الأخبارالأرشيف

الدولة الواحدة تراث مضاد، هروب من الميدان وتعمية الرؤية – د. عادل سمارة

لم يتم إقحام الكيان الصهيوني في فلسطين ليبقى هذا الشعب في وطنه، بل لطرده تماماً حتى ولو على دفعات خاصة وأنه مُحاط بعمق عربي يحتضنه من جهة ويتعرض للتفكيك من جهة ثانية وبعوامل داخلية وخارجية معاً. هذا قرار وشغل الإمبريالية لصالح الصهيونية شانهما شان مختلف المستوطنات الرأسمالية البيضاء.

وعليه، ليست صفقة القرن سوى الإعلان عن ما كان مجسَّدا من ناحية عملية، وإن كان مغلَّفاً بطلاء رقيق تحت تسمية دولتين لشعبين.
أمَّا الحديث عن الدولة الواحدة في فلسطين المحتلة فيعود إلى قرابة قرن من الزمان. وهو تراث ابتدعته القوى التحريفية في الحركة الشيوعية، طبعا بعد لينين. ولأنه أتى من هناك، فقد تم طلائه بمساحيق تقدمية وماركسية وإنسانية وبالطبع جرت وتجري المفاخرة بذلك كما لو كان الأمر إنجازاً ثوريا.
مشروع الدولة الواحدة هو، بلا هوامش وتكديس كلام لغوي بحت، استدخال للهزيمة لصالح المشروع الاستيطاني الإقتلاعي. هو مطلب مناقض للتاريخ حتى تاريخ المستوطنات الراسمالية البيضاء، اي كندا، أمريكا نيويزلندا، استراليا ناهيك عن الاستيطان الإسباني في امريكا الجنوبية حيث في كل هذا كان المشروع بوضوح إفناء السكان الأصليين اي أهل البلاد، وهذا ما حصل.

أي ان الدولة الواحدة هي مساومة لصالح الاستيطان الصهيوني في فلسطين واعتباره منذ البداية “الشريك” الأساسي وصاحب “الحق” والقرار في الأرض، وهذا منسجم تماما مع وعد بلفور وصولا بالطبع إلى منح المستوطنين كامل الأرض.

ووعد بلفور ليس المؤامرة الوحيدة على القضية الفلسطينية، فكل عربي أو فلسطيني وافق ذات وقت على تسهيل الاستيطان في فلسطين، هو طبعة من هذا الوعد، مثلاً، موقف آل سعود من إعطاء فلسطين لليهود وموقف فيصل بن الحسين كذلك وكلاهما عام 1918 اي بعد بلفور بسنة. بل إن بقاء أية علاقة لأية دولة عربية مع امريكا وبريطانيا وفرنسا بعد وعد بلفور هو مشاركة في تصفية الوطن الفلسطيني وتمكين السيطرة الإمبريالية على الوطن العربي.

وعليه، فإن الرجعية والقبائلية العربية قد سبقت التحريفية في خدمة الكيان الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية بل استفادت من التلطي وراء تفاخر التحريفية بالسلام المضروب في عمقه باستسلامه للصهيونية والإمبريالية.

وإذا كان لنا صدق القول، فإن التطبيع مع العدو لم يبدأ كما نلاحظ الإهتمام به في العقود الأخيرة اي بعد احتلال 1967، بل هو أقدم بكثير مما يستدعي القيام بدراسة تاريخية توثيقية تحليلية لدور الأنظمة ومثقفين عربا في بناء الكيان الصهيوني، وليس أدل على ذلك من تسهيل هجرات اليهود العرب إلى الكيان الصهيوني.

وإذا رغب البعض، من قبيل المماحكة أو التغطية على دوره التطبيعي، لا نقول الخياني كي لا تُؤذى مسامع ذوي الآذان الرقيقة، فنحيلهم إلى موقف إيديولوجيي الصهيونية وسياسيي الصهيونية حتى اليوم.

ففي الوقت الذي تبارى ويتبارى عرب وفلسطينيون من بينهم، ودول صديقة سابقا والآن في تقديم أطروحات حلول جميعها مناقضة للحق الفلسطيني اي للتحرير، وجوهرها خدمة الكيان لا سيما وهي تتفاخر برفع شعارات مهزومة اي دولة أو دولتين، نرى أن العدو يطالب بكل شبر!.

