليوم الجمعة 25-9-2020 في مدينة نابولي الإيطالية متأثرًا بإصابته بفيروس كورونا. لينضم الى قافلة من الشهداء الفلسطينيين الآخرين الذين صرعهم الوباء اللعين في ايطاليا وأوروبا والعالم.

سافر علي من وطنه المحتل فلسطين الى ايطاليا للدراسة في جامعاتها وتخرج من كلية التجارة في جامعة نابولي. في فترة الدراسة وما بعدها وحتى وفاته اليوم كان علي مناضلا فلسطينيا وعضواً في تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومن نشطاء وكوادر الاتحاد العام لطلبة فلسطين في ايطاليا اثناء فترة الدراسة الجامعية. بقي نشيطاً في مجال التضامن والعمل الوطني والتقدمي من خلال علاقاته مع الرفاق الطليان أصدقاء الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية. بقي محافظاً على أصالة الانتماء لفلسطين كل فلسطين، رافضاً للسياسات الانهزامية والتنازلات والارتماء في أحضان معسكر الأعداء. بقي رافعاً مع  رفاقه ورفيقاته شعار ” أنا مع المقاومة) فبالمقاومة وحدها تعود فلسطين حرة ويعود أهلها اللاجئين الى ربوعها وتتم تصفية الاحتلال الصهيوني. هكذا كان شعار علي العوراني وهو أيضا شعار مخيم التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي كان يقيمه الاتحاد الديمقراطي العربي الفلسطيني في ايطاليا -أوداب- وكان علي من كوادره النشيطين.

تعرفت الى علي قبل نحو عشر سنوات في هذا المخيم، في مدينة (فياريجيو) الايطالية حيث حرصت على أن أكون مشاركاً فيه كل صيف من كل عام بداية من سنة 2008 وحتى آخر مخيم سنة 2010 أو 2011 لم أعد أذكر. للأسف توقف المخيم الذي كان يقام صيف كل عام وتشارك فيه عائلات فلسطينية وعربية من كل أوروبا: كما كانت تشارك فيه عائلات ايطالية مناصرة لفلسطين. توقف المخيم لأسباب عديدة أهمها المادية. وبمناسبة الحديث عن المخيم فقد فقدنا قبل أسابيع قليلة واحدة من نسوة المخيم البارزات، المناضلة الفلسطينية شريفة أم عامر التي توفيت في مدينة “امبيريا” الايطالية بعد عناء طويل مع مرض عضال.

كان علي بشوشا ومرحاً وسعيداً ويحب رفاقه ورفيقاته. قضينا معاً أياما جميلة في المخيم. خلال تلك الجلسات صارحته بأنني أعرف ايطاليا جيداً لكنني لم أقم بزيارة نابولي، هذه المدينة الجميلة والشهيرة. فقال لي اذن انت لا تعرف كل ايطاليا وعليك زيارتنا في نابولي لأنها غير شكل… وعدته أن أزوره وأتعرف برفقته على نابولي. لكن الزيارة لم تتم. ربما صار لزاماً عليّ الآن وبعدما مضى رفيقي علي الى العالم الآخر أن أزور ضريحه في نابولي وفاءا واحتراما لعهدي.

في يوم من الأيام قبل أكثر من ست سنوات كنت جالساً في مطعم كرمل الفلسطيني في أوسلو حين دخلت المطعم فتاتان جميلتان، بدت عليهما ملامح الجنوب الايطالي. ثم تأكت من أنهما فعلا من ايطاليا عندما أخذتا تتحدثان باللغة الايطالية التي أفهمها قليلا، فقد عشت في ايطاليا أشهراً من حياتي سنة 1983 حيث تلقيت العلاج هناك بعد حصار بيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982. كذلك من خلال الأسابيع العديدة التي قضيتها خلال سنوات عديدة في مخيم فياريجيو. لاحظتا أنني أصغي لحديثهما إذ كانت طاوتي ملاصقة لطاولتهما، فبادرتني إحداهن بالسؤال إن كنت أتكلم اللغة الايطالية، فأجبت أنني أتقنها قليلا. أفهم أكثر مما أتكلم. هكذا انتقلت الى طاولتهما وأخذنا نتحدث. حين عرفتا أنني فلسطيني وأعرف ايطاليا سألتاني إن كنت أعرف علي الفلسطيني في نابولي. فكان جوابي بالطبع لأن علي صديقي ورفيقي. لم تصدقا ذلك لكن هذا ساعدهما على الانفتاح أكثر في الحديث عن فلسطين وقضيتها وليتضح لي فيما بعد أنهما مناصرتين لشعبنا الفلسطيني وأن لعلي العوراني دوراً في تعريفهما بالقضية الفلسطينية. كانتا تعملان أثناء العطلة الصيفية في مطعم طلياني في اوسلو، دعتاني لزيارتهما في المطعم المذكور، الذي يقدم وجبات ايطالية شهية. قمت بزيارتهما هناك ثلاث مرات وقبل أن تعودا الى نابولي أهديتهما نسختين من كتابي باللغة الايطالية (فجر العصافير الطليقة). سعدتا بذلك وطلبتا اهداءئين على الكتابين. قالتا لي انهما عندما تصلا الى نابولي سوف تخبرا “علي” عن هذا اللقاء الجميل وعن تعرفهما علي. قلت لهما بلغا تحياتي للصديق علي العوراني.

وداعاً علي الجنوبي في ايطاليا والفلسطيني في كل العالم.

سنبقى على العهد

نضال حمد