أنا وأسعد غريب الأطوار – حسام الدلكي

الزمان اواسط الثمانينات وتحديدا عام 1988 والمكان الحي الجامعي حيدرة في احدى احياء مدينة الجزائر الراقية .. يقع هذا السكن وسط غابة جميلة محاط بالغابات من كل جانب ويقع اسفل الغابات تحديدا كوادي بين عدة مرتفات واشجار حيث يكون الحي الجامعي اسفل الوادي تماما او اخر نقطة في عمق الوادي . عندما كنا نرجع متأخرين منتصف الليل ( وهو الاغلب دائما ) بعد حفلة تسكع في الجزائر العاصمة البحرية الجميلة تكون الباصات التي تنزل لهذا الوادي او الغابة متوقفة عن العمل فنضطر ان ننزل الى السكن الجامعي مشيا بنزول حاد ممكن اثنان كلم ..
كانت جامعتي بعيدة في مدينة الاوراس التي تبعد عن العاصمة حوالي خمسمائة كلم لذلك كنا نحن الطلبة الذين ناتي من خارج العاصمة كنا ننزل في سكنات الجامعه عند اصدقائنا وغالبا كل شخص ينزل عند افراد تنظيمة الذي ينتمي اليه او الحزب الذي ينتمي الية .. هكذا كان الوضع السائد . وكان الوقت عطلة الشتاء اعتقد فكان رفاقي ليسوا في سكناتهم او معظمهم ( تبرجز) ان صح التعبير واستاجر شقق مفروشة رغم شعارات البروليتاريا فكان الميسورين من الطلبة يستاجر شقة والكادحين يقطنون السكن الجامعي المشترك الذي تنعدم به الخصوصية فالنوم مشترك والطعام مشترك والحمام مشترك لكن الحياه به بوهيمية جميلة راقت لي واصبحت جزء مني حتى بعد التخرج واحيانا للان !!!!.. … نزلت في عطلة الشتاء ذلك العام 1988 الى الجزائر قادما من منطقة الاوراس التي تغطيها الثلوج .. نزلت في حي حيدرة الجامعي جمعتني هناك صداقة ومحبة وشقاوة مع اخوه واصدقاء من حركة فتح فأرشدوني لغرفة فارغة صغيرة جدا بضع امتار بها سريرين واحد فوق الاخر مثل السجن تماما وعلى الطرف الاخر مكتبة مزدحمة بالكتب وطاوله وكرسي فقط لا غير .. قالوا لي يسكن هنا شاب هو في الحقيقة شخص مقطوع ولا يسافر ولا يدرس ايضا !! . بامكانك المبيت معه بالغرفه خلال العطلة الشتويه … دخلت الى الغرفه كان يتوسطها شاب ثلاثيني مربوع القامة قليلا لكنه ليس سمين ويلبس ملابس قديمة بنطلون جينز مغسول مئات المرات وبلوزه كاكي صوف عسكرية وجاكيت فلدة كاكي عسكرية وله شاربان كثان جدا ولحية لم تحلق منذ اسبوع … توجست احاسيس ليست جيده لمنظره للوهلة الاولى .. تعرفت علية .. قليل الكلام .. يتكلم بفم مرتخي كانه نائم وشوارب ذابلة كانها زرع ذابل لم تسقى الماء منذ اشهر .. صوته خفيض كرجل عجوز طاعن في السن .. ويحمل هموم الكون ..
سالت الشباب ما خطب هذا الرجل فكان جوابهم تهكمي …( الله لا يرده) كان له منحة دراسات عليا وله منحه ماليه اضاع كل شيء بمواقفه السياسية المتطرفه بوقوفه الى جانب المنشقين ( الذين انشقوا عن فتح عرفات عام 1983 ) هنا قررت ان هذا الانسان لا بد عظيم وعلي ان اتفهم منه ما اوصله لهذه الحال .. ..
كنت صغير العمر لا اتجاوز الواحده والعشرون ربيعا وهو تجاوز الثلاثين من العمر وبمقاييس ذلك السن يبدوا كبيرا حكيما وجليلا ..
