من هنا وهناك

فلسطين والفلسطينيون في عيون الاعلام اللبناني- فتحي كليب

فلسطين والفلسطينيون في عيون الاعلام اللبناني.. حرية قاصرة!

فتحي كليب

 

النظرة الغالبة تجاه الاعلام العربي ودوره في التعبير عن قضايا المجتمعات العربية هي نظرة سلبية في غالبها، إنطلاقا من الوظيفة والدور المأمول لاعلام خان رسالته الاعلامية في أن يكون مرآة صادقة او جسرا للتواصل بين الحاكم والمحكوم، فاصبح اعلاما اما يخاطب نفسه على شاطئ لا تصله امواج، او بات يلعب ادوارا سلبية في تزوير الحقائق ليكون ناطقا امينا بلسان الحاكم والسلطان، او حتى منفذا لاستراتيجيات ومشاريع سياسية خارجية، بل ان بعض هذا الاعلام ما تشكل الا ليكون اعلام فتنة وتحريض على الصراعات الطائفية والمذهبية وعلى بث روح اليأس والاحباط في صفوف المجتمع..

غير ان الحقيقة تقتضي منا الاشارة الى ان الصراعات والحروب وعشرات المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها المجتمعات العربية ليست جميعها من صنع هذا الاعلام الذي في كثير من الاحيان كان اما عاجزا عن مواكبة ما يحدث او وقع ضحية الصراعات بين مراكز القوى في الدولة الواحدة او بين مجموعة دول. لكن في الاستنتاج النهائي ان الازمة التي يعيشها الاعلام هي جزء من ازمة الديمقراطية في الوطن العربي وجزء من ازمة النظام، بكل مكوناته، مع المجتمع وحركته الصاعدة.. لدرجة يمكن فيها القول: ان مشكلة الاعلام هي جزء من أزمة سياسية كبيرة لا ينصلح حاله الا بصلاح حال النظام السياسي والاجتماعي في المجتمعات العربية..

رغم ان الاعلام اللبناني، يختلف عن الاعلام العربي في الكثير من العناوين سواء بما له علاقة بهامش الحرية النسبية المضمونة بنص القانون او بمواكبة القضايا العربية وتبني القضايا العادلة منها او لجهة نشر ثقافة حقوقية ديمقراطية تحترم حقوق الانسان او لجهة التفاعل مع القضية الفلسطينية، فوق ارض فلسطين.. الا انه بالنهاية يخضع لحقيقة كونه اعلام يعمل في اطار نظام سياسي واجتماعي له قوانينه ولا يستطيع ان يبدع خارج اطار الصراعات السياسية والطائفية حول وداخل وفي اطار هذا النظام.. وعلى هذه الخلفية فقط، قد نلتمس له بعض الاعذار التي هي ليست قدرا محتوما بل يمكن تجاوزها نحو فضاء ارحب متحرر من سطوة النظام الطائفي وسلبياته..

قد لا يختلف اثنان على الدور الذي لعبه الاعلام اللبناني، تاريخيا وراهنا، في مواكبة القضية الفلسطينية وتبنيها باعتبارها قضية عادلة في مواجهة قوى الاستعمار الغربي والاحتلال (الإسرائيلي).. كما لا يناقش احد في الدور الذي ما زال هذا الاعلام يلعبه نصرة لفلسطين وشعبها، وهو دور يتماهى مع مواقف اغلبية القوى السياسية والشعبية والنقابية اللبنانية وايضا الموقف الرسمي الذي يتقاطع في معظم عناوينه مع موقف الشعب الفلسطيني.. غير ان هذا التقييم قد لا ينطبق راهنا على جميع وسائل الاعلام في لبنان التي باتت تتعاطى مع الوجود الفلسطيني في لبنان انطلاقا من رؤى وخلفيات تتحكم بها القوى السياسة والطائفية وليس الاعلامية..

في نظرته الى القضية الفلسطينية، يتعاطى الاعلام اللبناني، كما السياسيين، وفق نظرتين متناقضتين:

الاولى: النظرة العامة للصراع مع (اسرائيل)، وهذه نظرة لا تتضامن مع الحقوق الفلسطينية ومع النضال الفلسطيني فقط بل وتتبنى القضية الفلسطينية لدرجة الابداع في التعبير عن الموقف وتعرية المشروع الصهيوني وممارساته ضد الشعب الفلسطيني. وهذا ما يبرز عادة في المواقف السياسية المعلنة للرؤساء الثلاثة مثلا او لأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله والعديد من الساسة والمثقفين والزعماء الروحيين الذين لا يتوانوا عن تقديم مواقفهم الداعمة للقضية الفلسطينية..

مثل هذه المواقف، وإن كانت تنطلق من خلفيات متباينة، سياسية وطائفية، الا انها تبقى مواقف ايجابية مقدرة فلسطينيا ويجب البناء عليها وتطويرها والعمل بشكل مشترك لتكون نموذجا للمواقف العربية والدولية المطلوبة في زمن اصبحت الكلمة سلاح نادر في ظل اتساع عمليات التطبيع المتسارعة بين بعض الدول العربية و(إسرائيل)..

الثانية: النظرة المحلية الى شعب فلسطين في لبنان، وهي نظرة تكاد تختلف مع النظرة الاولى الى درجة التناقض.. ولأن كانت فلسطين هي وطن الشعب الفلسطيني، اينما تواجد، فان “فلسطين الاعلامية” هي ليست فلسطين المنتشرة في المخيمات والتجمعات الممتدة من الشمال الى الجنوب مرورا بيروت وصيدا والبقاع.. فلسطين هنا تصبح ذات معنى ومغزى آخر. وطبعا هذا لا ينطبق على قلة من الاعلام الذي ما زال مؤمنا بفلسطين الشعب والقضية والمقاومة وفلسطين الحق والعدالة..

