أمريكا الجنوبية واليسار الهَشُّ – نموذج “إكوادور” – الطاهر المعز

 
تعاقب على إكوادور سبعة رؤساء خلال عشر سنوات، وأصبح “رفائيل كُورِّيّا” رئيسًا مُنْتَخَبًا للبلاد سنة 2007، وهو ينتمي إلى تيّار ما اصطُلِح على تسميته “اشتراكية القرن الواحد والعشرين” في أمريكا الجنوبية (وفي في الواقع إصلاحات داخل منظومة الرأسمالية نفسها، بزيادة تَدًخُّل جهاز الدّولة في توجيه الإستثمار، وتوزيع الثروات)، وشَرَع في تطبيق الإصلاحات، عبر زيادة نصيب البلاد من عائدات النفط، مثلما حصل في فنزويلا وبوليفيا وبعض دول أمريكا الجنوبية، فرفع الدولة حجم الإنفاق الإجتماعي، والإستثمارات في الرعاية الإجتماعية، وقطاعات الصحة والتعليم والتّدريب (التّأهيل) والمَسْكن والبُنْية التحتية والصّرف الصحي، وهي عوامل ساهمت في انتقال ملايين السّكان من حالة الفقر المُدْقَع، والتحاق آلاف الفُقَراء بصفوف البرجوازية الصغيرة (أو ما يُسمّى “الفئات الوُسْطى”)… حققت “إكوادور” بين سنتي 2007 و 2016 عددًا من الإنجازات الإقتصادية الهامة في ظل حكم “اليسار” فسيطرت الدولة على النفط (أحد أهم صادرات وموارد البلاد) الذي كان تحت سيطرة الشركات الأمريكية، وأغلق الرئيس “كوريا” القاعدة الجوية الأمريكية في “مانتا”، وانخفضت قيمة ونسبة الدَّيْن الخارجي، بعد تنصيب لجنة دولية قامت بعملية فرز وإلغاء ما يُسَمّى “الدُّيُون الكريهة” (أو غير الشّرعية) التي لم يستفد منها سوى رجال الحكم، وأصبحت البلاد في المرتبة الأولى بين الدول التي تمكنت من تقليص نسبة الفقر بخروج مليوني مواطن من حالة الفقر (من إجمالي حوالي 16 مليون نسمة)، وتقليص الفوارق الطّبقية بشكل ملحوظ، وفق تقرير للأمم المتحدة (2016)، حيث انخفضت نسبة الفقر من 36,74% سنة 2007 إلى 23% من السّكان، بنهاية 2016 وارتفع الناتج المحلي الإجمالي من 48 مليار دولارا سنة 2007 إلى 94 مليار دولارا بنهاية 2016…

بعد دورتين، تخلى الرئيس “رفائيل كوريا” عن الحُكم، ليخلفه “لينين مورينو” (نيسان 2017)، وهو شخصية انتهازية، تعكس ميولات البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى، التي قد يكون خطابها “يساريا” (في حُدُود)، ولكنها ترفض التضامن مع العُمّال والفُقراء، وأصبح “مورينو” رئيسًا في ظروف عسيرة، تميزت بانخفاض أسعار النفط، وموارد الدّولة (من 23 مليار دولارا سنة 2008 إلى 15 مليار دولارا سنة 2016)، وأعلن “مورينو” عن “إصلاحات اقتصادية تشمل زيادة الضّرائب وخفض الإنفاق الحكومي”، وعَزَل الرئيس (الذي يُمَثِّلُ تَيّارًا “إصلاحيا” يمينيا، مقارنة بتيار سَلَفِهِ) نائبه “خورخي غلاس”، أحد رُموز التيار الإشتراكي داخل أجهزة الحكم، وأصبح الرئيس يعتمد على تأييد اليمين المُوالي للولايات المتحدة في تنفيذ سياساته وبرامجه، مما جعل الرئيس السابق (كوريا) يعود إلى الواجهة ليُصرّح إن برنامج “مورينو” يُمثل   “خروجًا عن المسار المُتّفق عليه” قبل انتخابات 2017، و”تنفيذًا لبرنامج اليمين المُحافظ” ونسفًا للمكتسبات الاجتماعية، إذ قرر الرئيس “مورينو” إعفاء الشركات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب بعض المزارع من الضرائب على الأرباح بأَثَرٍ رجعي، مع إلغاء الضريبة على شركات المضاربة العقارية،  وأَقَرّ إعفاء الإستثمارات الأجنبية من الضرائب لمدة خمسة عشر سنة، كما قَرَّر الرّئيس إعادة قوات جيش “المارينز” إلى قاعدة “مانتا” الجوية، والتي طردَهُم منها الرئيس “كوريا”…

