الأخبارالأرشيف

حزب الله والحراك الشعبي: عبء الحلفاء – أسعد أبو خليل

 

كان حزب الله في مرحلته الأولى حزباً ثوريّاً. كان الحزب يطرحُ مشروع تغيير نظام ثوريّاً لم يسبق له مثيل. كان الحزب يطالب بتقويض النظام الطائفي من أساسه وإقامة جمهورية إسلامية في لبنان. وتلازم مشروع إلغاء الطائفية وإقامة جمهورية إسلامية يبدو متنافراً، ويذكّر بشعار الجماعة الإسلامية في شوارع بيروت في المرحلة الأولى من الحرب: «لا للطائفيّة نعم للإسلام». والثورة يمكن أن تكون رجعية، أو أن تكون تقدميّة. ومشروع إقامة جمهورية دينية غير تقدّمي البتة. لكن حزب الله تطوّر ونضج ولم يعُد يطالب ــ لحسن حظ الجميع ــ بإقامة جمهورية إسلامية في لبنان. والقول إن مشروع الجمهورية الإسلامية للحزب يشبه المشروع الشيوعي للأحزاب الشيوعية، يُناقضه الفارق بين مشروع لا يميّز بين مواطنين على أساس العرق والدين والإثنية، وبين مشروع يميّز على أساس ديني ومذهبي. لكن لا ضرورة للحديث عن ماضي حزب الله، مع أن ماضيه يشغل أجهزة الدعاية الأميركية والسعودية (واللبنانية التابعة)، لأن حاضر الحزب لا يمدّ أعداءه بما مدَّه ماضيه. الحزب اليوم ليس حزباً ثوريّاً البتّة، بل هو حزب منخرط في السلطة اللبنانية، وبات يقبل بـ«الطائف»، مع أنه كان يرفضه في حينه (عدتُ إلى أعداد سابقة من مجلّة «العهد»، كي أتذكّر الفارق بين خطاب الحزب في الماضي وخطابه اليوم).

 

لم يكن انخراط الحزب في النظام اللبناني فجائيّاً أو متسرّعاً، بل كان تدريجيّاً. وتعامل الحزب مع الانتخابات النيابية، كما تعامل بجهد ومثابرة مع العمل العسكري: شكّل تنظيماً منضبطاً، وأعدَّ خططاً تفصيلية ووضع على رأسها أشخاصاً أكفّاء وملتزمين (كان محمد رعد مسؤول الآلة الانتخابيّة للحزب في البداية). ونجح الحزب في الانتخابات، وإن كان مظلوماً لأنّ غازي كنعان لم يكن يريد من الحزب أن يظهر متفوّقاً على «أمل»، وكان يفرض على الحزب (ضد إرادة الحزب) اتفاقاً بينه وبين «أمل». ولم يكن دور الحزب في المجلس النيابي باهراً، بل فاتراً وباهتاً. يُسجِّل الحزب لنفسه أنه لم يكن يقترع لصالح حكومات الحريري، لكن الاعتراض والاحتجاج ضدّ ظلم وقهر المشروع الحريري لم يكن من مهمّاته (كان نوّابٌ مثل نجاح واكيم وزاهر الخطيب وأسامة سعد يقومون بالمهمّة). وهل التحفّظ عن مشروع تدمير اقتصاد لبنان وإفقاره يكفي؟ وتفرّغ الحزب للمهمّة الأسمى، أي تحرير لبنان من احتلال إسرائيل. والقول إن معادلة الاقتصاد مقابل المقاومة حكمت لبنان في فترة رفيق الحريري كان خاطئاً. أو إن الحزب التزم بهذا التفاهم، لكن رفيق الحريري أخلّ به منذ أوّل يوم له في السلطة إذ كان يعدّ ويحيك المؤامرات (مع أعداء المقاومة في الداخل والخارج) كي يجهض عمل المقاومة. ينسى الناس أن جريدة «المستقبل» كانت تنتقد أعمال المقاومة ضد إسرائيل قبل تحرير لبنان من الاحتلال في عام ٢٠٠٠ (إن كل اللبنانيّين ساندوا المقاومة قبل عام ٢٠٠٠ كذبة اخترعتها ماكينة ١٤ آذار وانطلت: هل جبران تويني أو البطريرك صفير كانا يؤيّدان المقاومة؟).