ونقصد بالعدو مختلف اطراف الثورة المضادة وليس الكيان الصهيوني وحده، وتحديداً ليس نتنياهو وحده خاصة وأن كثيرين من العرب و الفلسطينيين وخاصة المشاركين في انتخابات الكنيست من فلسطينيي المحتل 1948 العرب ذليل الكلام بتصوير أن هزيمة نتنياهو في إنتخابات العدو سوف تفتح باب التاريخ للفلسطينيين وحتى للعرب!

في آخر حديث جغرافي لنتنياهو، وهو يمثل سياسة الكيان وليس حزبه فقط، أصر على ضم الأغوار والمستوطنات معلنا أنه لا يهتم بانحلال سلطة الحكم الذاتي وغضب الأردن ، وهذه بالمناسبة مجرد جولة من جولات ضم بقايا المحتل 1967 ، الضم بالتقسيط، مما يؤكد مقولتنا المبكرة بأن إتفاقات اوسلو هي جوهريا ضم المحتل 1967 بالتدريج مرفوعة على تقديم ريع مالي مقابل تمرير مشروع سياسي تصفوي.
إن اية قراءة لإيديولوجيا الكيان وسياسات حكوماته وأحزابه وجميع مستوطنيه القدامى والجدد لا يمكنها تجاهل بأن هذا العدو يعتبر كامل فلسطين، ولاحقا غيرها، دولة واحدة لجميع مستوطنيها.

هذا مفهوم العدو للدولة الواحدة، حيث لا يخفيه ابداً، وهذا يجعل التقرُّب إلى العدو “زُلفى” حتى لو أُحيطت تلكم التقرُّبات بمصطلحات من طراز: “السلام/ والسلام خيار استراتيجي، والحل العادل، وسلام الشجعان، وهجوم السلام…الخ” كل هذه ليست سوى ما نسميه “الاستقواء بالضعف”. إنه تبرع بالوطن للعدو على أمل تقاسم الوطن مع عدو لا يتقاسم مع أحد. وهذا يجعل كافة هذه المشاريع مثابة ارصدة للعدو بلا مواربة. وإذا كان فريق الدولتين مأخوذ ب “أمل” التقاسم في دولتين، وهذا ما ينفيه معسكر الثورة المضادة، فإن فريق الدولة الواحدة يذهب بما هو أدنى من التقاسم، اي إلى ترجي قبول خدماته وعبوديته إلى عدو اقتلاعي وعنصري معاً.

يتوكأ دُعاة الدولة الواحدة على أنها ستكون ديمقراطية وسيكون لكل شخص صوت واحد، وعلى أن الفلسطينيين يُنجبون كثيراً وبالتالي سيصبحوا هم الأكثرية…الخ. وهذه في الحقيقة نكتة سمجة تعلموها من أكاذيب التروتسك عن تجربة جنوب إفريقيا فنقلوها حرفيا دون الانتباه إلى أنها لا تنطبق قط على وضعنا.(أنظر الباب المتعلق بالمقارنة بين جنوب إفريقيا وفلسطين في كتابنا Debatable Issues Polemic Critique 2020(

لم يسقط الأبرثايد في جنوب إفريقيا إلا حينما اقتنعت الشركات الغربية وحكوماتها بان مصالحها تقتضي تغيير النظام هناك كي لا تتجذر الحركة الثورية هناك إلى حد تبني الاشتراكية. أي أن المهزوم هناك لم تكن الأقلية البيضاء بل الإمبريالية فاختارت طريقا خبيثا أوصل السود للسلطة بعد أن حُقنت برجوازيتهم بالفساد والتبعية والمساومة بمن فيهم مانديلا نفسه، وبالطبع تم الإبقاء على القمم الاقتصادية بيد البيض، وهو ما اسميناه “دولة بيضاء بوشاح اسود”. هذا ناهيك بأن الحديث عن ديمقراطية الطراز الغربي الراسمالي يأتي بعد أن أصبح الغرب هو الحالة الشمولية على صعيد معولم.
فيما يخص “دولة يهودية” جرى رفضها من ماركس فيما يخص المسألة القومية، ورفضها لينين صراحة، وحتى كاوتسكي كتب بوضوح:”إن مصير الدولة اليهودية في فلسطين مرتبط بمصير الإمبريالية التي إن خرجت من المنطقة ستنتهي دولة اليهود” وهذا ما كرره زبجنيو بريجنسكي عام 2006 بعد هزيمة الكيان في عدوانه ضد لبنان. وهو نفسه موقف جميع الثوريين الفلسطينيين والعرب مما يؤكد :
أن المعركة معولمة.

