وعد بلفور الجرح الغائر في الجسد الفلسطيني منذ ثمانية وتسعين عاماً …

بقلم :أكرم عبيد

ما زال الكيان الصهيوني يولي وعد بلفور المشئوم أهمية خاصة بالرغم من تقادمه لأنه يعتبر من أهم المستندات القانونية المزعومة لوجود هذا الكيان المصطنع في الأراضي الفلسطينية المحتلة الذي شملته ما يسمى وثيقة الاستقلال وهذا دليل واضح وصريح على أهمية هذا الوعد بالنسبة للحركة الصهيونية العالمية  .

من الناحية القانونية في الوجود البريطاني أثناء إعطاء الوعد هو وجود غير شرعي أصلا كونها دولة احتلال ومن المتفق عليه قانونا أن الاحتلال لا يفيد بالملكية لذلك فبريطانيا العظمى لا تملك أرض فلسطين حتى تتكرم وتعطيها ليهود الأرض , لذلك أصطلح على تسمية هذا الوعد , وعد من لا يملك لمن لا يستحق .

وإذا كان هذا الوعد من الناحية القانونية وعدا باطلا فكل ما نتج عنه فهو باطل أيضا أي أن قيام دولة إسرائيل على الأرض العربية في فلسطين هو وجود باطل ويجب أن يزال طبقا للقاعدة القانونية التي تنص على أن ما بني على باطل فهو باطل ,, وأي مبادرات للسلام أو الاستسلام دولية كانت أو عربية فإنها تصب في هذا البطلان ولا أساس لشرعيتها .

وكلنا يعلم أن هذا الوعد ولد بعد ثلاثة سنوات من المفاوضات بين الحكومة الاستعمارية البريطانية والصهاينة من يهود بريطانيا قبل أن يرى النور بشكل خطاب من وزير خارجية بريطانيا جيمس آرثر بلفور إلى المرابي المصرفي الصهيوني البريطاني اللورد روتشيلد في الثاني من تشرين الثاني عام 1917.

وفي نفس السياق تم عرض نص وعد بلفور على الرئيس الأمريكي ولسون ووافق على جوهره ومضمونه قبل نشره واعترف به رسمياً وعلنيا عام 1919 لكن فرنسا وايطاليا وافقت عليه رسمياً عام 1918 ووافقت عليه اليابان عام 1920 ووافق عليه مؤتمر سان ريمو الذي عقده الحلفاء لوضع الخريطة السياسية الجديدة لما بعد الحرب العالمية الأولى بعدما أضافوا إليه قرار يتضمن انتداب بريطانيا على فلسطين عام 1922 الذي وافقت عليه عصبة الأمم في تلك المرحلة .

أسباب وعد بلفور المشؤوم .

أولا : القيمة الإستراتيجية للموقع الجغرافي لفلسطين بين القارات الثلاث أسيا وأفريقيا وأوروبا وقد وصف هيرتزل دور الدولة اليهودية الموعودة في فلسطين بقوله ” إنها ستكون الجدار الذي سيحميها من أسيا وسنكون الحارس الطليعي الذي يحميها من البربرية ” على حد زعمه .

ثانياً : تعمدت حكومة بريطانية آنذاك كسب ود الطوائف اليهودية في العالم لها أثناء الحرب العالمية الأولى ودعمها اقتصادياً والاستفادة من خبرائها وعلمائها وفي مقدمتهم حاييم وايزمن الذي اكتشف مادة الأسيتون الهامة في صنع المتفجرات .

 ثالثاً : التخلص من موجات الهجرة اليهودية إلى أوروبا وإعادة توجيهها إلى فلسطين .ما هي خلفيات وعد بلفور .

من أهم خلفيات هذا الوعد المشؤوم الذي تعهدت به الحكومة الاستعمارية البريطانية هدفين :

الهدف الأول بذل أقصى الجهود والإمكانيات من اجل إقامة ما يسمى الوطن القومي للشعب اليهودي المزعوم .

ثانياً : عدم السماح بأي إجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين ” والمقصود به هنا الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والهوية والحقوق في فلسطين ” بعد إنشاء هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني الجديد وهذه كذبة كبيرة لتضليل الرأي العالم العالمي لتمرير هذا المشروع الاستعماري .

لذلك سرعان ما ظهر التناقض الصارخ في التوفيق بين الهدفين بعد إعلان قيام الكيان الصهيوني المصطنع في فلسطين المحتلة بالمجازر والمذابح الجماعية وتشريد معظم أبناء الشعب الفلسطيني وتحولهم إلى لاجئين في مختلف بلدان العالم وتدمير مئات المدن والقرى الفلسطينية والتمادي في جرائم الحرب لنهب المزيد من الأرض لاستيطانها وتهويدها والمساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية  وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك الذي يتعرض للاقتحامات اليومية من قبل قطعان المستوطنين من دواعش الفكر الصهيوني العنصري التوارتي ألتلمودي الخرافي الأسطوري بحماية ورعاية جيش الاحتلال الصهيوني من اجل لتحقيق أهدافهم الإجرامية وفي مقدمتها هدم الأقصى وبناء ما يسمى الهيكل الثالث المزعوم كمقدمة الإعلان قيام ما يسمى الدولة اليهودية العنصرية

ومع تسارع الأحداث وصولا إلى حرب عام 1948 وما ترتب على هذه الحرب من نتائج خطيرة برزت قضية اللاجئين الفلسطينيين كإحدى أهم نتائج إعلان قيام الكيان الصهيوني المصطنع في فلسطين المحتلة.