مثل هذا الكلام لا يعني للحظة ان ليس هناك سياسيون ومثقفون واعلاميون وصحافيون لبنانيون ما زالوا امناء على تاريخهم، يعلنون ويعبرون ويكتبون مواقفهم بشكل موضوعي بعيدا عن الحساسيات الطائفية والديمغرافية، لكن الحديث هنا هو عن السياسة الاعلامية للكثير من وسائل الاعلام اللبناني تجاه الوجود الفلسطيني “المحشور” في مخيمات لا تصلح لمعيشة بشر.. والصورة النمطية لهذا الاعلام في نظرته الى تلك المخيمات هي تلك الصورة الامنية والعسكرية وصورة السلاح المنتشر في طول المخيمات وعرضها وانتشار هذه الصورة في وسط الشباب الذي ولد في فترة ما بعد العام 1990 ولا يعرف المخيمات الا بسلاحها وثكناتها ودباباتها وصواريخها وطائراتها، علما ان الحالة العسكرية في المخيمات هي حالة متوافق عليها مع الدولة منذ العام 1991، لكن ليس هذا هو بيت القصيد اذا ما كان وجود السلاح قانونيا ام لا..

من يطالع ويشاهد ويستمع الى وسائل الاعلام الاعلام اللبنانية، يلمس ان هناك تعاطفا شعبيا، وسياسيا مع حالة البؤس التي يعيشها الشعب الفلسطيني في المخيمات. وهذا امر يرفع شأن كل من عبر عن وطنية وتقدمية امام الجمهور، سواء كان حزبا او مؤسسة او افرادا، وهي مواقف مقدرة من قبل كل افراد الشعب الفلسطيني الذين ما بادلوها الا بما استحقت من ثناء ومديح. غير ان المواقف على طريقة “قل كلمتك وامشي” او تسجيل موقف للتاريخ لا تكفي، بل يجب العمل والنضال لتبنيها من اوسع فئات المجتمع اللبناني كمقدمة تضع العلاقات الفلسطينية اللبنانية على مسارها السليم وتتخلص من عقد الماضي.. وفي هذه الحالة لا يكفي الاعتراف من قبل الأوساط السياسية اللبنانية ببؤس الحالة المعيشية في المخيمات، فاللاجئون لا يحتاجون الى المشاعر فحسب، بل الى سياسة عملية ترفع عن كاهلهم البؤس المنتشر في المخيمات المهملة على امتداد عقود من الزمن، خاصة وان الحالة السياسية اللبنانية ما زالت تفتقر الى الاجماع الداخلي حول هذه القضية، كما الامر تاريخيا، وهو ما يعيق صدور تشريعات تضمن لللاجئين الفلسطينيين حقوقهم الانسانية والاجتماعية.

نتيجة لتجاهل الكثير من وسائل الاعلام اللبنانية للواقع اليومي للمخيمات، المعيشي والحياتي، فان صورة المخيم في عيون بعض اللبنانيين هي صورة مغايرة لواقعها الفعلي. وكم من الروايات والقصص، وبعضها يثير الاستغراب الى درجة الدهشة، ان كثيرا من اللبنانيين لا يعرفون شيئا عن المخيمات، موقعها الجغرافي.. سكانها.. كيف تعيش.. الخ، وان ما يقدم لهم من معطيات ومعلومات هو اشبه بالتلقين التحريضي العائد الى زمن الحرب الاهلية، رغم ان الفلسطينيين، بجميع تياراتهم يعلنون التزامهم، بسبب وبدون سبب، بالقانون وبالنظام العام، الا ان هناك من يصر على العودة بهم الى زمن مضى..

في زمن العولمة وثورة الاتصالات، يخطئ من يعتقد انه قادر على اخفاء اوجاع الناس داخل المخيمات، فالشمس لا يمكن اخفاءها بغربال. إذ رغم كل هذا التجاهل المقصود، فلا امكانية للهروب من واقع ان اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ينفردون بخصوصية معينة، تاريخية وسياسية واجتماعية وباعتبارهم لاجئون في لبنان بشكل قسري ورغما عنهم، وهذا كلام سياسي وقانوني وانساني واخلاقي ايضا، ومن يقل غير ذلك فهو انسان لا لا يقيم وزنا لقيم العدالة والانسانية. كما لا امكانية للهروب من حقيقة ان اللاجئين، ونتيجة لمواقف بعض القوى والتحريض المتكرر من وسائل اعلام، ما زالوا يحملون الإرث الثقيل للنتائج الأليمة للحرب الأهلية اللبنانية وما زالوا إلى الآن يدفعون ثمنها يوميا، حتى وان هذه الحرب قد انتهت منذ نحو ثلاثة عقود. رغم أن الأطراف اللبنانية المختلفة، توصلت إلى اتفاق الطائف الذي طوى ملف الحرب، إلا أن هذه الاطراف لم تخط إزاء الوجود المدني الفلسطيني في لبنان، الخطوات اللازمة لتصفية إرث الماضي وإغلاق ملفاته نهائيا، لأسباب محلية، بحيث يمكن القول ان جميع الملفات الموروثة من زمن الحرب قد فتحت باستثناء الملف الفلسطيني الذي ما زال مقفلا على من فيه ويرزح تحت ضغط أوضاع إجتماعية وإقتصادية سيئة.

في استعراض بانوراما الوجع الفلسطيني، يمكن الاشارة الى انه منذ توقيع الطائف اتفاق في بداية التسعينات وحتى اليوم، اعتمدت السلطة اللبنانية سياسة تجاهلت فيها الحالة الفلسطينية، المدنية والانسانية، في لبنان باعتبارها حالة مجتمعية، واقتصر التعاطي معها على النظرة الامنية فقط، وبنتيجة هذه السياسة تحولت قضية اللاجئين في لبنان من مسألة ذات ابعاد سياسية وقانونية الى مسألة ذات ابعاد امنية وعسكرية. وانطلاقا من هذه السياسة، تحولت المخيمات “ومن مدخل السلاح المبالغ فيه” الى حالة استخدامية لدى جميع القوى السياسية اللبنانية.. مع اصرار البعض على اعتبار السلاح مدخلا اجباريا لبحث قضية اللاجئين الفلسطينيين، واختصار الأمر، برمته، وكأن المسألة تتعلق بمصير هذا السلاح وكيفية اعادة المخيمات تحت السيادة اللبنانية. ففي هذا المدخل تجاهل لقضايا اخرى، وفيه ايضا ما يعيد تقديم الوجود الفلسطيني في لبنان وكأنه مجرد حالة أمنية عاصية على القانون اللبناني، بل أن حالة المخيمات معزولة عن سياقها السياسي التاريخي، والراهن.