لم يعُد الحزب ثوريّاً، أي أنه أصبح مراهناً على «الاستقرار»، بمعنى الحفاظ على الواقع كما هو منذ تفاهم الدوحة خصوصاً، وإن الانتخابات النيابية الأخيرة عزّزت موقع الحزب وحلفائه في المجلس النيابي. والاستقرار عند حزب الله يعني أيضاً تجنّب الفتنة المذهبية، التي يسعى لها ــ أو يهدّد بها ــ «تيار المستقبل»، وكلّ صفّ فريق النظام السعودي في لبنان. الحزب لم يرتَح منذ انسحاب إسرائيل المُذلّ من لبنان. الخطة الإسرائيلية كانت دائماً، ولا تزال، في إشغال الحزب بهموم داخلية وخارجية وإنهاك قواه كما حصل في الساحة السورية (لكن العدو أدرك متأخّراً أن التدخّل العسكري للحزب في سوريا أضاف إلى خبراته وتجربته القتالية، بصرف النظر عن تقييم هذا التدخّل). الحزب يخشى التغيير لأنّه بات جزءاً من التركيبة السياسية، وهي تناسبه لأنه يُحسن التعامل مع واقع يعرفه، ويخشى من واقع جديد لا يعرفه ويمكن أن يصرفه عن معركته الأساسية ضدّ إسرائيل. والاستثمار في الاستقرار هو استثمار في النظام السياسي الحالي بكلّ موبقاته وظلمه وفساده. وعندما تحدّث شربل نحّاس (وبدقّة شديدة) عن أدوار وزراء حزب الله في الحكومة، لم يبالغ عندما وصفهم بالنعاج: أي أنهم يجهدون كي يبقى القديم على قدمه، ويسعون لمنع انفراط الحكومة، أية حكومة، ولو على حساب مكافحة الفساد. كما أن الحزب، مثله مثل «التيار»، استثمر في التفاهم مع سعد الحريري، حتى أن الحزب وإعلام الممانعة أظهروا من القلق على سلامة سعد عند احتجازه في الرياض، أكثر ممّا أظهر «تيار المستقبل» نفسه. الحركة الاحتجاجية أتت لتنسفَ رهانات الحزب.

قرّرت حركة «أمل» مبكرة، التعامل مع الحركة الاحتجاجية على أنها خطر وجودي لها

 

لا يرتاح حسن نصر الله. لا يدع الأعداء نصر الله يرتاح، كما كان العدوّ لا يدع جمال عبد الناصر يرتاح. كان يشغله دائماً بمعارك جانبيّة وتهديدات داخلية وحروب، كما كان العدو يشغل عرفات في لبنان، فيجرّه إلى معارك جانبيّة ويحرّك عملاء (وبعضهم كانوا في فريق عرفات في القيادة) كي يمهّدوا الطريق أمام غزوة إسرائيلية أو اجتياح. ومثل عبد الناصر، فإن نصر الله يحمل على منكبيه آمال قطاع عريض في المنطقة (وقد تحجّمت قاعدة نصر الله الشعبية في العالم العربي بصورة ملحوظة، بسبب نجاح التحريض الطائفي والمذهبي وبسبب تدخّل الحزب في سوريا، والذي سُوِّق في الإعلام العربي والغربي على أنه نتاج عقلية مؤازرة طائفية). كان الناس يريدون من عبد الناصر تحقيق الاشتراكية والوحدة والرخاء للشعب المصري وهزيمة الإمبريالية وتحرير كلّ فلسطين. وبقدر ما كانت الآمال كبيرة، فإن القدرات كانت متواضعة بحكم المؤامرة التي أدارتها أميركا وقوى الاستعمار ضدّه. قد تكون الآمال المعلّقة على منكبي نصر الله أصغر من تلك التي حُمِّلت على منكبي عبد الناصر، لكنها لا تقلّ عنها في عظمتها: أي آمال الذين يريدون من نصر الله تركيع أميركا وتحرير فلسطين وتحقيق العدالة الاجتماعية.

