الأرشيفالجاليات والشتات

أمُّ شهيدٍ وصورتُه – بقلم نضال حمد

صباح اليوم، وبينما كنتُ أتجوّل في فيسبوك وأتصفّح بعض الصفحات، عثرتُ على حساب لفتاةٍ عربية—يبدو أنّها فلسطينية مقيمة في السويد. وخلال تصفّحي لصفحتها، التي استوقفتني فيها جودة المنشورات، صادفتُ منشورًا عن المرأة الفلسطينية بشكلٍ عام. وبين الصور المرفقة، وقعتُ على صورةٍ لخالتي الراحلة أمّ محمد حسين من مخيم شاتيلا؛ وهي أمّ الشهيد القائد الفدائي محمد حسين، رفيقي ورفيق الشهيد القائد علي أبو طوق وأحد قادة الصمود الملحمي في مخيمي صبرا وشاتيلا خلال ما عُرف بحرب المخيمات في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

في الصورة، تظهر الخالة أم محمد وهي تسير وسط الدمار والأنقاض في المخيم، تحمل على رأسها جرّة غاز، وفي يدها الأخرى إطارًا يضم صورة ابنها الشهيد محمد. وهي، بالمناسبة، نفس الصورة التي أحتفظ بها في ألبوم صوري الخاص، ونفس الصورة التي رأيتها معلّقة على جدار منزل قريبٍ لنا من جهة والدتي في حي صفورية وسوق الخضار بمخيم عين الحلوة. وهي أيضًا ذاتها الصورة الموجودة ضمن صور شهداء المخيمين في مسجد المخيم، الذي تحوّل إلى مقبرة خلال تلك الحرب، ثم أصبح لاحقًا أشبه بمتحفٍ وطنيٍّ في المخيم.

عندما شاهدتُ الصورة، عادت إليّ ذكرياتي في مخيم شاتيلا، في دار العم الراحل أبو إسماعيل حمد (جميل الزين)، وزوجته العمة الراحلة أم إسماعيل حمد. وتذكّرتُ العم الراحل عطا زغموت، والعم الراحل أبو عفيف حمد (برج البراجنة)، والعم الراحل أبو حمادة وعائلته، والعمة الراحلة زهيا الطالب أم أيوب – رحمهم الله جميعًا. كما تذكّرتُ كل أحبّتي في مخيم شاتيلا، وعلى رأسهم الخالة الراحلة أم محمد حسين وابنها الشهيد محمد.

أتذكّر أنّ محمد جاء يومًا إلى دار العم أبو إسماعيل، ودعاني أنا ورفاقي خالد والمرحوم وائل إلى بيته، الذي دمّرته الحرب لاحقًا. هناك، حملني مع الرفاق—أنا وعربتي المتحرّكة—وصعدوا بي عبر درجٍ طويل إلى الطابق الثاني، حيث شاهدنا معًا فيلمًا عن حصار بيروت. ظهرتُ فيه وأنا أقاوم قبل الإصابة، وكذلك وأنا أقاوم جراحي في مستشفى غزة في اليوم الثاني من المجزرة في المخيمين؛ أقاوم الألم لأعيش، كما كنتُ في المشهد الأول أقاوم الاحتلال ليعيش شعبي ولتنتصر مقاومته على الغزو والاحتلال.

للأسف، ضاع ذلك الفيلم مع المنزل الذي دمّرته القنابل والصواريخ خلال الحرب. وفي ذلك اليوم، شاهدنا أيضًا مسرحية “مدرسة المشاغبين” لعادل إمام، وسهير البابلي، وسعيد صالح، ويونس شلبي، وأحمد زكي، وحسن الإمام وآخرين—وهي مسرحية من إخراج مخرجٍ مصري صار لاحقًا من دعاة التطبيع مع الصهاينة.

محمد حسين، ووالدته التي كتبت عنها قبل عشرات السنين مقالتي “طفولة بين المقابر” وأصبح هذا العنوان عنواناً لأول كتاب لي أصدرته عن دارة الشجرة في مخيم اليرموك بدمشق سنة ٢٠٠٨. .. الخالة أم محمد وكلّ من عشتُ معهم وبينهم في مخيم شاتيلا وبالذات عائلة عمي (جميل الزين)، باقون في ذاكرتي ومخيّلتي وحياتي، بقاء فلسطين حيّةً وحرّة.

نضال حمد

1 نيسان / أبريل 2026

موقع الصفصاف – وقفة عِزْ

www.al-safsaf.com