ليس غريبا ولا مستهجنا ان تتعاطى بعض القوى مع المخيمات وفق نظرية “مؤامرة السلاح” التي تعتقد، مخطئة طبعا، ان تحويل المخيمات من حالة عسكرية (عاصية على السيادة اللبنانية كما تقدم في العديد من وسائل الاعلام) الى حالة مدنية انسانية، خطر على الحالة اللبنانية، خاصة اذا ما تضافرت الضغوط الدولية على الاطراف العربية المضيفة لتحمل بعض أعباء قضية اللاجئين خارج اطار حقهم في العودة..

مثل هذا التفكير موجود لدى قوى سياسية تمتلك منصات ووسائل اعلامية تعمل على بث منطقها وسياساتها في وسائلها المختلفة وتحرض عليها بشكل يومي باعتبارها حقائق على الارض. غير انه لا يمكن الادعاء وكأن تسليم المخيمات سلاحها بات موضع إجماع لبناني. ولا نذهب بعيدا، أو نجافي الحقيقة السياسية، اذا ما قلنا ان قوى سياسية في لبنان ومن اتجاهات ومواقع مختلفة، لا ترى مصلحة في سحب سلاح المخيمات، بل ان بعضها يخون من يتحدث بهذا المنطق من الفلسطينيين واللبنانيين. وبعض هذه القوى يرى ان بقاء السلاح في المخيمات يخدم سياسته في إبقاء قضية اللاجئين الفلسطينيين ساخنة ومدرجة على الأجندة السياسية في لبنان، وخارجه، واداة ضغط على المجتمع الدولي لشد أنظاره على الدوام، الى الوجود الفلسطيني في لبنان، لإدراجه في باب الأولويات عند بحث هذه القضية في اية تسوية تطرح على طاولة المفاوضات.

رغم كل ما يقال عن الاعلام اللبناني من هامش حريات وديمقراطية تفرضها الخصوصية اللبنانية في محيط عربي ديكتاتوري يعج بالصراعات، الا ان نظرة هذا الاعلام، وبسبب من ظروف تشكله، تجاه قضايا ذات اهمية، ليس لأصحابها فقط، بل وللمنطقة والعالم، نجده يسير باتجاه مخالف للتوصيف السابق. فالضحية في المخيمات يتحول الى مجرم وقاتل، والوجود المدني يتحول الى ثكنات مدججة بالسلاح.. والصورة الحقيقية لواقع المخيمات يتم تجاهلها وتستبدل بواقع مختلف ينسجم مع رؤية سياسية لهذا الحزب او ذاك.. والامثلة على حالات الوجع التي يتم تجاهلها اعلاميا لا تحصى، وعلى سبيل المثال:

– بتاريخ 21/5/1987 الغى مجلس النواب اللبناني من جانب واحد، اتفاق القاهرة الذي كان ينظم الوجود المدني والعسكري للفلسطينيين في لبنان. وبالغاء هذا الاتفاق، عاد الوضع المدني/ القانوني للفلسطينيين في لبنان شبيها بما كان عليه قبل العام 1969، لجهة الحرمان من ابسط حقوق الانسان.. وبامكاننا ان نتخيل كيف لمجتمع ان يعيش حياة طبيعية، هادئة ومستقرة، في ظل غياب قوانين ترعى اوضاعه.. وكان يفترض بمؤسسات الدولة اللبنانية ان تستعيض عن الاتفاق الملغى بقوانين تنظم حياة البشر، اي قوانين.. ولا نتحدث هنا عن مضامين معينة لهذه القوانين، لكن الذي يحصل ان الفلسطينيين دائما ما يصورون في الاعلام وكأنهم ضد القانون وضد النظام العام في لبنان، دون ان يعرف احد حقيقة هذه القوانين التي يصور الفلسطيني انه ضدها.

– لعبت القوانين اللبنانية دورا رئيسيا في حالة الافقار التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. وعادة ما يركز الاعلام اللبناني على مواقف بعض السياسيين بأن لبنان لا يستطيع تأمين الوظائف لأبناءه فكيف يمكن تامينها للفلسطينيين، وتقدم المعطيات الرقمية عن حالات الفقر والبطالة في لبنان وغير ذلك من مظاهر عجز للدولة حتى يتم تبرير تقصير الدولة الخدماتي تجاه الفلسطينيين المقيمين على ارضها. وفي هذا تضليل يجافي الحقيقة ويجافي المطالب الفلسطينية التي لم تطالب يوما الدولة اللبنانية بتأمين وظائف للعمال الفلسطينيين، بل ان المطلب الفلسطيني، وانطلاقا من طبيعة الاقتصاد اللبناني القائم على المبادرة الفردية والاقتصاد الحر، كان في توفير الحماية من قبل القوانين اللبنانية، والمثال الفاقع هو عدم اقبال الفلسطيني على الحصول على اجازة عمل لمعرفته المسبقة انها لن تقدم له اية مكتسبات.. وتكفي نظرة بسيطة على عدد اجازات العمل الممنوحة للفلسطينيين في الاعوام الاخيرة التي لم تزد خلال خمسة سنوات عن 625 اجازة من اصل 160 الف اجازة عمل منحت للاجانب لنتعرف على حجم هذه المعاناة التي لم تستفز انسانية اي مسؤول لبناني..

– وفق معطيات وكالة الغوث، فان ثلثي الشعب الفلسطيني في لبنان هم من الفقراء، وان (95) بالمائة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان غير مشمولين بأي تأمين صحي. اما متوسط إنفاق الفرد من اللاجئين الفلسطينيين فهو شهريا حوالي (195) دولارا أمريكيا بالمقارنة ب(429) دولار أمريكي متوسط إنفاق الفرد اللبناني شهريا.

– الكثافة السكانية العالية في المخيمات والتي ازداد الضغط عليها خلال السنوات الماضية مع كل ما رافق ذلك من مشكلات ناتجة عن هذه الكثافة بكل ما لهذا الامر من نتائج وسلبيات على مختلف المستويات التي تقود حكما الى الضغط على البنية الاقتصادية والاجتماعية الموجودة وهي أصلا تعاني من مشكلات.

