أسامة سعد يتحدث عن والده الشهيد معروف سعد

أسامة سعد: معروف سعد كان حوارياً وسلمياً ولهذا أغتيل

 

لا نعود إلى معروف سعد لكونه جنوبيّاً. فهو، وإن كان قائداً شعبيّاً في صيدا والجنوب، إلا أنه كان ذا أبعادٍ لبنانية وعربية.

نعود إليه، ونُعيد قراءة سيرته وتجربته، لقيم حملها ومارسها وقُتل لأجلها. وتلك القيم، نحتاج إليها اليوم.

فمعروف سعد، الذي استُشهد حين كان على رأس تظاهرة ضد شركة احتكار الصيد، بروتيين، وقف إلى جانب الفقراء والمظلومين، في صيدا ولبنان، وأبعد منهما. ونظم فعل الصيّادين في صيدا والجنوب مؤسِّساً نقابة الصيّادين، وكذلك المزارعين.

وهذه قيم تدل عليه. تدل على أنه لم يكن زعيماً تقليديّاً، وسياسيَّ مكاتب وصالونات وعلاقات فوقيّة. كان قائداً شعبيّاً وسياسيّاً مرتبطاً بالمجتمع ومدافعاً عن الناس وقضاياهم.

ومعروف سعد، يقول السيد موسى الصدر: “نشهد، والوطن يشهد، بأنه كان عنصر الصيانة والتهدئة وعنصر الكرامة لهذا الوطن، ولم يكن يريد هدماً ولا دماراً”. وهذه أيضاً قيم تدلّ عليه. فصاحب المواقف المبدئيّة والثابتة كان حواريّاً.

ويروي المونسينيور يوحنا الحلو، في مذكراته، صفحات عن حرص معروف سعد، إبان حرب 1958 وغيرها، على الناس وحياتهم وممتلكاتهم، وتعاونه لتلبية طلباتهم وتبديد مخاوفهم. وهذه أيضاً قيمٌ تدل على هذا القائد والسياسي اللاطائفي والإنساني والثائر من دون أن تلوّثه نزعة ميليشيويّة.

ومن قيم معروف سعد أيضاً مقاومته الاستعمار في لبنان وبلاد العرب، ومقاومته احتلال فلسطين. ومقاومته لم تكن من منطلق قومي فحسب، ولم تقتصر على الموقف العقائدي والسياسي والفعل العسكري فحسب، إنّما نشط في احتضان الشعب المضطهد.

هنا حوار مع النائب أسامة سعد:

حسان الزين- هشام مروة

ماذا تذكر عن معروف سعد الإنسان والأب؟

أذكر كثيراً، فعلى الرغم من انشغالاته العامة، كان مهتماً بعائلته، خصوصاً أن الوالدة توفيت ونحن صغار. وقد تكفلت عائلة الوالدة، خالاتي وجدتي، بالاهتمام بنا، وبقي هو حاضراً معنا حتّى في التفاصيل. وكان يستيقظ قبلنا ويُعدّ لنا الفطور قبل أن يأخذنا إلى المدرسة. واصل اهتمامه بنا وبما نفعله، وكان يسأل كثيراً. وأحيانا ينشغل فيتذكّر ويسأل، ومرات كثيرة أنسته انشغالاته إيانا عند بيت جدي.

هو من مواليد 1910. والده بستاني ادخر مالاً ليشتري بستاناً، وكان الناس يستعينون به لتقدير الرزق. معروف هو الوحيد بين إخوته وأخواته الذي تمكنت أسرته من تعليمه. لا أعرف أين بدأ الدراسة، لكن لاحقاً تابع في مدرسة الأميركان، وعاش حياة المزارعين. ومارس مهنة التعليم في بيروت وصيدا، وفي حيفا في فلسطين.

سكنا لفترة في جزين، وفترة أخرى في بكاسين، وكنا ننزل معه صباحاً إلى صيدا وننتظره حتى ينتهي من عمله فيمر علينا ونعود معه في المساء. وعندما يرى أحداً على الطريق يحتاج إلى نقل يحشره معنا أو حتى بجانبه. هذه شخصيته الجميلة، واهتمامه بالناس، خصوصاً محدودي الدخل. شخصياً، لم أسمع منه أي شيء عنه. لم أعرف أنا وإخوتي وأخواتي عنه شيئاً إلا بعد استشهاده. لم نعرف عن تاريخه النضالي شيئاً بل كنّا نستنتج بأنفسنا. كان يعطينا مثالاً عملياً وليس نظرياً.

