أسعد زغموت روى للتاريخ ملحمة صمود وسقوط الصفصاف – نضال حمد

الحلقة الثالثة من حلقات صمود وسقوط بلدة الصفصاف

قبل سنوات طويلة نشرت صحيفة الاتحاد من دمشق شهادة أسعد زغموت المولود في بلدة الصفصاف الجليلية الفلسطينية سنة 1929. فقد كان من أبناء البلدة الذين شاركوا في الدفاع عن الصفصاف إبان محاولات احتلالها من قبل العصابات اليهودية الصهيونية المسلحة، القادمة من أوروبا لاستعمار فلسطين، المسنودة من بريطانيا ودولاً أوروبية كثيرة، قامت بتسليحهم وتدريبهم وتزويدهم بجوازات السفر والوثائق، كما وسهلت وصولهم الى فلسطين العربية المحتلة بريطانياً عبر التنسيق مع الاستعمار والاحتلال البريطاني الذي كان يسمى انتداباً.

أسعد زغموت من مواليد قرية الصفصاف قضاء صفد عام(1929)، و قد شارك في معركة الدفاع عنها ضد الغزو اليهودي الصهيوني الاستعماري (1948) وفي شهادته المليئة بالمعلومات والأسماء والتواريخ روى قصة الصفصاف كما عاشها حتى لحظة مغادرتها مرة واحدة والى الأبد صوب دمشق، التي استقبلته فعاش في مخيم اليرموك عزيزاً، مكرماً حتى وفاته.

يقول العم أسعد زغموت الذي كان لي شرف اللقاء به في دمشق قبل سنوات طويلة:

بدأنا بالتحضير لمعركة الدفاع عن البلدة وكان شأننا في ذلك، شأن المدن والقرى الفلسطينية التي بدأت بالتهيؤ والإعداد لمواجهة (اليهود)، فجرى تشكيل اللجان القومية في المدن والقرى.

ففي بلدة الصفصاف وبعد قرار تقسيم فلسطين الصادر في 29-11-1947 بحسب المرحوم أسعد زغموت قام أهل البلدة بتشكيل لجنة لادارة البلدة والدفاع عنها. تشكلت اللجنة من مندوبين عن عائلات البلدة ومن هؤلاء ذكر اسعد زغموت الأشخاص التالية أسماءهم: قاسم زغموت، علي طه شريدة، إسماعيل حمد، ونجيب يونس وغيرهم من ممثلي العائلات الأخرى.

وأضاف الحاج أسعد زغموت: “المرحلة الأولى من عمر تلك اللجنة تركزت على القيام بشراء السلاح. كذلك على القيام ببعض التدريبات، وتنظيم الحراسة”.

لقد استشعر أهل الصفصاف الخطر المحدق بهم وبقريتهم فقاموا بتسيير الدوريات لحماية القرية من الغارات الصهيونية خاصة من مستعمرة زيتيم القريبة. وشارك المتطوعون والمتدربون الصفصافيون في نجدات للقرى العربية التي كانت تتعرض لهجمات العصابات اليهودية الصهيونية.

في معرض حديثه أضاف السيد أسعد زغموت: عملية التحضير والتهيئة أصبحت اكثر جدية مع دخول فوج من المتطوعين السوريين (ضمن جيش الإنقاذ ) بقيادة النقيب غسان حديد، ومساعده الملازم جودت أتاسي والوكيلان محمد بركات وحسن زينة إلى بلده الصفصاف والمنطقة المحيطة بها، حيث بدأت إقامة الاستحكامات وتكثيف التدريبات، التي أصبحت أكثر جدية. ويقول الزغموت منذ ذلك الحين بدأ ايلاء الصفصاف ما تستحقه من اهتمام كموقع استراتيجي. لأنه من المعروف للضالعين بالشؤون الأمنية والعسكرية أن سقوط الصفصاف سوف يكون بداية سقوط كل الجليل الغربي لأنها كانت تعتبر بوابة الجليل وخطه الحصين الأول.
معروف لأهل البلدة وخاصة كبار السن والذين عاشوا فيها لسنوات عديدة من الشباب والصبايا والأطفال الذين خرجوا منها يوم نكبتها وسقوطها بأن شرق الصفصاف وهذا ما أكده أسعد زغموت في شهادته: “كان يتألف من قسمين: “الشمال الشرقي وهو سهل (مرج) ومنه منخفض يتجه إلى القرية، أما الجهة الجنوبية والجنوبية الشرقية فهي جبلية ووعرة يصعب الاقتحام منها، وهناك الطريق القادم من الناصرة باتجاه لبنان، وجرى تركيز الاستحكامات في المنطقة السهلية التي كنا نتوقع أن يأتي الهجوم منها.”.