– عام 2001 اقر مجلس النواب قانونا قضى بمنع الفلسطينيين في لبنان من حق التملك، الامر الذي ولّد آلاف المشكلات التي ما تزال دون حل حتى هذه اللحظة. رغم المناشدات الفلسطينية والدولية بضرورة الغاء هذا القانون المجافي لشرعة حقوق الإنسان (قدسية حق السكن) بسبب عدم قدرة المخيمات على تحمل الضغط السكاني المتزايد.

– تراجع القوة الشرائية وارتفاع نسب التضخم واقفال البلدان الخليجية ابوابها امام المهنيين والخريجين من حملة الشهادات الجامعية وعودة البعض منهم، اضافة الى ذلك تراجع تقديمات وكالة الغوث والمؤسسات الاجتماعية نتيجة سياسات الدول المانحة..

– نتيجة الاهمال المتواصل من قبل المرجعيات المعنية، ما زالت المخيمات ترزح تحت وطاة مجموعة من الازمات الاقتصادية والاجتماعية. ولهذه الغاية جال عدد من وزراء حقائب الخدمات يمثلون مختلف التيارات السياسية على عدد من المخيمات عام 2008، ولمسوا حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون لدرجة ان بعضهم لم يستطع تحمل الصورة امامه وبكى امام الكاميرات. وعلى اثر هذه الجولة قدمت وعود بنقل الصورة الى الحكومة بهدف تقديم الحلول، لكن شيئا من هذه الحلول لم يتحقق حتى هذه اللحظة.

– هذا اضافة الى مجموعة من الملفات العالقة التي تحتاج الى معالجات حقيقية من قبل الدولة اللبنانية، منها معالجة مشكلة فاقدي الاوراق الثبوتية وتقديم الخدمات للمخيمات من قبل الوزارات المعنية. اضف الى كل هذا مشكلة مخيم نهر البارد الذي دمر في العام 2007 ولم يتم بناء القسم الاكبر منه حتى الآن، مرة نتيجة عدم وجود اموال ومرة اخرى نتيجة انقسامات لبنانية حول هذه المسألة.

هذه هي الصورة الحقيقية للفلسطينيين واوضاعهم في لبنان، وهي صورة دائما ما يستعاض عنها بصورة اخرى مغايرة للواقع الفعلي، بحيث يتم التركيز، وبشكل متعمد، على جوانب اخرى لحرف النقاش عن مسؤولية الدولة وسياساتها التضييقية والتي وصفها كثير من السياسيين والمراقبين المحليين والدوليين بأنها تندرج في باب سياسة التمييز العنصري التي تمارسها الدولة اللبنانية، في محاولة منها للإيحاء بأنه كلما زاد بؤس اللاجئين وتدني مستوى معيشتهم، كلما تمسكوا اكثر بحقهم في العودة. لكن الواقع الفعلي يؤكد أن مثل هذه السياسات والإجراءات لم تنتج سوى بطالة وأمراضا واوبئة واضطرابات اجتماعية، لا يمكن لحواجز الأمن في محيط المخيمات أن تحجب تداعياتها على الجوار. كما أثبت الواقع الفعلي أن مثل هذه السياسات أنتجت تهجيرا قسريا لعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من لبنان، وفي هذا الجانب بالتحديد يربط اللاجئون بين اجراءات وزارة العمل اللبنانية والتطبيقات الميدانية لصفقة القرن، انطلاقا من ان النتيجة المؤكدة لاجراءات تلك الوزارة هي التهجير الذي يسعى الاميركيون و(الإسرائيليون) الى فرضه على اللاجئين..

بكل تأكيد هذه الصورة غائبة كليا عن اولويات الاعلام اللبناني الذي لا يرى المخيمات الا من خارجها، دون ان يكلف نفسه عناء الدخول الى مستنقع المعاناة والقهر الموجود داخلها.. ولعل الجميع في لبنان وخارجه، يعلمون طبيعة الصورة في الداخل والتي تختلف الى درجة التناقض عن الصورة المشكلة من الخارج، نتيجة التحريض والضخ الاعلامي اليومي.. فما هي هذه الصورة وما هي تفصيلاتها التي تتكرر كل يوم؟ 

صورة المخيم من الداخل هي صورة النساء اللواتي يحملنّ احلامهنّ لمستقبل جميل.. صورة الكهل والطفل.. وصورة السلاح ايضا، صورة شبان وصبية.. وطفل يحمل حقيبة مدرسة وعامل يذهب باحثا عن قوت اطفاله.. هذا هو المخيم الفلسطيني.. مجتمع قائم بذاته يعيش حياته كبقية البشر وان انعدمت مقومات الحياة فيه..

مهما حاولوا ان يغيروا هذه الصورة، فلا يمكن النظر للمخيم الا باعتباره وليد النكبة وتوأم اللاجىء ووعاء نضالي وثقافي واجتماعي ومخزون للنضال وللعلاقات التقليدية التي ارادها ابناؤه كتأكيد على معنى الوجود المرتبط بالماضي والمحافظ على الهوية الوطنية التي يجسدها هذا المخيم.. كشاهد حي على المأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني.

يخال الانسان نفسه حينما ينقل معاناة ابناء المخيمات، انه يعيش في عصر غير عصره، وفي تاريخ طوى النسيان انسانه، في ظروف قل ان شهدها شعب آخر. ولعل المفارقة ان الجميع يجزم بأن وضع اللاجئين الفلسطينيين، وعلى الاخص لاجئي لبنان، هو الاسوأ من بين لاجئي العالم.. فيما المرجعيات المعنية وبدلا من معالجة اسباب هذا الحرمان نراها تمعن في تعميق الجرح النازف في جسد اثخنته الجراح.

