عربي وعالمي

وقفات على المفارق مع الغوطة والناصريّة والأسديّة! – سعيد نفاع

 

 

الوقفة الأولى مع أخذ النفَس.

أراني أرى الكثيرَ من الحواجب ترتفع وتهبط وتعوجّ وتستقيم بمجرّد قراءة أصحابِها العنوان، وأسئلةً استنكاريّة وأخرى استفساريّة تتأود صعودا وهبوطا في رؤوسهم، وقاسُمها المشترك: “شو طال ذيله لعينه؟!”.

أدّعي أن في العنوان يكمن تفسيرُ ما حصل ويحصل في القامشلي والرّقة شرقا وشمالا، وعفرين غربا، والتنف والقنيطرة جنوبا، والغوطة وسطا. ولا تذهبْ عزيزي القارىءُ بعيدا فلستً في صدد مقال “فكريّ تحليليّ معقّد”، تزيده تعقيدا جملٌ رنّانةٌ طنّانة ممهورة باصطلاحات من العلوم السياسيّة المدرّسةِ في جامعات الغرب، أو المنقولة المنحولة عنها، فما في جعبتي كثيرا أبسطُ من ذلك.  

الوقفة الثانية مع العودة إلى آذار 2011م

منذ مدّة طويلة ما عدت كتبت في القضيّة السوريّة وأراني اليوم وحين أراجع مقالاتي وما كتبت راضيا كلّ الرّضى عمّا رأيت حينها. في تلك الأيام كانت جفّت الكثيرُ من الأقلام وبحُّت الكثيرُ من الأصوات لهول الحدث، ولاحقا وحين لم “يبرُك الجمَل” كثرت الأشجارُ ولم تعدِ الإمكانيةُ لرؤية الغابة هيّنة أو مستطاعةً، وتستطيع أن تعكس القول إن أردت!

في ال-26 من آذار 2011م، أيّاما قليلة بعد اندلاع الشرارة في درعا، وتحت عنوان: “هل ستشفع للأسد مقاومتُه وممانعته؟”: كتبت:

“المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة وعلى غير عادة تجاه ربيعها وما جاء به في الدول العربيّة المختلفة، تعلن أياما بعد انطلاق المظاهرات في مدينة درعا وتحديدا في ال-25 من هذا الشهر تقديرَها القائلَ: “أنّ رحيل الأسد وصل نقطة اللاعودة”! … في مقابلة للقناة الثانيّة العبريّة الإسرائيليّة في ال-24 من آذار ادعيت أن هنالك ثلاثةَ احتمالات ماثلةٌ أمام النظام السوريّ، الاحتمالِ التونسي-المصري والاحتمالِ الليبي، أمّا الثالثِ فهو عبور الأزمة وقد رجّحت الثالثَ.” وأضفت كتابة:

“أسئلة كثيرة وعِرةُ الإجابات تدور في دماغ المرء القلق على أمته والمحبّ لها خصوصا وقد انهالت على رأسه مرّة واحدة كلُّ هذه التطورات المفاجئة في زمنها وفي ضخامتها، ووُعورة الإجابات تزداد وتصعُب على ضوء اختلاط الأوراق… وُعورة هذه الأسئلة وأجوبتِها تجعلها مخاطرة كبيرة أن يتوقّع المرءُ المتابع، النتائجَ، ولكني أخذت على عاتقي في المقابلة أعلاه التوقعَ، وقلت إن النظام السوريّ سيعبر الأزمة وها أنا أعود على قولي متحملّا مسبقا النتائجَ على قلمي.”

وأردفت: “… بهذا الثالوثِ الحريّة واللقمة الكريمة ودكِّ أوكار الفساد، مزيّنا الراية ستبقى المقاومة قيمة وتبقى شفيعا لأصحابها ويسقط تقدير المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة الذي نريد له أن يسقط أمام ارتفاع مثل هذه الراية.”

عدت في ال-15 من نيسان وبمناسبة عيد الجلاء السوريّ، وفي مقالة تحت عنوان: “أيها السوريّون كل جلاء وأنتم بخير”، وفي ال-22 منه وتحت عنوان: “سوريّة… والخوف من سقوط المقاومة كقيمة!”، عدت معزّزا فيهما وجهة نظري. وألحقت تلك المعالجات بعشرات أخرى إلى أن عجّت الساحة ولم نعد كما قلت نستطيع تمييز الغابة، فلم أرد أن أزيد من الأشجار خصوصا وأن الزرع صار سهلا وأقصد إقليميّا ليس بالضرورة محليّا، ومبتذلا حتّى، في بعض الأحيان.