في حين سمعت نفس كلام زغموت من والدي المرحوم أبو جمال حمد الذي دافع عن الصفصاف ببندقية عائلة حمد لأنه كان من القليلين الذين تدربوا عسكرياً وأجاد استخدام السلاح. كذلك من آخرين من كبار السن في الصفصاف رحمهم-ن الله بأن الاستحكامات في القرية امتدت من غرب القرية (العين التحتا) بمحاذاة الطريق الرئيسي صفد – عكا. مروراً بقرية ميرون المجاورة الى الصفصاف والجش حيث كان مركز ومقر قيادة جيش الانقاذ الرئيسي. ثم وصولا آلي الحدود الفلسطينية اللبنانية. فيما من جنوب القرية باتجاه والى الشرق في منطقة المرج مقابل قرية (قديثا) حيث أقيم البرج الرئيسي بإمرة الوكيل (حسن زيني) وهو بطل عربي سوري من أبناء اللاذقية على الساحل السوري. يوم أمس في الحلقة الثانية عن الصفصاف قلت أنني لا أعرف ماذا حل بحسن زينة بعد سقوط الصفصاف. لكنني عرفت فيما بعد من شهادة اسعد زغموت أنه انسحب بسلام بعدما قاتل قتال الأبطال وحتى اللحظة الأخيرة.

لقد كان وبحسب أهل الصفصاف للأبراج والاستحكامات التي أقامها جيش الانقاذ دوراً مميزاً في صمود البلدة وايقاعها خسائر فادحة بالغزاة الصهاينة، جعلتهم فيما بعد وعقب سقوط البلدة ينتقمون من أهل الصفصاف بارتكاب المجزرة المروعة.

يقول اسعد زغموت في شهادته لصحيفة الاتحاد من دمشق:

“أعطتنا الأبراج والاستحكامات ثقة عالية بالنفس فهي كانت حصينة يصعب اختراقها ويفصل بين الواحد والآخر حوالي (200م) في الجهة الجنوبية الشرقية (الجهة المتوقعة للهجوم )وتصل بينها خنادق للنقل أثناء المعركة”.

نقطة التحل الرئيسية في حياة الصفصاف كانت بعد سقوط مدينة صفد عاصمة الجليل الأعلى وجارة الصفصاف. فعقب سقوط صفد كثف أهل الصفاف التدريبات وكذلك دوريات الحراسة، وكان ذلك في أوائل أيار/ مايو/ 1948، فبعد سقوط صفد تزايدت هجمات اليهود الصهاينة ومحاولاتهم اختراق الخط الدفاعي للصفصاف. وكثفوا محاولات التسلل من المنطقة الوعرة.

في هذا الصدد قال أسعد زغموت:

” كنت مع أهلي في حقلنا نقوم بالحصاد حين سمعنا إطلاق نار الى الشرق من البلدة (بداية تموز- يوليو 1948)، قلت لأهلي لا بد أن معركة قد وقعت، ركبت فرسي وأخذت سلاحي وتوجهت الى الجهة التي كان يأتي منها صوت إطلاق النيران، حتى وصلت منطقة الأحراش، التي كان يتواجد فيها عادة خفراء لحراسة الغابة، وفيها أيضاً بيت وسط الحرش، قبل وصولي الى بيت الخفراء بقليل وجدت ضابطا عراقيا اسمه أبو علي عمران (ربما يكون هو الشهيد العراقي الذي تحدث عنه الشخص من آل عبيد في الحلقة الثانية)، ومعه حوالي العشرة من أفراد الحرس الأهلي من أبناء القرية، وهم يتجهون نحو القرية، سألتهم إلى أين؟ فقالوا إلى الاستحكامات، ولكنني حرضت الشباب على العودة متجهين الى البيت الذي في وسط الحرش زحفا حيث قامت مجموعة بالتغطية وتقدمت المجموعة الأخرى، حتى وصل معي خمسة أشخاص الى البيت في الحرش. أذكر منهم فيصل زغموت، محمد مرعي الحسن وأحمد سعيد زغموت، وكان مع كل منا بندقية إنجليزية، فأخذنا نضرب بست بنادق مرة واحدة، لإيهام اليهود بأننا نملك رشاشا، وسرعان ما التحق بنا الضابط العراقي وأفراد آخرون من الحرس الأهلي أصبحنا جميعا داخل البيت وسط الحرش، ومن هناك أصبحنا أكثر قدرة على تحديد جهة إطلاق النار علينا، فأقترحت على فيصل زغموت القيام بهجوم لتطويق الرشاش وأسره… وبالفعل تحركنا زحفاً بإتجاهه، فإذا بطلقات تأتي من الجهة الجنوبية الغربية. صدرت عن رشاش (برنج) فخشينا الوقوع في طوق النيران، فعدنا الى البيت وهناك أشرف الضابط العراقي (أبو علي عمران ) على تنظيم هجومنا مرة أخرى، على موقعي الرشاشين، حتى أجبرنا اليهود على الانسحاب… وعندما وصلنا الى مواقع الرشاشات وجدنا بقايا علب ذخيرة وحبالاً استخدموها لسحب قتلاهم”.

في تلك الأثناء كان قد وصل خبر الى القرية بأننا وقعنا في التطويق، فسارعت النسوة وهن يحملن الماء والطعام والذخيرة لنجدتنا وعندما تبين أننا أجبرنا اليهود على الانسحاب دب الحماس في نفوس الجميع، وارتفعت المعنويات، وبعد تلك المعركة بدأنا حراسات أكثر تنظيماً ووسعنا مدى تجوال الدوريات خاصة بعد أن تكررت هجمات اليهود على القرى المجاورة حتى كان يوم 28/10/ 1948م. في ذلك اليوم كنت برفقة المختار (أبو حسن) محمد كريم زغموت، واخي سعيد محمد زغموت، وابن عمي مفلح زغموت وذيب سلامة من الظاهرية في زيارة الى (أبي علي عمران) في مقره بقرية ميرون كعوش التي تبعد ستة كيلومترات عن قريتنا، وحوالي الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، واثناء وجودنا في مقر قيادة الضابط عمران في ميرون ظهرت في الأجواء طائرة استطلاع لليهود، قامت باستطلاع المنطقة بدءا من قرية الجش شمال قريتنا حتى قرية ميرون فأدركنا عندئذ أن هجوما وشيكا سوف يقع.عدنا مسرعين الى القرية، التي وصلناها حوالي الرابعة والنصف عصراً، وهو الوقت نفسه الذي بدأت فيه طائرات اليهود عمليات القصف، مركزة على مواضع تمركز جنود جيش الإنقاذ، كذلك على البيادر التي كان يتواجد فيها أعداد كبيرة من اللاجئين من مدينة صفد ومن عرب القديرية وبعض عشائر البدو من منطقة طبريا من المواسي والزنغرية.

وأضاف العم أسعد زغموت أن القصف اليهودي الصهيوني خلق حالة من الارتباك، لا سيما مع اشتعال الحرائق في البيادر، وصرفنا جهوداً كبيرة من أجل إطفاء الحرائق الأمر الذي استمر حتى الغروب، حيث بدأ النقيب غسان حديد بوضع خطة الدفاع عن البلدة.  قام بتوزيعنا على أبراج الحراسة المعدة مسبقا، وقام بإرسال ابن عمي صالح زغموت الى البرج الشرقي الأمامي، حيث تواجد الوكيل حسن زيني (أبو جهاد) ومعه رسالة تقول: “الوكيل حسن زيني، ربما هوجمنا هذه الليلة، إثبت مهما كلف الامر” وهذا ما كان.

يتبع غداً

نضال حمد – النرويج في 13-10-2021