هناك طريقتان لتقييم أداء حزب الله في الانتفاضة: واحدة تعتمد على معيار المُقيِّم (أي أن أقيّم أنا أداء الحزب على أساس مقارعة إسرائيل وتحقيق العدالة الاجتماعية والتحضير للشيوعية)، وأخرى تعتمد على معايير الحزب نفسها، وهي معايير أكثر إنصافاً له وأكثر دقّة في الحكم. الحزب في الانتخابات النيابية الماضية، استشعر حجم الغضبة الشعبية المتنامية في البقاع والجنوب ضدّ الفساد المستشري وضدّ نظام المحاصصة الذي لم يحقّق الإنماء أو فرص العمل لأهل البلاد من قاعدة الحزب. وأعلن يومها حرباً لا هوادة فيها ضدّ الفساد. لكنّ هذا الإعلان لم يؤثّر على التحالف الوطيد الذي أرساه الحزب مع حركة «أمل»، والتي أصبحت قيادتها (وبشخص رئيسها وزوجته) عنواناً للاحتجاج في الجنوب، خصوصاً في الأسبوع الأوّل قبل أن تستدرك «الحركة» الأمر وتنشر العقاب والقصاص على المحتجّين بمؤازرة بعض أجهزة الدولة وحزب الله.

تغيّر موقف الحزب من الانتفاضة من خلال خطبٍ ثلاث لنصر الله. في الخطاب الأوّل، نفى نصر الله بصورة قاطعة فكرة أن تكون الاحتجاجات قد اندلعت بإيعاز خارجيّ. وهو أكّد أنها انتفاضات ذات دوافع محلية ومُحقّة. لكن نظرة نصر الله تغيّرت في الخطابيْن التالييْن، إذ إنه ميّزَ بين تحرّك حقيقي ومُحق وبين تحرّك مُغرض ذي روابط خارجية معادية للحزب. طبعاً، تحوّل تمييز نصر الله بين نوعيْن في الحراك في الصحافة العربية والغربية إلى عناوين عن أن نصر الله وصف الحركة الاحتجاجية برمّتها أنها مؤامرة أميركية ــ صهيونية. لكن بعض إعلام الممانعة انساق نحو جزء واحد من تصنيف نصر الله، كي يُسبغ وصف المؤامرة على الحراك برمّته، ونقل نظرة النظام السوري إلى أي معارضة أو احتجاج ضدّه ليطبّقها على احتجاج لبنان. طبعاً، لا يمكن وصف حركة احتجاجية اندلعت عفوية نتيجة تراكم إجراءات اقتصادية ظالمة من قِبل السلطة، بالمؤامرة الخارجية، خصوصاً وأنها عمّت (في بدايتها) كل لبنان وشملت كل الطوائف. وكان ظاهراً فيها أن الناس لم يعودوا يتحمّلون ثنائية الفساد ــ القهر الطبقي السائدة في لبنان. والحزب يعلم من خلال بيئته، أن الشكوى من الوضع الاجتماعي الاقتصادي قد بلغت ذروتها. وتضمّن خطاب نصر الله الأوّل إصراراً على عدم إسقاط الحكومة أو العهد. ونصر الله يعلم أن أعداءه له بالمرصاد، وأنه لو أكّد على أمر، فإنّه بذلك يعطي إشارة (غير مقصودة) إلى أعدائه كي يثبتوا عكسها، وهذا ما حصل عندما أوعزت أميركا (راعية الحريري الثانية بعد السعودية التي تخلّت عنه) إلى سعد كي يستقيل.