وأذكر أنه اتفق مع ابن عمه على شراء أرض في بسري. ابن عمه وفّر الرأسمال على أن يتولى هو زراعتها وإدارتها.

ودائماً كان يربي عجلاً، أو أكثر، ويبيعه بعدما يسمن. وكان لدينا بقرة وأحياناً اثنتان، ويعمل من حليبها لبنة “أمبريسية” في خابية، يبيعها لشخص اسمه يوسف حداد في البوابة الفوقا، أي أنه كان يسعى لزيادة مدخوله.

ومرة اشترى عجلاً صغيراً، وقد وضعه لينقله إلى بسري في صندوق السيارة، وترك فتحة للتهوئة. عندما وصلنا إلى ساحة بلدة روم فلت العجل من السيارة، وانشغل أهالي البلدة بمطاردته لالتقاطه. وبعد جهد جهيد أمسكوا به، فاقترب منه معروف وقال له “إذا سيارة مجلس النواب مش عاجبتك بشو بدي حطك؟!”.

إذا أردنا ترتيب قيم معروف سعد: الحواري، العروبي، المنحاز للفقراء والمظلومين، المقاوم للاستعمار والاحتلال، أي من هذه القيم هي الأولى فالثانية والثالثة… الخ؟

كلّها قيم مهمّة، وقد جمعها، فهو عمل في ساحات النضال كلها، القومية والوطنية والسياسية والاجتماعية. لا أستطيع ترتيبها عمودياً، هي مستوية وأفقية.

السنوات ما بين 1936 و1948، كانت غنية بتشكيل وعيه الوطني والقومي والاجتماعي والإنساني. وقد ربط هذه الأبعاد في وعيه ومنهجه، وهو ابن بيئة فقيرة. وأذكر أنه تعاون مع والده وآخرين في تأسيس نقابة عمال البساتين. كذلك كان من الساعين إلى تأسيس نقابة الصيادين في صيدا، وعندما كان رئيساً للبلدية خصّها ببناء لها. كان يهتم بالنقابات والعمال والطلاب ومواكباً للقطاعات المنتجة والفقيرة. وكان يقول إن لم نكن نحن كحالة نضالية مع الناس فمن سيقف معها؟

وأضيف إلى تلك القيم أنه كان ديمقراطياً ويحاور الجميع، خصوصاً الشباب الذين يحب مجالستهم ويلتقي معهم دائماً ويشجّعهم على النشاط.

بدأ معروف سعد نضاله ضد الاستعمار؟

صحيح، نشط ضد الاستعمار الفرنسي. وقد عرفته غالبية بلدات الجنوب والبقاع الغربي. وكان فاعلاً في الحركة الوطنية في المدينة التي كانت تطالب بوحدة لبنان وسوريا وترفض التقسيم. وخطط ونفّذ مهمات عسكرية ضد الفرنسيين، الذين لاحقوه واعتقلوه. وردّاً على استشهاد عبد الحليم الحلاق وجرح عدد آخر من أبناء المدينة، في إحدى التظاهرات، هاجم ومجموعة من الشباب موقعاً للفرنسيين والجندرمة اللبنانيين التابعين لهم (القشلة). واعتُقل بعدما أُصيب في يده، وحوكم وحوِّل إلى سجن المية ومية.

حكايته مع فلسطين طويلة…

التزامة بالقضية الفلسطينية جاء نتيجة وعيه. ومع انطلاق الثورات الفلسطينية المتتالية ما بين 1935 و1939، ضد الاستعمار الانكليزي والهجرات الصهيونية إلى فلسطين، كان مدرِّساً في حيفا، فتواصل مع مجموعة من ثوار فلسطين، منهم الشيخ حسن سلامة وعبدالرحيم الحاج محمد. كان شريكاً في الاستنفار ضد المستجد الخطير، وفي الاستعداد لمواجهته. كان مع آخرين، وتحت غطاء الكشافة، يدرّبون الشباب الفلسطيني عسكرياً. وعندما يعود إلى صيدا ينشر الوعي بقضية فلسطين ومخاطر الاستعمار والحركة الصهيونية وأهدافهما.