البانوراما الحية تتواصل معاناة يومية، فمن صحة مستباحة لضحايا يستسهل الموت اختطافهم على ابواب المستشفيات، الى مدارس وصفوف يتكدس فيها التلاميذ كعلب السردين، الى مهجرين تتقاذفهم المنازل الهشة وتلسعهم علب الصفيح هنا وهناك فلم يجدوا سوى التحاف السماء.. ويستمر مسلسل المخيم، من مشاكل المياه الى عتمة الكهرباء الى الطرقات والازقة.. الى سوق عمل مقفل ومنازل ضاعت مفاتيحها بعد قانون التملك.. هذا هو الانسان الذي يعيش المخيم والذي لا يكفيه كل هذه المعاناة حتى تأتيه معاناة التحريض الإعلامي من قبل الكثير من وسائل الاعلام اللبنانية.
وبعد، سؤال لا بد منه !

هل معالجة كل هذه المآسي يقود الى التوطين، هل بقاء هذه الشواهد هي دليل البعض للمحافظة على العودة؟

ونعود لنقول نعم هناك اعلام وطني في لبنان يتفاعل ايجابا مع معاناة الشعب الفلسطيني، لكن هذا لا يمنع القول ان اجندة بعض وسائل الاعلام واولوياته تبدو مختلفة عندما يتعلق الامر بالحقوق الانسانية للفلسطينيين في لبنان.. لماذا كل هذا التجاهل للواقع الحياتي والمعيشي في لبنان؟ رغم ان الفلسطينيين بجميع فصائلهم وتياراتهم اعلنوا واثبتوا، واحيانا على حسابهم، انهم خارج الصراعات اللبنانية الداخلية؟ وحتى في الجانب التقني والمهني: هل ان المخيمات ومن فيها، او الموضوع الفلسطيني في لبنان بشكل عام ما زال جاذبا للاعلام اللبناني، وما زالت المخيمات تكنز موادا اعلامية تهم المشاهد والقارئ والمستمع غير مادة التحريض؟ اذا كان الجواب بنعم، وهي كذلك، فان اسباب التجاهل نابعة من قرار سياسي مقصود، حتى ولو كانت العلاقات الفلسطينية ى اللبنانية لا زالت تشكل عنوانا هاما وجاذبا للجمهور، بغض النظر اي جمهور.. وهنا وجب علينا مناقشة الابعاد والدوافع السياسية التي ترسم الاستراتيجيات الاعلامية.

في النقاش العام حول مشاكل الاعلام في العالم العربي نصل الى خلاصة ان هذا الاعلام يتوزع على ثلاثة انواع:

1) الاعلام التابع للنظام الرسمي العربي والذي لا وظيفة له الا تقديم النظام وسيده امام الرأي العام بأجمل صورة ممكنة، اضافة الى محاولة توجيه الرأي العام نحو قضايا هامشية فنية او مجتمعية او غير ذلك والتعتيم على قضايا وطنية كبرى قد يثير طرحها حساسيات المجتمع اذا ما قدمت بشكلها المناسب.

2) اعلام المال والنفوذ الاقتصادي، وان كان الهم الاساسي لهذا النوع من الاعلام هو الدفاع عن مصالحه وامتيازاته، الا انه اعلام يتماشى مع اعلام النظام، وان كانت القضايا المجتمعية التي يثيرها تلفت نظر الجمهور وتشده لفترات ليس بالطويلة، نتيجة قدرته على جذب الكفاءات والتقنيات التي قد لا تتوفر في اعلام السلطة.. واولوية هذا الاعلام ليس حماية الدولة او القانون وتطبيقه، وليس حتى المصلحة العيا للشعب، بل اولويته نسج افضل العلاقات مع النظام ورموزه بما يؤمن لمصالحه الاقتصادية والسياسية الحماية المطلوبة..

3) اعلام الاحزاب والقوى المجتمعية التي تعلن مواقف صريحة من قضايا المجتمع والشعب ويتصادم في احيان كثيرة مع السطة وسياساتها.. ولعل هذا النوع من الاعلام هو الاكثر شعبية بين صفوف الشعب لانفراده بطرح قضايا يتم التعتيم عليها من قبل اعلام السلطة ورجال الاعمال.. ومثال ذلك القضية الفلسطينية التي نراها حاضرة بقوة في وسائل اعلام خاصة بأحزاب تتخذ من دعم فلسطين وشعبها عنوانا صريحا في العديد من برامجها وتفتح الهواء في العديد من المنعطفات..

الاعلام اللبناني، ورغم الانطباع العام انه اعلام حر ويتمتع بهامش اوسع بكثير من وسائل الاعلام في العالم العربي، الا انه في التوصيف العام لا يختلف كثيرا عن وسائل الاعلام في بعض الدول العربية لجهة ارتباطه اما بقوى طائفية او برجال اعمال او بحركات سياسية لها اجنداتها الخاصة من قضايا محلية واقليمية ودولية، وبالتالي فان فليس من العدالة الحديث عن اعلام موحد في لبنان بل عن منصات اعلامية لكل منها سياسته التي تنسجم وسياسة الحزب او الطائفة التي ينتمي اليها..

وقد اظهر تحقيق استقصائي اجرته في نهاية عام 2018 منظمة “مراسلون بلا حدود” و “مؤسسة سمير قصير”، “ان السوق الإعلامية اللّبنانية التي هي نابضة بالحياة، إنما هي خاضعة في الواقع لسيطرة عدد محدود من أصحاب الوسائل الإعلامية ذوي الارتباطات السياسية العميقة، من خلال أحزاب أو عائلات سياسية، التي تؤدي لتشكيل تهديدات إضافية أمام التعددية الإعلامية، بسبب الخطوط التحريرية التي تتحدد وفقا للاعتبارات السياسية.

وبين التحقيق ان هناك 37 وسيلة إعلامية تتمتع بأعلى حصص متابعة في لبنان وهي محصورة بأيدي (8) عائلات، و(3) أحزاب سياسيّة، وتستحوذ (4) شركات تلفزيونية على نسبة مشاهدة تزيد عن (78%). وبالنسبة للصحافة المكتوبة فالصورة لا تبتعد كثيرا، إذ تستحوذ (4) شركات على نسبة مشابهة من القراء تصل نحو (80%). فيما اخطر ما اشار اليه التحقيق ان لبنان نال المعدل الاعلى لجهة تسييس وسائل الإعلام بين 16 دولة وبنسبة بلغت (79.3%)..