وقد قرّرت حركة «أمل» مبكرة، التعامل مع الحركة الاحتجاجية على أنها خطر وجودي لها، وصدر أمرٌ لأنصار في «الحركة» كي يساهموا في قمع الاحتجاج وفضّه بالقوة (كان واضحاً في الظهور الأوّل لغلاظ في حركة «أمل» استعمالهم لأعلام من الحزب ولهتافات لنصر الله لنسب العمل إلى الحزب، ولتوريطه). وتأخّر الحزب للمرّة الأولى من هذا القمع، في نفي صلته به. لكن الأمر تكرّر ولا يمكن نفي مشاركة الحزب في أعمال قمع عنفية جرت في النبطية وفي بيروت في ما بعد. أما القول إن «أمل» تورِّط الحزب (وهذا قد يكون صحيحاً) فهذا لم يعد مقنعاً، لأن الحزب يستطيع في بياناته القاطعة والحاسمة أن يضع حدّاً للتضليل، لو كان يعتبر الأمر كذلك. أصبح الحزب مُشاركاً في قمع حركة احتجاجية قال عنها أمينه العام إنها انطلقت بدوافع نبيلة. كيف تستقيم هذه؟
لكن، كيف أصبح الحزب الأقل انغماساً في السلطة والأقل تأثّراً بالفساد (وإن كان الفساد قد وصل إلى «تخوم الحزب») الأشدّ دفاعاً عن النظام. لقد كان على الحزب أن يجري مفاضلة بين مشاركة الناس همومها وأوجاعها، وبين اختيار فريق الطبقة الحاكمة، وقد اختار صفّ الطبقة الحاكمة (والذي هو أقل استفادةً مالية فيه من جميع الأطراف). نظرية الفراغ تسري على الشوارع الاحتجاجية: إن لم تملأها أنتَ يملأها أعداؤك، وهذا ما حصل في حالة «القوّات». كانت الانتفاضة في اليومين الأولين موجّهة، بحق، ضد جميع أطراف السلطة، لكن «القوّات» سارعت إلى الاستقالة من الحكومة والنزول إلى الشوارع وتصنّع التعاطف. وهي شاركت بالهتاف على طريقتها (الصهيونية) مستهدفةً (بأوامر) سلاح حزب الله، الذي وصفته بـ«الإرهابي»، أي الوصف الصهيوني عينه. وتبع «المستقبل» وجنبلاط «القوّات»، كما سارعت أطراف السلطة إلى المشاركة في طرابلس والبقاع، ما أخلى الساحات من الثنائي الشيعي (وهذا الذي أعطى بعداً طائفياً للاحتجاجات فيما كانت مشاركة الحزب قد منعت الصبغة الطائفية عنها). وإذا كان نصر الله في أوّل خطاب قد عبّر عن قلق من النزول خشية حدوث احتكاكات، فإن ابتعاد الحزب كان أسوأ بكثير، لأنه عزل طائفة بحالها (بثنائيّها) عن الشارع، وبدا الحزب أنه الذراع الغليظة للسلطة، فيما كان جوزيف عون يحاول (بحسب المشيئة الأميركية، باعتراف السيناتور كريس مورفي في مقابلته مع «فورين بوليسي» بعد عودته من لبنان)، أن يجعل الجيش يظهر بمظهر المُدافع عن الشعب بوجه حزب الله. وقد وقع الحزب في الفخّ الذي نصبه له أعداؤه.