وعندما عاد إلى صيدا، كان بالتنسيق مع الحاج أمين الحسيني المقيم في القاهرة، يستقبل عبر مرفأ الصيادين أسلحة وذخائر من مخلفات الجيش الانكليزي في الصحراء الغربية. وبعد تأهيل تلك الأسلحة في مدرسة المقاصد التي كان مدرّساً فيها، تُنقل سراً إلى فلسطين.

وماذا فعل في 1948؟

في 1948، ونتيجة هذا الوعي، شارك في تشكيل مجموعات تطوعيّة خارج جيش الانقاذ، ضمت أشخاصاً من المناطق اللبنانية كلّها ومناضلين عرباً. وقاتلت تلك المجموعات في المالكية وقَدَس والنبي يوشع القريبة من الحدود اللبنانية. وصدت هذه المجموعات بقيادة معروف سعد ومحمد زغيب العديد من الهجمات. وقد استشهد زغيب في إحداها، ومنعت الصهاينة من احتلال تلك المنطقة. لكن جاء جيش الإنقاذ وطلب منها تسليم المنطقة واعداً بحمايتها. في البداية رفضت المجموعات تسليمها فأصر الضابط في جيش الإنقاذ وضغط رياض الصلح لمصلحة جيش الانقاذ، فانسحبت المجموعات إلى عيترون. وبعد يوم أو يومين وصلت فلول جيش الإنقاذ إلى عيترون بعدما استولى الصهاينة على المالكية، القريبة من عيترون. فتساءل معروف سعد ورفاقه لماذا لم يسمعوا صوت الرصاص لو كان هناك معركة، فلو حصل لهبّوا لنجدة جيش الإنقاذ. لكن، يبدو أن جيش الانقاذ انسحب ضمن المؤامرة الكبرى التي نُفذت ضد الشعب الفلسطيني وفلسطين.

هذا قبل أن يكبر المشروع الصهيوني وتبدأ الحرب التي سميت بالنكبة. وفي 1948 وبعدها اهتم بالجانب الإنساني للجوء الفلسطينيين إلى لبنان. وكانت المقاصد مركزاً رئيساً لتأمين خدمات للاجئين الفلسطينين. استمرت هذه العلاقة الطيبة مع الشعب الفلسطيني حتى انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني. كان على صلة بالقيادات الفلسطينية كافة، ومن الداعمين للعمل الفدائي.

لعب معروف سعد دوراً في دعم العمل الفدائي الفلسطيني، ما هو؟

أذكر أنه كان نائباً في ذلك الوقت (1957- 1972)، ويؤمن بسيارته نقل الفدائيين الفلسطينيين إلى الحدود اللبنانية. ينامون عندنا في البيت، ثم يُنقلون إلى الجنوب، وتسبقهم الأسلحة في سيارة مجلس النواب، فيستلمونها في الجنوب وينفذون بها العمليات. هذه كانت عملية دائمة وروتينية، إلى أن انتبه الجيش اللبناني.

علاقته بالجيش اللبناني كانت مقبولة وعلاقته بالرئيس فؤاد شهاب كانت جيدة، لكن المكتب الثاني كان ضد الفلسطينين وكان يعتقلهم في المخيمات فيضغط معروف سعد لإطلاق سراحهم. عندما بات معروفاً أن الفدائيين وأسلحتهم ينقلون بسيارته، بدأ التضييق عليه. أحياناً، كان يرسلنا نحن في السيارة ليضيع الشنكاش. وأذكر أنه في مرتين أو أكثر أوقف الجيش السيارة وأصر على تفتيشها، وكان يقودها في مرة المرحوم هشام سكيني وفي الثانية محمد كرم سعد اللذين رفضا التفتيش بحجة أنها سيارة نائب. وبعدما بات واضحاً أن المكتب ينوي شراً، لم يعد يرسل الأسلحة بالسيارة، إنما عبر المراكب إلى مخيم الرشيدية. في تلك المرحلة، كان هناك تعاطف شعبي واسع مع العمل الفدائي الفلسطيني، وكانت صيدا انخرطت بالكامل في الفصائل الفلسطينية، اندفاعاً بالوعي الوطني والقومي الذي أسهم معروف سعد في تأسيسه ونشره. وقد انخرط كثيرون من الشباب، منهم أخي مصطفى، في العمل الفدائي، وتدربوا في مخيم اليرموك وغيره.