هذه النتيجة تؤكدها الكثير من الوقائع على الارض. وفي العلاقة مع اوضاع الفلسطينيين في لبنان، فان انحياز وسائل الاعلام اللبنانية في تغطيتها ومتابعتها للاحداث تبدو ملموسة لدى الغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الذين وجهوا مؤخرا سهام النقد الى العديد من وسائل الاعلام اللبنانية في طريقة تعاطيها من التحركات الشعبية الاحتجاجية التي تشهدها المخيمات..

يلاحظ المتابع بلا عناء ان الاعلام اللبناني، وبعضه يتخذ موقفا عدائيا مسبقا من فلسطين والفلسطينيين، انه يتعاطى مع الكثير من الاحداث بمنطق الاستنتاج المسبق الذي يحتاج الى رواية لتؤكده. فالاحداث الكبرى التي يكون الفلسطيني احد اطرافها يتم تضخيمها بشكل مبالغ فيها، وحين تقع جريمة ما مثلا ويكون القاتل فلسطينيا يشار الى ان القاتل هو فلسطيني من مخيم كذا وكذا واحيانا تذكر سيرة عائلته وغير ذلك من معلومات تؤكد انه فلسطيني من رأسه حتى اخمص قدميه. لكن عندما يأتي هذا الفلسطيني ليقدم ابداعاته وكفاءاته في مجالات الاقتصاد والسياسية او في حقول الفكر والادب والفن والرياضة وكل صنوف المعرفة يصبح الفاعل مجهولا، بل احيانا ولمزيد من الشفافية تذكر المنطقة التي يقيم فيها او اسم مدرسته..، وهنا نستحضر المقولة الصهيونية التي تمادت في عنصريتها “ان الفلسطيني الطيب هو الفلسطيني الميت”، في حالة فريدة في بلد الحرية والديمقراطية عاصمته ام الشرائع والقانون..

قد يقول احدهم ان الاعلام لا يصنع حدثا بل هو مرآة عاكسة لما يدور في المجتمع من احداث، وهذا صحيح في جزء كبير منه، غير ان الصحيح ايضا ان بعص وسائل الاعلام تذهب بعيدا في بث رسالتها الاعلامية لتتحول من جسر بين الحدث والمواطن الى رسالة تحريضية يجب ان تحاسب عليها قانونا. وإذا كانت المتطلبات التحريرية في صياغة الرواية تعطيها بعض الهوامش التي يمكن ان تعلب عليها، فهذه الهوامش لا تعطيها حق صياغة الاخبار لتصبغها بمواقف واستنتاجات موجودة مسبقا لديها، فترى هذه تصنع خبرا واخرى تفبرك تقريرا وثالثة تتجاهل واقعة.. وكثيرة هي النماذج التي تؤكد الاستنتاج السابق نذكر بعضها على سبيل الاشارة:

– حين تطلق طلقة من مخيم عين الحلوة مثلا، وحتى لو كان الامر يصنف امنيا كحادث فردي، يبدا البث المباشر من مداخل المخيم الاربعة ويفتح الهواء لمحلل هنا ومتابع هناك، وتطلق السيناريوهات عن مشاريع هنا ومشالايع هناك. اما عندما تنزل عشرات الألوف الى شوارع المخيمات لتطالب بحقها في الحياة وفي العمل بحرية، فان هذا الاعلام لا يراها ولا يسمع حناجر الآلاف التي تهتف من داخل المخيمات ضد ظلم القوانين اللبنانية..

– بعض وسائل الاعلام تعاطت مع التحركات الشعبية في المخيمات بطريقة مستهجنة ومستغربة. فبعضها مثلا نقلت صورا لفلسطينيين يرقصون فرحا بقرار وزير العمل اللبناني، فيما نقل مراسل (LBCI) رسالة مباشرة قال فيها ان المسيرة اللبنانية الفلسطينية التي شهدتها مدينة صيدا يوم الثلاثاء 30/7/2019 بلفت الآلاف، بينما اشارت هذه الفضائية على شاشتها ان المسيرة تعد بالعشرات، فيما جميع المراقبين اكدوا انها تجاوزت الـ (50) الفا..

– تصوير التحركات الشعبية السلمية بأنها مسيرات عسكرية دون وضع الصورة المتحركة امام الجمهور، بل ان البعض يستحضر صورا قديمة ليبني عليها تحليلاته ويدعو الدولة الى كذا وكذا. وبهذا يسري الخبر بين صفوف المجتمع ان هناك تحركات عسكرية في المخيمات، بكل ما لهذا الامر من تداعيات ونتائج قد تحدث على الارض بنتيجة تضليل وفبركات لا تكون موجودة الا في اذهان من اصطنع الرواية الكاذبة وبنى عليها سيناريو المواجهة..

– اشارت وسيلة اعلامية لبنانية الى ان فلسطينيين تظاهروا وقطعوا الطريق بالاطارات المشتعلة، دون ان تشير الى مكان حرق الاطارات. والصحيح ان قطع الطريق كان داخل المخيم وليس خارجه. بينما يعلم الجميع كم من التحركات من فئات اجتماعية لبنانية مختلفة ليس فقط تظاهرت في اماكن عامة، بل وقطعت طرقا دولية رئيسية وتظاهرت حتى في وسط بيروت.. اي ان سياسات التمييز بين الفلسطيني وغيره تمارس حتى في اطار التغطية الاخبارية..

– عنونت صحيفة لبنانية في صفحتها الاولى خبرا مضللا قالت فيه “ان الفلسطينيين ضد القانون”، لكنها لم تشر اي قانون هو الذي يرفضه الفلسطيني، وهل بكاء الفلسطيني بصوت عال يعتبر اعتداءا على القانون؟ علما ان القانون الذي تتحدث عنه تلك الصحيفة ليس موضوعا بالاساس كي يطبق على الفلسطيني. بل ان الفلسطيني هو من يقول ان القانون في لبنان يتعاطى بالضد من مصالحه وحقوقه، وهو، اي القانون، يتناقض مع نفسه في التعاطي مع الفلسطيني. فعندما يتعلق الامر بحق العمل فالعمال الفلسطينيون هم اجانب، بل يصر وزير العمل ومن معه انهم يطبقون القانون، لكن عندما يتعلق الامر بقانون التملك مثلا فالفلسطيني ليس اجنبيا بل لاجئ لا يحمل هوية وهنا لا نجد احدا من المدافعين عن القانون وتطبيقه يتصدون لمسألة الصيف والشتاء تحت سقف واحد..