لم يعد خطاب الحزب عن محاربة الفساد له قيمة. لقد حسم أمره وقرّر أن التحالف مع حليفَين فاسدَين يعلو على محاربة الفساد وعلى هدف العدالة الاجتماعية. ولم يعد الحزب يحقّ له الاعتراض على شعار «كلهم يعني كلهم»، بالرغم من أن أصل الشعار هو مشبوه، لأن الحزب كان الأقل انغماساً في كعكة السلطة. حوّل الحزب نفسه في غضون أسابيع إلى اليد الضاربة للسلطة، والمكسب في ذلك كان الحفاظ على أواصر التحالف مع «أمل»، الذي اهتزّ في الأسبوع الأول، وظهرت علائمه على مواقع التواصل الاجتماعي (لأن «أمل» اعتبرت أن الحزب كان مشاركاً في الاحتجاجات في الجنوب التي استهدفت قيادة الحركة بالأسماء). وفي تحالفه مع «التيّار»، ارتبط الحزب برئيس تيّار شكّل لدى الكثير من اللبنانيين مصدر إزعاج ولأسباب حقيقية، تتراوح بين العنصرية والطائفية والزينوفوبية والانعزالية المُغازلة للصهيونية (بلغت من عنصرية وطائفية وانعزالية جبران باسيل في قيادته للتيّار، أنه جعل «القوّات» تظهر بمظهر المعتدل بالمقارنة). كما أن «التيّار» في التفاهم الرئاسي وافق على التغاضي عن الفساد، لا بل إن باسيل ربط «التيّار» بمصالح أثرياء أصبحوا نافذين في التيّار، على حساب قدامى الناشطين فيه من المُصرّين على «التغيير والإصلاح». ماذا بقي للحزب من مصداقيّة لمحاربة الفساد؟ يتذرّع الحزب بحجّة الخوف من الطائفية لتفسير إحجامه عن المضي في محاسبة السنيورة، لكن ألا يوجد شيعي فاسد واحد يستطيع الحزب أن يقدّم اسمه لمحاسبته؟ أم أن الطائفة الشيعيّة خالية جينيّاً من الفساد؟

حسناً، يوجد عند الحزب خوف كبير من الفوضى، كما أن نصر الله عبّر عن مخاوف (مُحقّة) من مؤامرة أميركية في الحراك. إن المؤامرات الأميركية لم تبدأ مع الحراك، ولن تتوقّف بانتهائه. المؤامرة الأميركية جارية، لكن الحزب سهّل مرورها. طبعاً، إن أميركا تتسلّل إلى كلّ حدث وكلّ شارع في العالم العربي لاستغلاله لصالح أميركا وحليفتها إسرائيل. والذي يشكك باستعانة أميركا بأوغاد الشوارع، لم يقرأ كتاب «كل رجال الشاه: انقلاب أميركي وجذور الإرهاب في الشرق الأوسط» لستيفين كنزر (والذي يعتمد على وثائق أميركية أُفرج عنها). تروي الوثائق كيفية استعانة الاستخبارات الأميركية بأوغاد الشوارع لإحداث قلاقل وأعمال شغب في إيران في عام ١٩٥٣. ومسرحية إنزال تمثال صدّام حسين من «ساحة الفردوس» في عام ٢٠٠٣، لا تزال ماثلة للعيان: كيف خطّطت وزارة الدفاع لهذه العملية، واستعانت بحرّاس شخصيّين لأحمد الجلبي (وكانوا يقبضون رواتب من الاستخبارات ومن وزارة الدفاع الأميركية) لتكسير التمثال، وعندما فشلت العملية التي أريدَ لها أن تكون عنواناً للغزو الأميركي، ظهرت الدبّابات كي تجرّ التمثال على عجل.

يوجد عند الحزب خوف كبير من الفوضى كما أن نصر الله عبّر عن مخاوف (مُحقّة) من مؤامرة أميركية في الحراك

 

دلّت جلسة استماع الكونغرس الأميركي الأخيرة عن لبنان، والتي أطلّ فيها جيفري فيلتمان، على توجهات الإدارة الأميركية. أعضاء الكونغرس الصهاينة عبّروا عن شديد اغتباطهم بأداء الحزب في لبنان: ليس هناك ما يسرّ أعداء الحزب أكثر من وضع الحزب (مثل أي نظام عربي) في مواجهة «الشعب»، ولقد وضع الحزب نفسه في هذه الخانة بسبب أخطائه. كان يمكن للحزب أن ينزل إلى الشارع، وكان يمكن لأنصار وأعضاء الحزب أن يشاركوا في الهتاف ضد الفساد (ألم يكن صعود الحزب في جانب منه صرخة احتجاج ضد الفساد الذي يستشري في قيادة «أمل» وضد القهر الاجتماعي عندما كان الحزب ينطق أكثر باسم المضطهدين والمستضعفين؟).

