أسعد كعوش وفرقته وأول مسرحية -الحلقة الرابعة– إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

أول مسرحية للأستاذ أسعد “الأخُوّة أقوى من الحُب”:

حكاية الأستاذ أسعد كعوش وفرقته وما تلاها من فرق وتلاه من فنانين هي حكاية المخيمات وبالذات عين الحلوة والمية ومية، وربما كافة المخيمات الفلسطينية في لبنان من جنوبه الى شماله ومن غربه الى شرقه. أكتبها على حلقات لأضيء على مرحلة مشعة من حياة شعبنا بالرغم من البدايات الصعبة في عصر الظلم والظلام والقمع والإرهاب، أيام المكتب الثاني اللبناني والذين كانوا يعملون عملاء وجواسيس له في مخيماتنا وهم للاسف كانوا مجموعة من المتساقطين من أبناء جلدتنا.

يوم أمس أجابتني على سؤالي عن جدها الشابة هديل حفيدة الأستاذ أسعد كعوش فقالت لي:” بأن جدها الذي أحب ولازال يحب فلسطين حباً جماً، حب فوق العادة، بدأ مسيرته الفنية الفدائية بمعنى من معاني الفداء والتضحية والنضال”. معها حق فقد بدأها في عز ظلم وقمع المكتب الثاني اللبناني.

البداية والانطلاقة

بالنسبة لأول مسرحية فقد كتبها الأستاذ أبو العبد كعوش بناءاً على طلب من أبي شعلان كعوش وهي مسرحية “الأخُوّة أقوى من الحُب”، يعني بمعنى آخر وبلهجة أهل ميرون والجليل الأعلى “فلسطين أحب بلد لأصحابها”… ولكن وجود وسيطرة الشعبة الثانية وجواسيسها في ذلك الوقت منعت أسعد كعوش من كتابة عنوان المسرحية فلسطين كذا وكذا، فكانت فلسطين هي الحب والأخوة هي العرب ومنهم الشعب اللبناني الشقيق. لأن فلسطين هي قضية العرب كلهم من المحيط الى الخليج ومن الخليج الى المحيط فإن أخوة ووحدة العرب ومصيرهم الواحد يجعل الهجمة تستهدفهم كلهم، نعم كلهم فقد بدأت مع سايكس وبيكو وأستعرت مع وعد بلفور وأتضحت تماماً منذ احتلال فلسطين سنة النكبة 1948. وتكشفت أخطر فصولها بعد مذبحة استسلام السادات ثم سلام شجعان أوسلو.

علمنا من الاستاذ ابو العبد بأن بطل تلك المسرحية كان أبي شعلان كعوش ومعه مجموعة من الممثلين مثل: رعد كروم، محمد مصرية، وليد زيدان، عبدالله كروم، أحمد نعيمة ومجموعة أخرى من الممثلين. تم عرضها في بلدة الغازية، وفي مخيم الرشيدية ثم في الجامعة الامريكيه في بيروت، وأيضاً في مخيم ضبية شرق بيروت وفي أماكن أخرى.

في هذا الصدد قال الأستاذ أسعد كعوش لموقع الصفصاف-وقفة عز- : “بعد عرضها قدم شخص مجهول – يعني مخبر أو جاسوس- تقريراً الى مركز الأمن العام في صيدا، بأن المسرحية تحكي عن فلسطين وتدعو الشعب الفلسطيني الى إعلان الثورة والتعبئة والتسلح، فأضطر مدير الأمن العام في ذلك الوقت في مدينة صيدا أن يلقي القبض على جميع أعضاء الفرقة وإحضارهم الى مركز الأمن العام. كانوا أكثر من ٢٠ شخصاً، هناك بدأ التحقيق معهم، فقال المحقق أن هذه المسرحية تدعو الفلسطينيين الى إعلان الثورة وحمل السلاح وهذا يخل بالأمن والاستقرار في لبنان وسوف تدخلون السجن لمعاقبتكم”.

تخيلوا وتخيلن الموقف الذي أصبح فيه أستاذنا أسعد وفرقته كذلك. ففي ذلك الوقت كان المكتب الثاني اللبناني سيء الصيت والذكر والسيرة والسمعة يعتقل الفلسطيني ويعاقبه لأتفه الأسباب، فما بالكم-ن والقصة كبيرة وفيها تقرير مُحكم عن دعوة لكسر القيّد والخيمة وللثورة. بعد سماع ما قاله مدير الأمن تدخل المتهم الرئيسي الأستاذ أبو العبد كعوش وطلب من المدير أن يسمح له بقراءة بعض سطور نص المسرحية. فوافق المدير، ولحسن الحظ كان سيناريو المسرحية في جيّب الاستاذ أسعد فأخرج النص وأخذ يقرأ أمام المدير.

تقول الشابة هديل في تلك اللحظات كان جدي أبو العبد ينتظر من المدير أن يقول له توقف عن القراءة ولكنه لم يفعل، وأخذ يستمع لقراءة النص وهو ينصت بإهتمام. كان جدي يقرأ كلمات المسرحية بصوت حنون حسب كلمات المسرحية، وفجأة نظر جدي الى وجه المدير فرأى الدموع تنهار من عينيه وتسيل على خديه، توقف جدي عن القراءة ولكن المدير قال له تابع، تابع… وتابع جدي القراءة حتى آخر المسرحية”. بعد أن انتهى أستاذنا أبو العبد كعوش من القراءة نظر المدير إليه قائلاً:

هل هذه مسرحيتكم التي عرضتموها في المناطق اللبنانية؟

فقال له الأستاذ أسعد: نعم سيدي.