استمرت الأمور إلى أن وافق الرئيس جمال عبدالناصر على مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار، بعد هزيمة 1967. فقد رأى عبدالناصر أن المبادرة توفر فرصة لمصر في حرب الاستنزاف (مهّدت لحرب 1973 التي حققت فيها مصر إنجازاً تاريخياً، لكن سياسات أنور السادات ضربت هذا النصر). والسبب الجوهري لقبول عبد الناصر بالمبادرة هو اتفاقه مع الاتحاد السوفياتي على بناء حائط من الصواريخ المضادة للطائرات لمنع العدو “الإسرائيلي” من الوصول إلى العمق المصري وضرب مراكز حيوية كالسد العالي. وقد اعترضت فصائل فلسطينية على قرار ناصر. ما تسبب بتوتر في المدينة، انعكس على الفلسطينين، وأدى إلى أحداث بين التنظيم وتلك الفصائل. لكن الأمر عولج بسرعة. وشهدت بداية السبعينات حوادث وتوترات مع الفلسطينيين، وعولجت أيضاً لأن الموضوع الفلسطيني أكبر من الانجرار إلى توترات جانبية. واستمرت العلاقة إيجابية حتى اغتياله في 26 شباط 1975 (توفي بعد عشرة أيام في 6 آذار).

دخول معروف سعد السلك الأمني الذي استقال منه بعد سنوات، كان لأسباب سياسية أم مجرّد وظيفة؟

عندما انتهت حرب فلسطين، عُيِّن في عهد رياض الصلح كومسيراً في الدرك. وكان قد عُيِّن قبلها في الأمن العام لملاحقة التهريب من لبنان إلى فلسطين. وهي مهمة كان يقوم بها تطوّعاً وبصفة غير رسمية مع مجموعة من الشباب قبل النكبة، بين 1938 و1948، إذ كان بعض التجار اللبنانيين يؤمنون مواد غذائية وخضاراً للصهاينة. فكان ورفاقه ينصبون كمائن للسيارت ويوقفونها ويتلفون البضاعة ويحذّرون السائق من تكرار ما يفعله. وعندما تراجع التهريب وأقفلت الحدود نُقل إلى مخفر البرج في بيروت. ولأنه لم يكن تربية سلطة رسمية لم يتكيف مع هذا الواقع، بل كان يتصرف وفق قناعاته. أحياناً، تخرج تظاهرات فيُطلب إليه قمعها، لكنه كان يتحدث إلى المتظاهرين وإذ يقتنع بمطالبهم يؤمن لهم الحماية. لذا، أُرسل في العام 1957 إلى الولايات المتحدة للمشاركة في دورة تدريب. لكنه بعدما عاد إلى المدينة استقال نزولاً عند طلب القوميين العرب الترشح عن المدينة في الانتخابات النيابية، فترشح ونجح.

ما كان دور معروف سعد في ثورة 1958؟

ثورة 1958 في نهاية عهد كميل شمعون كانت ثورة شعبية وطنية ضد إلحاق لبنان بحلف بغداد. آنذاك، كانت الحالة الناصرية ممتدة في لبنان. وكان دور معروف سعد محورياً، على مستوى صيدا والجنوب والوطن. وما ميزه هو أنه كان حريصاً على ألا تسقط دماء وألا يحدث أي انقسام طائفي، إذ تم التخطيط ليبدو المشهد انقساماً بين المسيحيين الذين يريدون حلف بغداد والمسلمين المنحازين للقاهرة. وأذكر أن سلوك الثوار في تلك المرحلة أراح الجميع، ولم تحدث أي توترات. كان هناك تنظيم للعمل، عسكرياً وإدارياً وخدماتياً، إلى حين الاتفاق على حل سياسي أوصل شهاب من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية.