لأن التناقض تناحري

وبالطبع، هذا ما يفهمه ايضاً معسكر الثورة المضادة ويعمل بموجبه تماماً.

لعل آخر طبعات “الدولة الواحدة” ما طرحه ما يسمى “التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة” في ورقة بعنوان “نداء وصرخة من الأعماق”! حيث تنادي هذه “الصرخة” بدولة واحدة بين الفلسطينيين والمستوطنين.

“إبداع” هذه الصرخة جاء بدولة مع المستوطنين، في عملية مزايدة حتى مع دُعاة دولة مع اليهود الإسرائيليين!، وهذا يكشف بأن الانحطاط السياسي وصل مرحلة السباق على الاستسلام والتطبيع تحت وهم الذهاب إلى بطن الحوت في حين هو بطن الضبع

واللافت، أن هذه الصرخة جرى الإعلان عنها في نفس العام 2016 الذي قام فيه المستوطنون بإحراق الطفل محمد أبو خضير من بلدة شعفاط قرب القدس ، وأسرة الدوابشة في قرية دوما قرب مدينة نابلس! وكأن الأمر إمعان في التحدي والإهانة لمشاعر الشعب العربي الفلسطيني.
لا يسع المرء سوى الاستنتاج والإقتناع بأن من أعدُّوا هذه الصرخة يرون في الدولة مع المستوطنين عقيدة راسخة، هذا رغم الإعلانات المتكررة من الكيان بأنه يُصر على اغتصاب كل شبر.

ففي مراسلات بين إحدى حاملات هذا الوباء مع الرفيق جاد الله صفا في البرازيل كتبت له: “أليس المستوطنون في فنزويلا وكوبا هو الذين أنجبوا تشافيز وكاسترو”!

أمر مثير للسخرية والتندُّر حيث علينا الانتظار خمسة قرون لعل وعسى تلد لنا مستوطِنة بيضاء كاسترو في فلسطين! لا يختلف هؤلاء عن قوى الدين السياسي التي بعد تجربة أربعة قرون من الاستعمار العثماني وقرن بعده يواصلون الدعوة والدعاء بل والقتل لإعادة خلافة سلاطين عثمان الذين قطعوا ظهر الأمة العربية ولم يتركوا سوى قباب المساجد بينما تمتعوا بالقصور والنساء ” بمراتب ، جارية، قادين، إقبال …الخ”، وانتهوا أداة للغرب والصهيونية!

لعل قراءة دقيقة للحظة تحديداً تبين بأن دُغاة الدولة الواحدة والدولتين هما في خدمة صفقة القرن حيث:

تواصل الثورة المضادة هجومها التصفوي الشامل وخاصة تذخير وتفجير موجة التطبيع الرسمي العربي الخليجية بمضمونها الديني السياسي
بينما دُعاة الاستدوال يُحطمون عزائم المقاومة ويُرجئون المقاومة إلى مجيىء التاريخ بحل لا علم للعلماء به داعين الجميع إلى الركون إلى بيوتهم والدعاء والاستدعاء وهذه الخدمة القصوى للثورة المضادة.

وهكذا، بين عدو عامل وعملي، وبين فريق يخلع كل ما عليه وله من حقوق، تجد صفقة القرن مناخ عولمة وبائها.

وإذا كان هناك فريقاً وسطاً بين معسكر الثورة المضادة عالمياً وبين معسكر المقاومة ، فإن دُعاة الدولة الواحدة يُجندون الفريق الوسطي لصالح معسكر الإمبريالية، لأن ديباجتهم للسلام تُبيِّن المقاومة كرافضة للسلام والأمن. وبالطبع، لا يوجد لدى دُعاة الدولة الواحدة ما يقولوه لنا إجابة على سؤال: متى ستحصل جنَّة الدولة الديمقراطية الواحدة؟ متى سيقبل بها معسكر الثورة المضادة؟ كل ما يقولوه لنا: من اليوم وحتى حينه، إنتظروا، تحمَّلوا العذاب والتشرد والقمع وسرقة الأرض، لا تحتجوا، لا تصرخوا، دعوا الكيان ينهي مهمته فبعدها ستقوم القيامة!
بل، إن ما يقومون به هو مقاومة المقاومة.

 

ملاحظة: قد يسأل البعض ما الحل؟ الحل هو الدولة العربية الواحدة للجميع، وهذا يعني ان الحديث عن الدولة الواحدة هي مسألة رؤية مستقبلية لما بعد التحرير.