وقف المدير وضم جدي الى صدره قائلاً: أنا معكم أي مع القضية الفلسطينية ولكن ظروف لبنان الأمنية في هذا الوقت لا تسمح بذلك. لذا أطلب منكم تأجيل عرض هذه المسرحية بعد اليوم إلى أن يأتي الوقت المناسب والزمان المناسب. ثم قام المدير بجمع كل شباب الفرقة وقدم لهم التهاني على هذه المسرحية… وقال: أنا آسف وأعتذر لأنني أمرت بإعتقالكم، جهزوا أنفسكم للعودة إلى بيوتكم ولكن إحذروا من الخونة والجواسيس بينكم.

لحسن حظهم أنهم أوقفوا عند هذا الضابط القومي والوطني الغيور على فلسطين وعلى العروبة والذي يقدر ويحترم الأدب الملتزم والفن الراقي ويعتبرهما وسيلة نضالية. واضح أنه هو نفسه كان يحتقر عملاء وجواسيس الشعبة الثانية من الفلسطينيين، الذين خانوا شعبهم ومخيماتهم وسقطوا في وحل التعامل والتجسس. لذا حذرهم من أولائك الساقطين بالرغم من أنهم كانوا يعملون لصالح الدولة اللبنانية وأقوى وأخطر أجهزتها الأمنية في ذلك الوقت.

بالنسبة للمسرحية كان الأخ محمد القرش سبق وحدثني قليلا عنها حين قال لي أول أمس بأن الأستاذ أسعد بدأ مشواره الفني في المخيمات “حين قام بجمع فرقة للتمثيل، وذلك خلال فترة تواجد عناصر المكتب الثاني داخل المخيمات، حيث قدم وإخوانه مسرحية وطنية، تثقيفية، حاكت المعاناة والظلم والتعذيب الذي لاقاه أبناء شعبنا على يد الظلمة”.

معروف للجميع أنه في زمن المكتب الثاني أو الشعبة الثانية أي المخبارات اللبنانية سيئة الذكر، كان العداء للفلسطينيين في أوجه، فالشعبة الثانية كانت مثل جهاز الشاباك الصهيوني تشبهه تماماً في عدائها للفلسطينيين وأذلالها اليومي لسكان المخيمات. كانوا يفتعلون العقوبات لأتفه الأسباب، مثلا يعاقبون عائلة وبيت ما لمجرد أن مياه الشطف في الدار تسربت إلى خارجه.

كما وصل الحد بضابط صغير لبناني نسيت إسمه ربما “إلياس” أو “أبو إلياس” وهو من شرق بيروت، كان يخدم في مكتب شعبة مخيم عين الحلوة، أن قام بتهديد الشيخ حسين الزغموت مؤذن جامع الصفصاف ومنعه من إقامة آذان الفجر في ذلك اليوم، لأنه اعتبر ذلك إزعاجاً له. لم يسمع المصلون آذان الفجر كالعادة  فأستهجنوا ذلك، ولما ذهبوا الى الشيخ حسين وسألوه عن السبب، أخبرهم بالتهديدات التي تلقاها وبالسبب لعدم رفعه الآذان.

تلك الحادثة حدثني عنها والدي أبو جمال حمد رحمه الله وهي معروفة لكبار السن في حارة الصفصاف وفي المخيم. في اليوم التالي قام وجهاء الصفصاف ووجهاء من المخيم بالتوجه الى مفتي صيدا ومفتي لبنان، حيث تدخلت دار الافتاء وتم نقل الدركي الحقير الى مكان آخر. كما ترون فبدلاً من محاسبته ومحاكمته ومعاقبته تم فقط نقله الى مكان آخر. بعد ذلك عاد الشيخ حسين يؤذن الفجر كالعادة.

تلك كانت أمثلة على عداء فاشيي لبنان للفلسطينيين في المخيمات، أما الضابط الأمني الكبير الذي أطلق سراح الفرقة واعتذر منهم فهو عينة حقيقية عن فئة كبيرة وعريضة من اللبنانيين القوميين والوطنيين الذين تبنوا قضية فلسطين ودفعوا ثمناً ضخماً لذلك هم وشعبهم العربي الشقيق.

استاذنا أبو العبد كعوش بالرغم من كل ذلك واصل العمل ولم يتوقف فبعد أن نجحت مسرحيته التي قدمها لأول مرة في صيدا. دعيت الفرقة لإداء المسرحية في مخيم الرشيدية قرب مدينة صور الجنوبية، ثم لاحقاً في قاعة الجامعة الأمريكية في بيروت حيث أخذت ضجة كبيرة ودعما كبيراً من غالبية الجمهور والحضور.

في هذا الصدد يضيف صديقنا محمد القرش:

” كانت مسرحية مقاومة بكل معنى الكلمة تناولت صمود الشباب وايمانهم بالعودة الى ما سُلب!!!!!. كما تناولت العملاء المتعاملين مع المكتب الثاني، ونظرة الشعب لهم، مع نبذة عما كان العملاء يقومون به من التنسط على شبابيك أبناء المخيم وكيف كانوا يوصلون المعلومات لمشغليهم في المكتب الثاني”

حين سألنا في موقع الصفصاف -وقفة عز- الأخ محمد القرش عن نوعية المسرحية وإن كانت غنائية أجابنا بأنها لم تكن غنائية ولكن خلال الحفلة كان يقدم الأستاذ الفنان أبو العبد كعوش بعض الأغاني، وكان يقدم اسكتشات كوميدية للترفيه. عمل معه في ذلك الوقت محمود كعوش –أبو شعلان- الذي كان يجيد كتابة السيناريو ويتسم بروح النكتة والمرح والدعابة.

إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

تتبع الحلقة الخامسة

22-01-2022