كيف أصبح معروف سعد ناصرياً؟

لم يكن معروف سعد يقول أنا ناصري، إنما التقى بما كان يمارسه من قناعات مع المشروع الناصري النهضوي التقدمي العربي. كان يمارس أشكال النضال المتداخلة، القومي والوطني والسياسي والاجتماعي، التي عبر عنها المشروع الناصري بوصفه حركة تحرر قومي وحالة تقدمية عربية منحازة للقوى الكادحة والمنتجة. وقد رحب بثورة مصر والتقى عبدالناصر مرّات عدّة قبل 1958. وعندما جاءت ثورة 1958، تظهّر اللقاء الفكري والسياسي مع المشروع الناصري، خصوصاً أن فلسطين في قلب هذا المشروع.

طبعاً، هناك انتقادات لسلبيات اعترت التجربة الناصرية التي لم تستطع توليد مؤسسات ديمقراطية لتحمي الإنجازات الثورية وما تحقّق. والدليل أن الثورة المضادة انقلبت بسهولة على الناصرية. هذه، باختصار، رؤيتنا نحن كتنظيم شعبي ناصري للتجربة.

ماذا تذكر من لقاءاته بعبدالناصر؟

لقاؤه الأول مع عبد الناصر كان في زمن الوحدة المصرية السورية، عندما كانت تذهب وفود كبيرة من لبنان إلى دمشق تاييداً للوحدة. فقد رأس وفداً وألقى كلمة. بعدها، التقى بعبدالناصر في مصر. فبعد الانفصال بين مصر وسوريا والتوتر الذي تسبب به، قصد معروف مصر والتقى عبدالناصر. وأخبرني أحدهم أن عبدالناصر قال له يجب أن تنتبهوا إلى علاقتكم مع سوريا بغض النظر عن النظام في دمشق. وبالتالي، هو ينبه إلى خطورة العداء بين لبنان وسوريا، علماً أن علاقته بسوريا وقتها كانت متوترة.

المعروف أنه اتفق مع كمال جنبلاط واختلفا أيضاً، ما القصّة؟

كان معروف لفترة طويلة عضواً في جبهة النضال الوطني برئاسة كمال جنبلاط، التي كانت تركّز على البعد الاجتماعي وتطالب بالدولة الحديثة. وقد اختلف معها عشية الانتخابات الرئاسية في 1970، فهي اختارت انتخاب سليمان فرنجية، بينما هو اختار التصويت للياس سركيس، لكونه أقرب إلى النهج الشهابي. فمعروف كان يعتبر الرئيس شهاب صاحب مشروع لبناء الدولة، لكنه لم يكن راضياً عن المكتب الثاني ودوره في السياسة.

وعلى سيرة جبهة النضال، دعت الصين أعضاءها لزيارتها، وقبل السفر، هو وكمال جنبلاط وزملاؤهما في الكتلة، قِيل له إن الصين باردة جداً وتحتاج إلى معطف، ولم يكن يملك معطفاً، فاستعار واحداً من صديق طفولته شريف الأنصاري. وكلّما نلتقي بابنه نتساءل إذا ما كان الوالد ردّ المعطف أم لا.

كيف تأسس التنظيم الشعبي الناصري، ولماذا؟

لا يمكن أن نسمي التنظيم الشعبي الناصري حزباً. في البداية، اتفقوا على إطار عمل أسموه “تنظيم القوى الشعبية الناصرية في صيدا”، ولاحقاً بات اسمه التنظيم الشعبي الناصري. فهو كان محاولة تنظيمية شعبية، قبل أن يصبح حزباً سياسياً. وهذه النقطة ما زالت إشكالية في التنظيم: هل نحن حزب أم حالة شعبية؟ أحياناً، تتقدم الحالة الحزبية وطوراً تطغى الحالة الشعبية. والوجهة التي أراها أفضل للتنظيم هي الجمع بين الحالة الشعبية والحالة المنظمة، وليس حزباً بالمعني الضيق. هي كانت محاولة لتنظيم أوضاعنا في وجه التحديات. وبعد هزيمة 1967، كان هناك استهداف للمشروع القومي العربي التحرري، فكان التنظيم هو تنظيم بالحد الأدنى للمواجهة والإجابة عن تساؤلات مطروحة لا بد من أن يكون لنا موقف منها. لذا، ولدت الحالة الشعبية التي كانت تسعى إلى تنظيم نفسها ضد مخاطر معينة. ولبنان في تلك اللحظة كان في دائرة الاستهداف. فالدول المعادية لحركة التحرر العربي، كانت تعتبر أن الهزيمة أثبتت وجهة نظرها القائلة بأننا عاجزون عن هزيمة “إسرائيل” ويجب أن نحاور أميركا. وقد استقوت، ومعها اليمين اللبناني. فكان الرد بتنظيم أنفسنا ومقاومة الهزيمة.

