الأرشيفوقفة عز

الشهيد محمد محمود اسماعيل -غالب- 1956-1976 – نضال حمد

الشهيد محمد محمود اسماعيل -غالب- 1956-1976 – نضال حمد

قبل البدء في الحديث عن المخيم والشهيد أود أن أروي لكم حكاية أم الشهيد محمد اسماعيل -غالب- .. عندما أحضروه شهيدا وكان جسده على حمالة الاسعاف، تم وضعه على طاولة في النادي الثقافي التابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مخيم عين الحلوة. حضرت والدته بكل حزنها وفخرها وزغاريدها وأخذت ترقص فوق الطاولة حول جثمان ابنها الشهيد محمد. كانت تنشد له لوجهه المشع رغم الموت، الأهازيج والأغاني الفلسطينية. كل ذلك وسط حزننا وذهولننا نحن أطفال وفتية تلك المرحلة من عمر الثورة والمخيم والنضال. فقد إصطففنا حول الطاولة وحول جثمان الشهيد (غالب) لنلقي عليه نظرة وداعية، ولنعاهده على مواصلة المشوار الصعب حتى تحرير كامل تراب فلسطين.

في الحي الذي يقع فيه بيتنا بمخيم عين الحلوة بالقرب من بستان اليهودي سابقاً، وليس بعيداً عن مسجد الصفصاف الذي صار يسمى مسجد الشهداء في زمن المد الاسلامي بالمخيمات. في منطقة قريبا جداً وبمكان غير بعيد عن المسجد، الى الأمام قليلا قرب دكان المرحوم حسن الشايب ومقهى المرحوم جمال زيدان – أبو جميل زيدان- كان هناك الجسر الفوقاني، الذي كانت تحته تجري في الوادي أمطار الشتاء متجهة صوب الشارع التحتاني والجسر الآخر هناك، لتتابع طريقها الى الأراضي المشاعية وربما وصولا الى البحر.

كانت ولازالت تلك حارتنا وكان بيتنا يقع غربي شارع الصفصاف في الحارة التحتا، وشرقي الشارع التحتاني حيث مسجد النور والجسر القديم الذي غاب عن الوجود كما شقيقه الجسر الفوقاني وكما الوادي الشهير، وادي طفولتنا. تلك الحارة شهدت ولادتي مع جيل كامل من الفتية الذين نشأوا أشبالاً ثم فدائيين، منهم االشهداء والجرحى والمناضلين الأحياء ومنهم أيضاً المتعلمين والمتخرجين الجامعيين. في تلك الحارة التي تضم اضافة لعائلات الصفصاف بعض العائلات من الرأس الأحمر وسعسع. في الحي المذكور كان يقع مكتب للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مقابله مكتب لجيش التحرير الفلسطيني بقيادة الضابط الكبير الراحل مصباح البديري. خلف مكتب جيش التحرير بالضبط  كان بستان اليهودي الشهير بحمضياته والاشجار التي كانت تثيرنا نحن صغار الحارة، فكنا لا نتوانى عن تسلق الجدار والأشجار وقطف الفاكهة والثمار. منذ ذلك الوقت غاب البستان عن الوجود بعدما قصفته وأحرقته ثم جرفته قوات الصهاينة اليهود، قوات الغزو “الاسرائيلي” صيف سنة 1982 ليتحول فيما بعد الى حي سكني كبير صار الآن يشبه المخيم داخل المخيم.

في موقع الشعبية كان هناك مقاتلون وفدائيون فلسطينيين وعرب. ومن ضمنهم رفاق سبق ونشرت وكتبت عنهم مثل الشهيد القائد الميداني ابو أمين السبعيني والشهيد مصطفى ورد استشهدا في موقعين مختلفين في اقتحام الدامور، ابو أمين في البحر مقابل الناعمة ومصطفى في ملتقى النهرين حين استهدفه رشاش معادي من منطقة المشرف. كما هناك الشهيد غالب الطحلة والشهيد الشلبي والشهيد أبو الفجر.

لكنني اليوم سأتحدث في هذه المقالة عن الشهيد “غالب” محمد محمود اسماعيل من مخيم عين الحلوة في لبنان. وهو من مواليد سنة 1956 واستشهد عن عشرين سنة في اقتحام الفنادق يوم الأول من نيسان 1976. تعود أصول عائلته الى بلدة السميرية في فلسطين المحتلة. تهجرت من الأرض المحتلة في النكبة سنة 1948 وسكنت في مخيمات لبنان ومنها مخيم عين الحلوة.

كان الشاب غالب بشوشاً ومزيحاً واعتاد على أن يكون دائم الخضرة بلباسبه العسكري الميداني، وكأنه كان يستعجل الشهادة عبر التوجه المبكر الى ميادين القتال والمعركة. حسب ذاكرتي فإن أخوة الشهيد غالب كانوا ينتمون لحركة فتح وأمتازوا بالشجاعة والاقدام كما شقيقهم الشهيد. لا أعرف ما حل بهم في هذه الأيام وبعد كل تلك السنوات التي مضت. عشرات السنين من الفراق والحروب والهجرة والرحيل.

ذات يوم فرغ الموقع المذكور من المقاتلين ولم يعد فيه سوى مقاتل أو مقاتلين وربما عنصر ميليشيا من الجبهة لحراسته. فتسآلنا نحن فتية الحارة عن سر الفراغ الذي لم نعتده. ليتبين لنا فيما بعد أن الفدائيين ذهبوا كلهم للمشاركة في عملية اقتحام بلدات الساحل وأهمها السعديات والدامور، حيث كان الفاشيين الانعزاليين الشمعونيين والجميليين، القتلة المجرمين والارهابيين، يعتقلون ويعدمون ويقطعون رؤوس الفلسطينيين المارين من هناك في طريق عودتهم الى الجنوب. كان حاجز الدامور المذكور مسلخاً ارهابيا فاشيا انعزاليا توجب استئصاله وأجتثاته. وهكذا تمت السيطرة على الدامور لكن عدداً من فدائيي الموقع لم يعودوا الى موقعهم قرب بيتنا في المخيم.

ثم في يوم آخر وبعد فترة بسيطة من السيطرة على الدامور فرغ الموقع مرة أخرى من المقاتلين. إذ توجهت نفس المجموعة للمشاركة في عملة اقتحام الفنادق في بيروت. من ضمن فدائيي المجموعة كان الرفيق “غالب” الذي عاد من الفنادق شهيداً بعدما أصيب بطلق ناري قاتل أطلقه عليه أحد القناصة الانعزاليين. أذكر أنني ورفاقي وأصدقائي من فتية الحارة شاركنا في جنازته وشاهدنا بعض الرفاق وهم يقومون بتعليق ملصقات صوره على جدران المخيم.

المجد والخلود للشهداء ونحن على العهد أوفياء وأولياء للدماء.

نضال حمد

8-4-2021

الشهيد محمد محمود اسماعيل -غالب- 1956-1976 – نضال حمد