ولعل السؤال المنطقي والمشروع الذي يتردد على السنة جميع الفلسطينيين، لماذا هذا التعاطي من قبل وسائل الاعلام في لبنان مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وما هي اسبابه، وهل تنسجم السياسة الاعلامية، او السياسات الاعلامية لبعض وسائل الاعلام اللبنانية مع المواقف الرسمية للدولة ومؤسساتها، والمعبر عنها من قبل الرؤساء الثلاثة؟ 

رغم ان سياسة الاعلام اللبناني تبتعد عن الموقف الرسمي اللبناني في الكثير من القضايا المحلية والاقليمية، الا ان هذا الاعلام نراه يعزف على نفس الوتر الذي تعزف عليه سيمفونية الدولة بما يتعلق بمسألة حرمان الفلسطيني من ادنى حقوقه المعيشية والانسانية. فإذا كان رفض التوطين هو العنوان البارز لكل الاجراءات والتدابير المتخذة من قبل السلطة اللبنانية، فان وظيفة الاعلام، الطائفي، تصبح، في هذه الحالة، ايجاد المبررات لسياسة الحرمان والسعي لاقناع جمهور ليس بقليل بصحة هذه السياسة، حتى وان كانت سياسة تفتقد بشهادة اللبنانيين انفسهم الى الحد الادنى من التعامل الانساني.

قد تكون هذه السياسية مفيدة للبنان بالنسبة للبعض، لناحية امكانية نجاحها في التخلص من عبء اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على ارضه. إذ هناك من يعتقد، وقد يكون محقا في ذلك، بأن السلطة اللبنانية باتت شبه مقتنعة بصعوبة عودة اللاجئين وفقا للقرار 194، واي حل قادم، من وجهة نظرها، مهما كان كبيرا ويشكل مكسبا للفلسطينيين والعرب، فلن يتخطى حدود عودة افرادية ومجزوءة لبعض اللاجئين، لذلك تلجأ الى سلسلة من الاجراءات بهدف تخفيف الوجود الفلسطيني ما امكن بحيت يستقبل لبنان اية استحقاقات قادمة بأقل عدد من اللاجئين على ارضه. وبالتالي يضرب عصفورين بحجر واحد: لا يتصادم مع السياسة الامريكية، التي تسعى لفرض مشروع التوطين، لمصالح سياسية وانتخابية واقتصادية وما الى ذلك من مصالح، وثانيا يتم تقليص عدد اللاجئين الى حدوده الدنيا دون ان يدفع لبنان اية اثمان سياسية، وهذا ما يحقق مكاسب سياسية على المستوى الطائفي والمذهبي.

ان التفكير السابق هو تفكير قاصر عن رؤية الامور بشمولية وبصورتها الحقيقية. فقوة الموقف اللبناني الرافض للتوطين تكمن في اتباع سياسة موضوعية تركز على جميع عناصر القوة فلسطينيا ولبنانيا وعربيا ودوليا. لأن معادلة التوطين تفترض قبولا من الفلسطينيين المستهدفين بالتوطين وموافقة لبنانية صريحة. غير ان شعار “رفض التوطين” لا يساوي شيئا ما لم يكن مقرونا بشار “رفض التهجير” وبسياسية فعلية تحافظ على حق العودة وترفض اية حلول بديلة مهما كانت، سواء كانت في دول عربية او اجنبية، وعدم اعتبار التوطين مشروعا فلسطينيا، بل مشروعا اسرائيليا واميركيا يراد منه تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين كمقدمة لتصفية الحقوق الاخرى.

ومع ان اصواتا سياسية وحزبية وفكرية وروحية واعلامية وازنة وذات تأثير ملموس في الحياة السياسية اللبنانية قد تنبهت الى ضرورة التعامل مع خطر التوطين بالموضوعية الكافية، لجهة التمييز بين المصدر الحقيقي للخطر وهو مشروع ترامب – نتن ياهو وبين الفلسطينيين، ضحايا التوطين الحقيقيين، بما في ذلك ابراز وحدة الموقفين اللبناني والفلسطيني في رفض التوطين، والتأكيد على ان حق العودة وما يترتب عليه من دعم الصمود الاجتماعي للاجئين هو الرد المنطقي على التهجير والتوطين، الا ان هذه الطروحات السياسية الموضوعية لا تلغي وجود اصوات لا زالت ترى في الوجود الشعبي الفلسطيني في لبنان نفسه الخطر الحقيقي على لبنان، وترى ان مجابهة خطر التوطين تستوجب الخلاص من هذا الوجود بأية طريقة، لذلك تسعى جاهدة لطرح تصوراتها وافكارها للتخلص من هذا الوجود. وهنا تضيع معايير الأخوة القومية (رابطة العروبة) ومواقف الدعم والتأييد للقضية الفلسطينية.. لدرجة ان بعض الاصوات التي تفاخر في عروبتها وتنتقد الآخرين على خلفية مواقفهم من فلسطين والفلسطينيين، هي نفسها تجاهر في طروحاتها التهجيرية للفلسطينيين في لبنان، بحيث يصح فيها قول الراحل شفيق الحوت: “مع فلسطين وضد الفلسطينيين”..

ان اللاجئين الفلسطينيين لا يطالبون وسائل الاعلام في لبنان بأن تكون فلسطينية او ان تتبنى الرواية الفلسطينية في قضايا السياسة والامن والاجتماع والاقتصاد، وبعضها فعل ذلك مشكورا، بل ان تكون موضوعية في التعاطي مع الوجود الفلسطيني وان تنقل حقيقة ما يدور داخل المجتمع الفلسطيني بسلبياته وايجابياته بعيدا عن الافتعال او تصوير المخيمات الفلسطينية على غير حقيقتها، وعدم زج اللاجئين في أتون الصراع الداخلي اللبناني او الاساءة الى الفلسطينيين وتحميلهم مسؤولية مشاريع هم الاكثر تضررا منها، لأن المطلوب مواقف مشتركة لبنانية وفلسطينية تحمي حق العودة وتوفر مقومات الصمود الاجتماعي للاجئين بعيدا عن تلك الدعوات التمييزية التي لا تليق لا بلبنان ولا باللبنانيين الذين لا يذكرون من قبل اي فلسطيني الا على قاعدة ما قدمه لبنان للقضية الفلسطينية من دعم واسناد..