كان قليل الكلام وصوته خفيض يشعر بالمراره والاحباط والحكمة عندما يتكلم … ما ان مكثنا معا ليله واحده في هذه الزنزانه الصغيرة حتى ارتاح لي جدا .. رغم صخبي في تلك الايام الا انه نمت وانا اسمع فقط طنين الجدران وتقليب صفحة كتاب يقرئه هو وتقليب صفحة كتاب اقراءه انا .. صامت حد الملل .. لم يكن هناك تلفزيون سوى راديو ويسمع ليلا ارسال قادم من بعيد .. في الصباح قال انه يريد الذهاب الى شارع ديدوش مراد عمود فقري الجزائر العاصمة فقلت له ساذهب معك .. احب صباح ذلك الشارع واحب مقاهي الارصفة هناك .. جلسنا في احد المقاهي على رصيف الشارع كعادة مدن البحر المتوسط… تركته وذهبت الى مكتبة الاجتهاد .. كانت مختصه ببيع مطبوعات دار التقدم في موسكو او دار الطليعة في بيروت … اشتريت كتاب اسس المعارف الفلسفية تاليف افاناسييف صادر عن دار التقدم في موسكو. وكتاب اسمه اعتقد (نقد النقد ) للمفكر جلال صادق العظم صادر عن دار الطليعه ..عدت للمقهى كان منهمكا في قراءه جريدة القبس الدولي الكويتة والتدخين( كانت اشهر صحيفة عربيه ذلك الزمان ) …
نظر الى الكتاب وقال لي ناصحا نوعية الكتب التي تقراءها تضعك تحت المجهر والشك امام هذه القطعان من الرجعيين والمهزومين وكتبة التقارير…. ناقشني في كتب جلال صادق العظم ونصحني ان اقراء العفيف الاخضر ( المفارقه ان الاخضر ارتد عن مبادئه بعد احداث الحادي عشر سبتمبر 2001 واصبح منظرا للمحافظين الجدد) واعطاني عدة عناوين للقراءه .. ياله من مثقف قل نظيره .. كم اعجبت به وبثقافته السياسية الثابته على الثوابت . في ذلك الزمان اواسط الثمانينات كانت الساحة الطلابية في اقصى حالات توترها بين حركة فتح وبداية جنوحها لخط مفاوضات وبين اليسار الفلسطيني المعارض لنهج التسوية اي لعرفات وقيادته .. وكنت كاتب هذه السطور طبعا مع التيار الثاني بل من اقطاب التيار من هذا الباب كانت نصيحة اسعد لي ..
قلت له مجيبا ان مكتبتك مليئه بالكتب التقدمية واليسارية ومجلات المعارضه من مجلات الهدف والحرية وفتح ( مجلة ابو نضال فلسطين الثورة / المقاومة ومجلة فتح الانتفاضه ايضا ) … فقال لي كان هدفي ان انشر ثقافه وفكر مقاوم في وسط الحي الجامعي الا انه سكانه غير مؤهلين لذلك لقد ولدتهم امهاتهم عبيد وسحيجة وقالها بالحرف ( دبيكة) . .. معظمهم يقتاتون بقايا موائد القيادات المهزومة من بيروت اقصى احلامهم وظيفة في مكاتب تونس او الجزائر يمضون وقتهم في مكتب المنظمة بشارع فيكتور هوجو ينافقون ويتصيدون تصريف العملة بالسوق السوداء ويتاجرون بكل شيء من بناطيل الجينز وتصريف العملة والسيارات المسروقه وحتى بالوطنية .. قالها وسكت ورجع يقراء الجريدة .. كان اسعد قليل الكلام خفيض الصوت لا يجيب الا باقتضاب شديد … … رجل دائما مهموم عكس طبيعتي حيث كنت ساخرا امارس المزاح حد المجون .. اضطررت ان اكون عاقلا مستمعا وقوراً مع رجل قليل الكلام ..
مرت عدة ليال .. انا اخرج في النهار اتسكع شوارع العاصمة وارجع ليلا غالبا يرافقني كتاب جديد او جريدة المساء الجزائرية .. قال لي انا معجب بك حسام لك موقف سياسي واضح مقاوم لكنك مندفع جدا انتبه لنفسك وتدلي برأيك امام من اعرف ومن لا تعرف فتوخى الحذر ؟؟؟ وقال لي مبشراً سنذهب غدا صباحًا الى شارع ديدوش مراد وسط الجزائر العاصمة نحتسي القهوه معا ثم بعد ذلك عندي رانديفو (قالها بالفرنسي ) ( موعد )مصيري .. .. في الصباح التالي حوالي التاسعة صحونا وجهزنا انفسنا إريد ان ارى ما هو هذا الموعد الذي استهلك من اسعد عشرات السجائر طوال الليل صامت ويفكر .. حلقت ذقني وهو لم يحلق كعادته سيذهب الى موعده دون حتى ان يحلق ذقنه!! ..
