أحمد عجاج زميل وشهيد المنفى – نضال حمد

أحمد عجاج زميل وشهيد المنفى

ذات يوم صيف سنة 1989 في مدينة فروتسلاف البولندية، في غرفة صغيرة بسكن طلابي جامعي، كان في تلك المرحلة من الحياة في المنافي، يعج بالطلاب والطالبات من جنسيات مختلفة.. في مكتبٍ فلسطينيٍ هو مكتبي وبيتي، وهما غرفتي الصغيرة والوحيدة، حيث كنت أنام وأعمل وأطبخ وأقضي الكثير من الوقت… في تلك الغرفة المكتب، عادني شاب فلسطيني، مبتسم، بشوش، قصير القامة، مربوع الجسم، يتحدث باللهجة الفلسطينية السورية. قدم لي نفسه: “أحمد عجاج”..

سألته أحمد حجاج؟

أجابني ضاحكاً: بل أحمد عجاج بالعين مثل مخيمك عين الحلوة ..

وضحكنا ضحك طفلين … ضحك إبنا مخيمين معاً ..

رحبت به ولم أقدم له نفسي فهو كان يعرفني ولذا قصدني.

قال لي أنه جاء من الشام للدراسة هنا في بولندا. وأنه يحمل لي بعض الأغراض التي أرسلها معه الرفاق في جبهة التحرير الفلسطينية. كانت ملصقات للجبهة وبعض المواد الاعلامية ومنها بوسترات للشهيد القائد المبدئي والفدائي، الأمين العام للجبهة الرفيق طلعت يعقوب، الذي كان استشهد قبل أقل من عام من ذلك اللقاء. سعدت جداً بتلك المواد الاعلامية، التي كنت احتاجها كثيرا في تلك الفترة من الزمن.. في مرحلة العمل الطلابي والجبهوي، حيث كنا نواجه هجمة مسعورة على الجبهة وتاريخها وتمثيلها من قبل مجموعة انشقت عنها وحاولت السطو عليها. تلك المجموعة كانت مدعومة من مجموعة أخرى سطت بدورها وهيمنت على منظمة التحرير الفلسطينية وعلى التمثيل الفلسطيني وما كان يسمى ولازال الشرعية الفلسطينية.. وعلى المشهد الفلسطيني بشكل عام، حتى في نهاية المطاف أوصلتنا الى كارثة سلام الشجعان وما نتج عنها بعد اتفاقيات اوسلو ومشتقاتها. نكبة جديدة عنوانها سلام الشجعان.

أحمد عجاج الشاب المرح والسعيد والمنتمي لفلسطين كل فلسطين، ابن المخيمات والعذابات، درس اللغة البولندية في معهد اللغة بمدينة غدانسك الساحلية البولندية، وهي مدينة من ضمن ثلاث مدن ساحلية مع سوبوت وغدينيا تؤلفان معاً منطقة المثلث الساحلي في بولندا. وهي أيضا مدينة حركة التضامن البولندية التي أطاحت بالنظام الاشتراكي. بعد دراسة اللغة هناك اختار أحمد مدينة فروتسلاف ليدرس فيها في معهد “تيخنيكون” الأسنان. بعد وصوله الى فروتسلاف تعرفت عليه أكثر وأحببته لطيبته وصراحته ومواقفه الوطنية السليمة والصحيحة.

انضم أحمد لمجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين كانوا محسوبين على اليسار الفلسطيني وقواه في المدينة وفي البلد. وصار ناشطاً معنا لأجل فلسطين وكما غالبية الطلبة الفلسطينيين الذين كانوا ينتمون لفلسطين، سواء كانوا من جماعتي اليسار أم اليمين حسب التوصيف السياسي في ذلك الوقت. فالعمل لفلسطين كان لا يتوقف على الانتماء السياسي بل ايضا بحسب الانتماء الوطني لكل طالب فلسطيني.

كان أحمد يقضي الكثير من وقته معنا في سكن “دفوجستولاتكا” للطلبة الجامعيين، حيث كانت هناك مجموعة من الفلسطينيين تسكن في ذلك السكن الجامعي، منهم حسب الذاكرة : حسني عيسى، عزات عبيدالله، جهاد صالح، علي داوود، ماهر الهبطة، الشقيقان سمير وعامر أبو غولي بالاضافة لكاتب هذه السطور. ربما نسيت البعض.. كما هناك آخرين لم أذكرهم لأنهم كانوا مسجلين في السكن الجامعي، لكنهم كانوا يقيمون في شقق مستأجرة بالمدينة. كان أيضاً في السكن قليل من الطلبة العرب أذكر منهم ثلاث سوريين، جهاد غضة، طالب في كلية العلوم السياسية وجمال .. طالب في قسم الفلسفة وشخص من آل الأتاسي نسيت اسمه كان يدرس ادارة وأعمال.

بقيت على اتصال وعلاقة يومية مع أحمد حتى غادرت فروتسلاف الى لبنان ومن ثم الى منفى أوروبي جديد. وذات يوم من سنة 1996 علمت من خلال الأصدقاء الفلسطينيين في فروتسلاف أن أحمد البشوش والجميل توفي بعد وقت من تعرضه لحادثة اثناء العمل. وهكذا طويت حياة أحمد ابن المخيم، بصمت مضى الفتى الفلسطيني، القادم من المخيم والعائد الى الله. الفتى الذي تحتضنه منذ ذلك التاريخ تربة مخيم خان الشيخ في سوريا بينما بعض رفاقه ورفاقنا تحتضنهم تربة في مدنية فروتسلاف التي أحبها ونحن أصدقاؤه أحببناها ولازلنا نحبها.. بصمت وبحزن طويت صفحة حياة أحمد الفلسطيني ولم يبقى لنا إلا تذكر تلك السنوات والذكريات والأيام الجميلة.

نضال حمد في 30-1-2021