ان تقديم خطاب اعلامي تحريضي، من نوع اعتبار التحركات الشعبية الرافضة لاجراءات وزارة العمل اللبنانية وكأنها مقدمة لحرب اهلية، من الطبيعي ان ينعكس سلبا على كل المجتمع خاصة جيل الشباب الذي لم يعش تجربة الحرب الاهلية، لكنه يكررها بشكل يومي في كلام ومواقف تتقاطع مع مواقف رسمية لاحزاب لبنانية ما زالت تعيش في الماضي مستحضرة الحرب الاهلية وويلاتها، علما ان لكل طرف فيها تاريخه الخاص الذي يصر البعض على نبشه من زاوية حملات تحريض تمارس يوميا ضد الفلسطينيين في لبنان..

آن الاوان لكي يفهم اولئك الذين يصرون على معاداة الشعب الفلسطيني بتقديم خطاب سياسي واعلامي اقل ما يقال فيه انه تمييزي، ان اللاجئين في لبنان ليسوا سوى ضيوف، مهما طال تهجيرهم، وليس لديهم اي مشروع في لبنان وان وجودهم هنا ليس بارادتهم، كما هو حال الرعايا العرب والاجانب الذين لا يأتون الى لبنان الا للسياحة او العمل. وقد اكدت التجربة السابقة منذ العام 1990 ان اللاجئين الفلسطينيين هم خارج الاصطفافات السياسية والطائفية والمذهبية، وان لا مشروع سياسيا لديهم سوى عودتهم.. نعم آن الاوان لكي تغلقوا ملف الحرب الاهلية، اقله بالنسبة للفلسطيني الذي ما خرج بعشرات الآلاف في مخيماته الا نتيجة سياسات القهر والمعاناة المتراكمة منذ اكثر من سبعين عاما..، وهم بالتالي ليسوا معنيون بصراعاتكم السياسية والطائفية، وتحركاتهم ليست موجهة ضد احد. اهي جريمة ارتكبها اللاجئون الفلسطينيون حين صرخوا بصوت عال بعد اتساع جرحهم وهتفوا: كفى حرمانا؟ اما ان يبقى الوضع على حاله وتبقى المخيمات مقفلة على جراحها، فهذا امر لا طاقة للفلسطيني به..

ان صمت الفلسطينيين عن استحضار ويلات الحرب والتحريض ضد اطرافها لا يعني انهم عاجزون عن الرد او ان ليس لديهم ما يتحدثون به. بل لأنهم جادون في رؤيتهم لمستقبلهم ومستقبل من يعيشون على ارضهم، انطلاقا من استيعابهم لدروس الحرب وما جرته من مصائب على الجميع، كانوا هم اكثر الخاسرين فيها.. والحديث الدائم عن الحرب وعن بطولات اصحابها، لا يمكن وضعه الا في اطار المحاولات الدائمة لخلق بيئة جديدة للحرب يجر اليها الفلسطيني رغما عنه كي يستعيد، هذا وذاك، البطولات في اطار الجماعة او الطائفة باعتبار هذا الفلسطيني خطر يجب التخلص منه. وهل لأحد ان ينسى ذلك الشعار العنصري الذي رفع قبل الحرب بأن “هناك اربعة دول وخمسة شعوب وعلينا التخلص من الشعب الزائد”؟ لكن رغم اندحار مثل هذه الشعارات، فما زال هناك من يفاخر بأنه امضى حياته في قتل الفلسطينيين وهو غير نادم على ذلك ولا زال مستعدا لأن يكرر التجربة مرة اخرى.. هل يستحق مقعد انتخابي او زعامة طائفية وحزبية كل هذا التحريض.. اليس هذا ما تفعله اسرائيل امام كل استحقاق انتخابي، عندما يصبح الدم الفلسطيني هو الناخب الاكبر بين الاحزاب الاسرائيلية المختلفة؟

لقد اعطت الحرب الاهلية اللبنانية ومسبباتها دروسا للجميع، وسياسات القمع التي فرضت على المخيمات قبيل الحرب لم يجد لها اللاجئون مبرراً وتفسيراً سوى أنها كانت تعبيراً عن عقلية معادية لقيم الانسانية، لذلك نجدد القول ان نقطة البداية في المعالجة تكمن في امتلاك الشجاعة الكافية لفتح الملف الفلسطيني في لبنان بكل ايجابياته وسلبياته بهدف الوصول الى موقف موحد يخدم القضايا المشتركة وما اكثرها. وأي علاقة مستقبلية بين الجانبين الفلسطيني واللبناني يجب ان يحكمها مجموعة من العوامل التي ينبغي ان تشكل ارضية للانطلاق نحو علاقة سليمة وصحيحة، ومثل هذه الامور لا يمكن الوصول اليها دون حوار رسمي فلسطيني – لبناني يضع المخيمات والحالة الفلسطينية برمتها على نسق الحياة الطبيعية، وعلى قاعدة واضحة من الالتزامات المتبادلة وبرؤية سياسية قائمة على التمسك بحق العودة ورفض التهجير والتوطين كمبدأ وليس موقفا تكتيكيا، فالمرجعية الامنية والقانونية هي للدولة اللبنانية صاحبة السيادة على ارضها، والمرجعية السياسية هي لمنظمة التحرير، والمرجعية الاجتماعية هي لوكالة الغوث والدولة اللبنانية.. وبهذا نكون قد حمينا لبنان وحمينا فلسطين وشعبها .. وحمينا قيم انسانية ما زال الفلسطيني في لبنان يبحث عن عنوانها…

 

بيروت في تموز 2019

fathi.alkulaib1966@gmail.com

/ عضو المكتب السياسي
للجبهــة الديمقراطيـة لتحريــر فلسطيـن