أثارت السياسة اليمينية لفترة حكم الرئيس “لينين مورينو” (القَصِيرة لحد الآن) غَضَبًا شعبيا، واعتبر المناضلون النقابيون ومنظمات اليسار والحركات الإجتماعية هذه السياسة “انقلابًا” على المكاسب الإجتماعية، وعلى سياسة الحوار والتّشاور التي انتهَجَها الرئيس السابق “رفائيل كُورِّيَّا”، وشارك عشرات الآلاف من المواطنين في مظاهرة شعبية واسعة في العاصمة “كيتو” يوم الخميس 14 أيلول/سبتمبر 2018، احتجاجاً على الإنقلاب على “ثورة تحالف المواطنين” (وهو الإسم الذي كان يُطْلَقُ على فترة حُكم الرئيس كوريا)، ومعارضة “السياسات المنحازة إلى مصالح الرأسمالية العالمية” وضد “نسف المكتسبات السياسة الديمقراطية والمكتسبات الإقتصادية”، وفق بيانات الدعوة للمظاهرة، بعد 16 شهرًا من حكم الرئيس “مورينو”، وورَدَ في برقية لوكالة “أسوشيتد برس” اعتراف “بمشاركة ملحوظة لمواطنين عاديين، لم ينخرطوا من قَبْلُ في أي نشاط سياسي مُنَظّم، مما يُشِير إلى تراكم ملموس للغضب الشعبي، خلال فترة قصيرة، كانت كافِيَة لتأجيج غضب المواطنين، الذين انتخبوا الرئيس “مورينو” (نيسان/ابريل 2017) على أساس برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي تقدّمي، سُرْعان ما انقلب الرئيس على مضمونه، بإلغاء مضمون ومفاعيل القوانين والتشريعات التقدمية التي أقرتها الحكومة والبرلمان السابقيْن، واتخذ مجموعة من القرارات لا يستفيد منها سوى الأثرياء والضباط الإنقلابيين السابقين، والشركات  الأجنبية، مع إقرار سياسات تقشّف، تُخَفِّض أو تُلْغِي الإنفاق الإجتماعي، وخصخصة مؤسسات القطاع العام، مع رفع أسعار المواد الأساسية؛ بما فيها المحروقات إلى مستويات قياسية مرتفعة، وتزامنت هذه الخطط الرأسمالية الليبرالية مع استعادة النفوذ الأميركي العسكري ( القاعدة الجوية)، والتنسيق الأمني، عبر إعادة فتح مكاتب الإستخبارات الأمريكية، حيث كانت تُتّخذ قرارات محاربة قُوى اليسار وتصفية رُمُوزِها في كولومبيا وفنزويلا وبوليفيا وغيرها، وأعاد “مورينو” فتْح مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (وهو مؤسسة داخلية أمريكية للتحقيقات)، على الحدود مع “كولومبيا”، بحجّة “مكافحة تجارة المخدرات”، بينما كشفت تقارير عديدة، ومن بينها تقارير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المُخدّرات والجريمة المُنَظّمة، إشراف وحماية المخابرات ومختلف الأجهزة الأمنية الأميركية نشاط  تجارة المخدرات، واستخدام الإيرادات لتمويل منظمات رجعية مسلحة تُقاوم النضالات الشعبية في أمريكا الجنوبية وفي مناطق أخرى من العالم، وكان الرئيس “كوريا” قد أغلق مكاتب التنسيق الأمني سنة 2014 (لماذا تأخر في إغلاقها؟)، وضيقت حكومة “إكوادور” على استثمارات الصين (المستثمر الرئيسي في إكوادور)، وعززت علاقاتها مع الكيان الصهيوني…

ورد في وثائق “ويكيليكس” المنشورة سنة 2010 وثيقة للسفيرة الأميركية في “إكوادور” يعود صُدُورُها لسنة 2007، تصف فيها “لينين مورينو” نائب الرئيس اليساري “رفائيل كورِّيَّا” بالجيد للمصالح الأميركية، وأشار العديد من الباحثين والمُثَقّفِين من يسار البلاد إلى ميل نائب الرئيس آنذاك إلى التحالف مع اليمين، وإلى محافظته على علاقات جيدة ببعض المُؤسسات الأمريكية، وممثليها في أمريكا الجنوبية، وظهرت صحة كل تلك الشكوك عندما اعتمد الرئيس “مورينو” على القوى الشعبية واليسارية لانتخابه رئيسا، ثم الإنقلاب على هذه القوى، والتحالف مع اليمين الرجعي والكمبرادوري، لاستصدار قوانين تجرّم الرئيس كوريّا، وتمنع أنصاره من تشكيل حزب سياسي جديد، ولعودة النفوذ العسكري والأمني والسياسي الأميركي، وفتح البلاد أمام الشركات متعددة الجنسية من جديد… كل ذلك خلال أقل من 16 شهرًا.

تميز حكم اليسار في أمريكا الجنوبية بانتهاج سياسة إصلاح المنظومة الرأسمالية، عبر زيادة الإنفاق الحكومي، وتقليص نسب الفقر، لكن وسائل الإعلام وشبكات توزيع الإنتاج والسلع، ومنظومة التعليم الخاص (من الحضانة إلى الجامعة) بقيت (في جميع هذه الدول) على ملك البرجوازية الكمبرادورية التي بقيت تتحكم في قطاعات واسعة من اقتصاد هذه البُلْدان…

 عن “فايننشال تايمز” + وكالة “رويترز” + وكالة “أسوشييتد برس” من 14 إلى 17/09/18