أحد أعضاء الكونغرس ظنّ أن الحزب هو طائفة من الطوائف اللبنانية فصاح: لقد سئم الشعب اللبناني من الانتماء الطائفي إلى «السنة والشيعة وحزب الله». وشهادة فيلتمان كانت صريحة في الاعتماد الأميركي المستمر على الجيش اللبناني للتحضير لدور مستقبلي ضد حزب الله (ولا يجد قائد الجيش الذي لا يتوقّف عن استقبال السفيرة الأميركية وشكرها على سلاح الخردة الذي تقدّمه أميركا للجيش، من ضرورة للتعليق على الفتنة الخطيرة التي تقول الإدارة الأميركية إنها أوكلتها إليه). وقائد الجيش (المُبتسم هذه الأيام) وجد متّسعاً من الوقت، لأن الوئام والسلام والاستقرار تسود في البلاد، لاستقبال السفيرة الأميركية والسفير البريطاني وتقديم عرض مفصّل عن دور الجيش (المرسوم أميركياً وبريطانياً) لحماية (فقط) حدود لبنان الشرقية، أي للتجسّس على حركة إمداد المقاومة، لأن الحدود الجنوبية لا يمرّ منها إلا الخير.

لا يعرف حزب الله، على ما يبدو، ممارسة التقيّة التي يتهمه به الطائفيّون المعادون للشيعة (ينسى البعض أن فقهاء السنة أجازوا التقيّة). هو يُجاهر بالتصريح بما يريد كي تعمد واشنطن إلى إجهاض تحقيق ما يريد. الحزب يصرّ على بقاء الحريري، فيستقيل الأداة الحريري. الحزب يريد حكومة وحدة وطنية، فتصرّ أدوات أميركا على رفضها. الحزب يرفض حكومة تكنوقراط، فتصرّ دول الغرب وإعلام الخليج عليها. لماذا لا يمارس الحزب لعبة الـ«بوكر» ويخفي مقاصده كي يتقدّم في اللعبة على أعدائه؟ لم يكن الحزب مستعدّاً للأزمة ولا يبدو أنه عالِمٌ بعمق الأزمة المالية والاقتصادية (الخطاب الأخير لنصر الله تضمّن كلاماً بعيد المدى عن «تنشيط الصناعة» على طريقة البيانات الوزاريّة عبر السنوات). وجمهور الحزب قرّرَ أن يغضب على شربل نحّاس الذي هو أقرب إلى المقاومة من معظم التيّارات المُشاركة في الحراك، والوحيد الذي يمتلك فهماً للأزمة. كان يمكن للحزب أن يوثّق علاقاته مع قوى لها تاريخ في المطالبة بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد.

الاحتجاجات لم تكن تتعرّض (إلا في حالات استثنائية) لسلاح المقاومة، لكن الحزب يشعر أحياناً أنه معنيّ أو مُستهدف حتى عندما لا يكون. أميركا وإسرائيل تستهدفان المقاومة دائماً، لكن الشعب مُثقل بهموم اقتصادية، مهما حاولت عناصر «القوّات» وأتباع النظام السعودي، جرّ الحراك نحو حزب الله. الحزب كان يمكن أن يُسهم في خلق جوّ متصالح مع المقاومة لو لم يستعدِ الكثير من المحتجّين. وقمع الاحتجاج بالقوّة، كما حدث في النبطية وصور، لم ينهِ حالة بل أجّل انفجارها. والانفجار المُقبل قد يصيب المقاومة. وتزامن الاحتجاجات بين العراق وإيران ولبنان يمدّ أعداء حزب الله بمواد دعائيّة لربط موقف الحزب بقمع الحكومة العراقية. يمكن للحزب أن يسأل نفسه: ما هو الموقف الذي سيزعج أعداء المقاومة أكثر؟ حتماً، الموقف الحالي هو خلاف ذلك.

 

* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» asadabukhalil@)