كيف تلقى معروف سعد هزيمة 1967؟

كما تلقتها الشعوب العربية، بالحزن والشعور بالمهانة. وكما نزل الناس للمطالبة بعودة عبدالناصر عن الاستقالة كذلك فعلت صيدا. وذهب معروف بعد ذلك إلى القاهرة للطلب من ناصر التراجع عن الاستقالة.

كيف كان المشهد السياسي لحظة اغتيال معروف سعد، وما معلوماتك عن الجريمة والتنفيذ؟

كان هناك أكثر من تحرك واعتراض قبل التظاهرة التي شارك معروف فيها واستشهد لاحقاً. كان الصيادون على طول الساحل اللبناني يعترضون على الشركة الاحتكارية التي يرأسها كميل شمعون وأُعطيت حق احتكار الصيد البحري، وبذلك تضرر الصيادون من الناقورة إلى العبدة. تركزت الاتصالات على مطلب إعادة النظر في القانون الذي منح الشركة حق الاحتكار، ولكن للأسف لم تتوصل إلى نتيجة. لذا، بدأت تحركات الصيادين ومنهم صيادو صيدا. وقبل يومين من التظاهرة التي أصيب بها حُرقت دواليب على الأولي وتوجه هو وفتح الطريق وأُصيب بعارض صحّي في التنفس بسبب استنشاق دخان الدواليب، ودخل مستشفى شعيب ليوم أو يومين حتّى استعاد تنفسه الطبيعي. عشيّة يوم التظاهرة، قصده أشخاصٌ وطلبوا إليه ألا يشارك في التظاهرة، وكان لديهم معلومات أمنية تفيد بأن أمراً ما سيحدث. لكنه قرر المشاركة، وكان يوماً ماطراً ولم تكن تظاهرة كبيرة، وحدث ما حدث. في لحظة إطلاق النار عليه رمى أحدهم طروبيناً ليضيّعوا اللحظة. لم يُصب أحد غيره في التظاهرة. يبدو أن قناصاً ما كان في انتظاره. وبعدما نقل إلى المستشفى بدأ التوتر. حتّى الآن لا تزال القضية في أدراج المحقق العدلي، الذي طلب جنوداً للتحقيق معهم فرفض طلبه.

هل الاغتيال مرتبط بشركة بروتيين أم بالبلد وأمنه والوضع السياسي العام؟

توالي الأحداث يدل على أن الاغتيال متعلق بأمن البلد، فقد بدأت تظاهرات ضد الجيش وتظاهرات مؤيدّة له، ولكن الحركة الوطنية كانت قوية وفاعلة فتمكّنت من استيعاب المسألة. ونحن كنا نتابع دراستنا، أنا في القاهرة ومصطفى في موسكو، وقد عدنا إلى لبنان. وعلى الرغم من الضربة القوية كان هناك مساع كبيرة لتهدئة الأوضاع، ونجحنا في ألا ينزلق البلد إلى حرب أهلية كما حدث في 13 نيسان 1975. لا أعتقد أن اغتياله مرتبط بشركة بروتيين فحسب، الموضوع له بعد أوسع بكثير.

السيد موسى الصدر وصف معروف سعد بأنه رجل حوار، لماذا أُغتيل وهو كذلك؟

حقّاً إنه رجل حوار، وهذا سبب من أسباب الاغتيال. هناك أشخاص يمكن أن يكونوا سبباً لفتنة، وأشخاص يمكن أن يكونوا عامل تهدئة لمنع الفتن والاحتراب والتوترات. معروف سعد كان حوارياً واغتياله كان لتمرير الفتنة، لأن الفتنة لا تحتمل الحوار، الفتنة تعني الصدام وكل ما هو عكس الحوار. معروف سعد كان رجل حوار وكان لا بد من إزاحته كي تكتمل عناصر الخلاف. اغتيل لأنه كان صمام أمان. ومصطفى سعد في هذا يشبه معروف سعد، ومحاولة الاغتيال التي تعرّض لها تشبه بدوافعها اغتيال معروف سعد.