الوقفة الثالثة مع التسليم بالهزيمة.

وفي مقال من أواخر نيسان 2012م وتحت عنوان “هل عبرت سوريّة الخط الأحمر الفاصل في وجه العدوان؟” كتبت:

“سوريّة تماما كما آمنّا ومنذ البداية وليس تنبّؤا أو تهيّؤا اجتازت الخط الأحمر الحتميَّ الاجتيازِ كان، لأنها بشعبها وجيشها وقيادتها كانت محصّنة بقيمٍ فكريّة ونتاجِها من الممانعة والمقاومة، ولو لم تكن كذلك لكان مصيرها إحدى مصائرِ “شقيقاتها” أعلاه… انكفاء العدوان مؤقتا هو بفضل ذلك أولا وقبل كل شيء… ومن الصعب لا بل المستحيل كان على المرء أن يتصوّر موقفا آخر من شعب حمى ثغور العرب ومنذ مئات السنين معزّزا بحضارة عريقة… القيادة السوريّة بدعم الغالبيّة العظمى من السورييّن، عبرت بالوطن الخط الفاصل الأحمر والانكفاء الغربيّ والتكالب العثماني- الخليجيّ ومن لفّ لفَّهما هما دليل الأدلّة، ولا خوفَ من التكالب المذكور فأقصى ما يستطيعُه النباحَ وعضّةً هنا وعضّة هناك صحيح أنها تؤذي ولكنها لا تميت، ولكن في الانكفاء الغربيّ يكمن الخطر المميت حتّى لو تغلّف بالخطة ال-“عنانيّة” (إشارة إلى خطّة كوفي عنان أمين عام منظمة الأمم المتحدة حينها) فلن يسلّم بهزيمته بسهولة.”.

الوقفة الرابعة ومع العود على بدء والعود أحمد.

ما سقت كلّ ذلك من باب التغنّي باللازمة “التباهيّة” إذا صحّت الكلمة، الملازمة لكثرة منّا: “أرأيتم ألم أقل لكم!” أو بحذافيريّتها “شفتوا مش قلتلكوا!”، وإنّما كي أصل إلى عنوان مقالتي هذه، محاولا إعادةَ الحواجب إلى طبيعتها.

حين انتصر عبدُ الناصر بعد عدوان 1956م وبغض النظر عن تبدّل الأزمان والظروف، اشتعلت الناصريّة في كل أرجاء الأمّة رغم جراح مصر العميقة، على الأقل بوجهها المقاوم للاستعمار وربيباته الصهيونيّة والرّجعية العربيّة حينها، فذاقوا من مرارتها الأمرّين قبل أن يلملموا أشلاءهم وينقضّوا من جديد انقضاضا أتى قمّة أكلِه تخمةً ربيعيّة!، مستغلّين طبعا الأخطاء، لا بل أكثر، التي ارتكبتها الناصريّة وكلّ حلفائها وورثائها.

ولذا ليس من فراغ جاءت الكلمات أعلاه عن “الانكفاء المؤقت للعدوان” وعن “الخطر الذي يكمن في الانكفاء وعدم التسليم بالهزيمة بسهولة”. فلنا أن نتخيّل ما كان سيحدث في العالم العربيّ، على الأقل، لو رُفع العلم السوريّ في الرّقة والقامشلي وعفرين والغوطة والقنيطرة والتّنف، وكان ذلك قاب قوسين أو أدنى لولا الانقضاض الاستباقيّ لقوى العدوان. أوليس هذا عودة إلى الخوف من ناصريّة بتسميّة جديدة؟! سمّها “أسديّة” إن شئت أو “نصرُاللويّة” إن بدا لك!

الوقفة الخامسة والأخيرة ومع الاستنتاج

يهون علينا الاستنتاج دون حاجة للتعمّق في التحليلات، أن إشعال الغوطة وعفرين وشرق الفرات والجولان، ما هي إلا درءا لناصريّة متجدّدة واستباقا لتداعياتها وقبل فوات الأوان، وعلى فلسطين والقدس تحديدا وما تُمثّل مع أو بمعزل عن قرار الاعتراف بها عاصمة للغلام على يد “الكاوبوي” الأميركي بدعم سائسي حصانه “الموستانك” الموروث قتلا عن الهنديّ الأحمر.

خاتمة: وإلى كلّ أولئك اللبراليّين الدامعين على أطفال الغوطة، فدموعنا عليهم أشدّ صدقا، لأن عينا منّا تدمع عليهم وأخرى تدمع على أطفال باب توما وكفريّا والفوعة وعفرين وحضر!  

سعيد نفاع sa.naffaa@gmail.com

أواخر شباط 2018