 فاللاجئون الذين كانوا بضع مئات من الألوف عام 1948 أصبح عددهم اليوم أكثر من سبعة ملايين مواطن فلسطيني مشرد في مختلف أصقاع الأرض  تجمع بعضهم في مخيمات وتأقلم بعضهم الآخر في المجتمعات التي عاشوا فيها.

 ورغم ادعاءات السياسيين والمؤرخين الصهاينة بأن مسؤولية تشريد الفلسطينيين في حرب 1948 تقع على عاتق الدول العربية لأن اللاجئين تركوا وطنهم بناء على طلب من هذه الدول إلا أن القادة الصهاينة حاولوا البحث دائماً عن مخرج لهذه الأزمة من دون الاعتراف بذنب تشريد شعب من أرضه إضافة إلى التأكيد على عدم السماح بعودة هذا الشعب إلى موطنه الذي اخرج منه.

وتوافق الموقف الغربي من إيجاد حل لهذه المشكلة مع الموقف الصهيوني وسرعان ما بدأت تظهر على الساحة السياسية سيناريوهات ومشاريع هادفة إلى إيجاد حل لهذه المشكلة بما يتفق مع الموقف الصهيوني الثابت وهو عدم عودة اللاجئين.

ولم يكن موقف الإدارات الأمريكية المتصهينة المتعاقبة بعيداً عن هذه الجريمة التي لم يشهد العصر الحديث مثيلاًً لها وما كتبه الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى غولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني في تموز 1970 بهذا الخصوص ما يثبت التورط في دعم ومساندة الاحتلال الصهيوني في رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ارض أبائهم وأجدادهم في المثلث والجليل والنقب والساحل عندما قال ” إن بلادي لن تضغط لحمل إسرائيل على قبول حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين “. ومنذ ذلك التاريخ تتجاهل الإدارات الأمريكية المتصهينة المتعاقبة والأنظمة الغربية من أذنابها حق العودة الذي أقرته الأمم المتحدة في قرارها رقم 194 في عام 1947 والذي كان اعتراف ” إسرائيل ” بهذا القرار شرطاً عالمياً كأساس للسماح للكيان الصهيوني بالانضمام إلى الأمم المتحدة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الأنظمة العربية المتصهينة تساوق مع العدو الصهيوني في التأمر على الشعب الفلسطيني وقضية وحقوقه الوطنية العادلة وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المحررة من رجس الغاصبين المحتلين وعاصمتها القدس الواحدة الموحدة .

وفي هذا السياق لا نستغرب التساوق مع بعض المشاريع والمخططات الصهيوأمريكية المتعلقة بتصفية قضية اللاجئين وحق العودة على أساس التوطين والتأهيل والتجنيس حيث هم يقيمون بالإضافة لسياسة الفصل والعزل وما تم اقتراحه قبل أيام من قبل كبير المجرمين الصهاينة نتنياهو حول ضرورة وقف الهبة الشعبية الفلسطينية وحرب السكاكين ودهس الجنود والمستوطنين الصهاينة الطعنات بالسكين والاشتباكات أليوميه من خلال اقتراحه بتجزئة الأرض ونقل الفلسطينيين من الحدود ” الإسرائيلية ” ونقل المستوطنات من أراضي الضفة إلى حدود دولتهم

لكن هذا الاقتراح لا يشمل القدس ومحيطها من المستعمرات الكبرى بل يشمل معظم أبناء عرب فلسطين المحتلة عام 1948 لطردهم وتشريدهم إلى معازل أوسلو والتخلص من القنبلة الديمغرافية الفلسطينية التي كانت وما زالت تؤرقهم وترعبه وهذا الاقتراح ليس جديدا بل حلماً يحاول مجرمي الحرب الصهاينة تحقيقه بأي شكل من الأشكال .
وفي كل الأحوال إن هذه الذكرى المؤلمة والجرح الغائر في جسدنا الفلسطيني جاء للتذكير بما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جرائم حرب صهيونية في هذه الأيام والذي يعتبر امتداد لجرائم الحرب الصهيونية إبّان النكبة من قتل وتشريد وملاحقة.

 وأن عقلية أيام النكبة هي التي تدير أوار المعركة على أرض فلسطين التي يشنها الاحتلال والتي تستهدف حرق الأطفال الأحياء وإعدام الشباب على الحواجز الصهيونية بدم بارد  بدون وجه حق سوى ادعاءات “كاذبة” وضعت أبناء شعبنا الفلسطيني المقاوم في عين العاصفة لتؤكد للعدو قبل الصديق والشقيق أن العدو الصهيوني لا يؤمن بالسلام ولا يحترم القوانين ولا المواثيق الدولية ولا الاتفاقيات بل يؤمن بالقوة والإجرام لتحقيق أهدافه الإجرامية في فلسطين بشكل خاص وفي المنطقة بشكل عام .

لذلك فإن ما خذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة والدليل على ذلك هزائم جيش الاحتلال أمام مقاومي حزب الله المقاوم في لبنان وهزائمه أمام الأجنحة العسكرية الفلسطينية المقاومة خلال حروبه التي أعلنها على قطاع غزة المحاصر

akramobeid@hotmail.com

اترك تعليقاً