فخلال فترة احتلال العدو الصهيوني الجنوب، اشتغلت الاستخبارات “الإسرائيلية” للفتنة. فتحتَ الضربات المتتالية للمقاومة اختار الاحتلال الانسحاب، لكنه سعى لفتنة طائفية في المنطقة. وكان مصطفى متنبهاً لذلك وبذل الجهود الكبيرة قبل انسحاب العدو “الإسرائيلي”، مع فعاليات المدينة وشرق صيدا والزهراني لمنع الفتنة وترتيب الأمور قبل انسحاب العدو. كان هذا شغله الشاغل، ولكن القرار “الإسرائيلي”- اللبناني الرسمي والحزبي، للأسف، قد اتُخذ وحضّروا لعملية الاغتيال التي انتهت بتفجير منزله وإصابته هو وعائلته وجيرانه وعدد من الأصدقاء الذين كانوا موجودين عنده. وغُيّب عن الساحة لفترة معينة، وإلى حد كبير بدأت الفتنة وانتشرت من لحظة التفجير، فنزلت جماعة أبو عريضة إلى الشوارع تهتف “بدنا نقولا عالمكشوف مسيحي ما بدنا نشوف”. وبدأت جماعة “إسرائيل” تشتغل على هذا الموضوع، والتنظيم كان في حالة إرباك، لكن أدى نائب رئيس التنظيم الدكتور نبيل الراعي دوراً مهماً وإيجابيّاً. وعندما أتيت أنا تَساعَدْنا كي لا تتنامى الأمور وتضافرت المساعي فاستعادت الحالة الوطنية وعلى رأسها التنظيم دورها وأمسكت بالساحة ونجحنا في وقف عمليات التفجير والفرز الديمغرافي.

هذا ما كان يمكن أن يعمله معروف سعد لو كان موجوداً. ولو لم يُغتل لكان لعب دوراً لمنع انزلاق لبنان إلى حرب أهلية دامت 15 سنة. كان شخصاً سلمياً ولا يقبل العنف الداخلي. العنف المسموح بالنسبة إليه هو لمقاومة العدو والاحتلال. هو وغيره من القادة، أمثال كمال جنبلاط وآخرين، وعلى الرغم من وجود انقسام في البلد، كانوا قادرين على السير في الحل السياسي وأخذ البلد إلى بر الأمان، مثلما حصل في 1958.

ماذا بقي من نهج معروف سعد؟

المدرسة التي أسسها معروف سعد في صيدا والجنوب هي مدرسة وطنية اثبتت وجودها بمراحل مختلفة من الحرب الأهلية. كانت المدينة نموذجية في تنوع السياسة فيها، وكانت خياراتها دائماً خيارات لعب الأدوار في تهدئة الصراعات الداخلية. كان دورها في حرب المخيمات إيجابياً لجهة وقف القتال. وكان دورها إيجابياً في وقف حرب الإخوة بين حزب الله وحركة أمل. كانت تلعب أدواراً لها جذور من أيام معروف سعد والحالة الوطنية الراسخة في المدينة. والآن، المدينة مطالبة بلعب الأدوار نفسها في مواجه التحديات والمصاعب، خصوصاً في مواجهة حالة التمذهب.

هل ترى نفسك أميناً لأمانة معروف سعد؟

الأمانة ليست سهلة، ولكن من وجهة نظري، ما دمنا منخرطين في النضال في كل الساحات القومية والوطنية والسياسية والاجتماعية، فنحن نحافظ على الأمانة. ومن خلال قراءتي لتجربة معروف سعد وخياراته القومية والوطنية والسياسية والاجتماعية وانحيازاته، وكذلك من خلال مواكبتي لسيرة الأخ مصطفى، أقول إنني في الطريق نفسه. الظروف والتحديات والمخاطر مختلفة، لكن الثوابت ذاتها: الوطنية، العروبة كمشروع تحرري وتقدمي وعصري، فلسطين، الانحياز للفئات الشعبية والكادحة والمنتجة، ورفض كل ما هو طائفي ومذهبي وظلامي وإقصائي. هذه ثوابت معروف سعد ومصطفى سعد ونهج التنظيم والقوى الوطنية الديموقراطية، ولا أشعر أنني خرجت عن هذا المسار.

المصدر موقع الجنوب