ذلك الصباح البارد نسبيا لاحظت ان السكن الجامعي خالي تماما من الطلبه .. كل رجع الى بلده .. كانت العادة تلك الايام ان نرجع لبلادنا مشتاقون لاهالينا جدا في العطل خاصة الصيف .. وكان هناك استثناء وهو ما نطلق عليه ( الطلبة المحروقين ) اي الذين معروفة انتمائاتهم السياسية وخاصة التنظيمية واخص سكان الارض المحتلة ومنهم اسعد وامثاله خوفا من الاعتقال وسكان الاردن ومنهم انا لاحقا وامثالي كنا نخشى العودة بالاجازات خوفا من ان تحجز جوازات سفرنا عند المخابرات وهذا ما حصل معي اول اجازتان صيفيتان وبعدها قررت البقاء في الجزائر مع المحروقين الذي اصبحت منهم بعد انتخابي رئيس اتحاد الطلبة بقيت هناك حتى التخرج .. وكان ايضا الطلبة الجزائريون بدورهم يرجعون الى قراهم ومدنهم البعيدة في العطل فيفرغ الحي تماما .. اذا احسست ان السكن الجامعي في المدينة الجامعية بكل مرافقها شبة خالية حد الوحشة .. لبس اسعد بنطلونه الجينز الذي كان له لون ازرق يوما ما قبل ان يتحول الى لا لون …. لون باهت ولبس بلوزه صوفية عسكرية كاكية وجاكيت عسكري بالي شهد معه معارك بيروت ضد الغزو الصهيوني عام 1982 …
ونحن خارجون من الحي الجامعي نمشي صامتين لا يكلم احدنا الاخر .. يبدو ان اسعد من نوعية الناس الذي يصحون صباحا بمزاج سيء جدا.. عكس طبعي لانه بإمكاني الرقص والغناء والمزاح اول ما استيقظ ؟؟ نوعية اسعد يحتاج بعض الوقت من السجائر والقهوة والشاي ليتعدل مزاجه .. سمعنا اثناء صمتنا صوت خرير ماء ياتي من داخل السكن المجاور ( عمارات متجاوره كل عماره بها ثلاث شقق ارضية وثلاث شقق فوق وبلكونه تطل على غابات جميلة .. دخلنا السكن فوجدنا ان الماء المقطوع منذ ايام عن الصنابير ( الحنفيات) قد عاود للتو .. وكانت كل الصنابير مفتوحة .. فاخذت انا واسعد نغلقها حتى لا تفيض الى غرف الطلبة وكانت غرفة المغاسل او الحمامات غرفة واسعه بها حوالي خمسة عشر صنبورا.. فاخذ اسعد يقفلها ..
ما ان يقفل واحده حتى تنفتح الماء متدفقة من الصنبور المقابل لها ؟
يغلق واحده فتفتح الاخرى .. وهذا يتطلب وقت لاغلاقها جميعا خاصة ان غرفه الصنابير المجاوره فتحت صنابيرها ايضا … ودخلت من جهتي محاولا الاغلاق ..
يتكرر المشهد اغلق واحده فتفتح واحده اخرى… دخل اسعد لعندي يمشي بكسل لا يتكلم وشواربه مرتخية واخذ يفتح كل الصنابير التي اغلقها!!!!!!!!
ترك الماء يجري وصوته مرتفع .. فتح كل الصنابير ؟
لا اعرف للان لماذا فعل اسعد ذلك ؟ بعد ان كان قد قام باغلاقها ؟؟
وجد الصنابير تعاكسه فعاكسها ؟
الغريب اني كنت انظر باستغراب له ولم اساله ؟
فتح كل الصنابير ومشى خارجا وانا لحقت به؟؟
اكثر من ثلاثون عاما على هذه الحكاية وللان صدقا لم اجد لها جواب؟
ركبنا الباص باتجاه وسط العاصمة .. جلسنا في مقهى .. اشترينا جريدة الشعب (جريدة رسمية جزائرية ) لظروفنا الاقتصادية تقاسمناها هو يقرأ جزء وأنا أقرأ جزء ونعاود نتبادل الأوراق .. طلبنا قهوه واشعلنا سجائر ( انا للان غير مدخن رسمي فقط للتكييف مع قهوه ) انهيت المقالات التي اود قراءتها ومعظمها تتعلق بالشؤون الجزائرية المحلية .. كنت اراقب اسعد يدخن ومنهمك بالقراءه وكنت افكر بموعده المصيري .. جلست امامي شابة جميلة مثيرة المظهر … اشعلت الشابة سيجاره وهي تنظر الي ونفخت الدخان باتجاهي بحركة داعره من فمها!!! يبدوا ان شيطاني سريع ونشيط لا يتعب كثيرا معي بالاغواء ؟ اسبوع وانا مع كآبة اسعد .. جاء دور الانبساط اليوم ؟ فكرت بنذالة كيف يمكنني التخلص من اسعد الجالس امامي ؟ كيف؟؟ اعتقد في مقهى به مرايا من جميع الجوانب استطاع اسعد الخبير والمجرب ان يفهم الامر ؟ قال لي دعك من هذه العاهره .. لا تجلب لنفسك المتاعب ؟ لو كانت محترمه لما حضرت لهذا المقهى لوحدها ؟ طبعا كنت افكر بعقل شاب صغير مراهق لم يتجاوز العشرون عاما .. خرجنا من المقهى وانا انظر للفتاه وهي تضحك بايماءات ذات مغزى .. في منتصف الطريق حاولت خلق اعذار للهروب من اسعد الذي اصبح جاثما على صدري لاعود للمقهى .. فأصر ان ارافقه في موعد يتوقف عليه مستقبله المجهول .. قال لي انت انسان محترم وعاشرتك ايام واعرف انك ابن ناس وصاحب مبدأ.. حارب شهواتك وانتصر عليها .. خجلت جدا حد اني تعرقت.. يلعن الشيطان قلت معزيا نفسي… اردفت لكن احيانا الشيطان جيد .. ضحكت ولم يضحك هو .. ركبنا الباص قطعنا عدة احياء وسط بنايات شاهقة بيضاء تطل عليها زرقة البحر الازرق اللون .. كان ما يزال عقلي بالمقهى هناك !!! وصلنا طابق مرتفع سادس او سابع لا اذكر .. طرق اسعد الباب بخوف وترقب .. فتح الباب لنا شاب جاد الملامح عابس الوجه له شوارب ولحية لم تحلق وشعر اسود مجعد لم يحلق من ثلاث اشهر ( قصة النيغرو) والاغرب يضع كوفية فلسطينية على كتفية ( سأفهم لاحقا انها عدة الشغل !!!!!) فتح لنا الباب فخرجت معه امواج من دخان سجائر ورائحة اكل دسم ( مقلوبة) قد يكون اسعد المسكين لم يتذوق طعام دسم منذ اشهر .. فخيل لي وانا انظر لهذا الشاب الجاد الملامح انه خرج لنا من خلف متراس او خندق قتال لم يبقى الا يتأبط كلاشنكوف .. لم يصافح الشاب الجاد الملامح اسعد ولم ينظر حتى الى وجهي
قال لاسعد بوجه عابس آمر ونحن على الباب يا اسعد عليك تحمل وزر اعمالك ؟
انا حاولت ان اعيد لك منحتك الدراسية لكن ابو فلان والاخ ابو علان والمناضل الفلان ومكتب المنظمه رفضوا ذلك .. فتحمل نتيجة اخطاءك ؟
اغلق الباب واسعد يحاول بصوت مستجدي ان يقنع هذا الرجل المناضل الوهمي انه فلسطيني ومناضل وقد يكون يكون اخطاء وخير الخطائين التوابون . .. نزل اسعد مهموما وانا حملت همه ايضا ونسيت شفاه فتاة المقهى … قلت له عازمك على مقهى الرصيف .. مشينا عدة كيلو مترات صامتين لا يكلم احدنا الاخر جلسنا طلبنا قهوة .. دخنا سجائر .. قلت لاسعد ما حكايتك وحكاية هذا البطل الكرتوني الذي زرناه الان ؟
تكلم معك كانه يحيي ويميت واليه المصير. لو كنت لوحدي لحطمت وجهه دون تردد لكني احترمت وجودك ! فقال اسعد انت تسأل كثير يا حسام ؟
وإنفعالك وإندفاعك وعصبيتك ستجلب لك المتاعب مع هولاء القوم.
ومع ذلك سوف اجيبك على ان تتعض من قصتي .. يا حسام انا كنت طالبًا متفوقًا في الضفة الغربية حصلت على منحة دراسية في دمشق او بيروت ( لا اذكر تماما الان اين ) .. حصل الاجتياح الصهيوني لبنان .. فتح باب التطوع للقتال …
اخترت القتال واختار المناضل الوهمي الذي ذهبنا الية النأي بنفسة حتى لا ( يحرق ) لانه من ساحة الاردن .. انتهى القتال وخرجت مع السفن التي اقلت المقاتلين من بيروت الى الجزائر بعد حرب استمرت ثلاث اشهر .. هنا حرمت من رؤية اهلي بالضفة مدى الحياه لاني اصبحت مكشوفا .. اخترت طريق الثوره والدفاع عنها .. في الجزائر سجلت دراسات عليا منحة منظمة تحرير .. حصلت انتفاضة فتح عام 1983 ( الانشقاق ) ضد قيادة عرفات .. لم اعرف السكوت فاختار ضميري الوقوف مع انتفاضة فتح خاصة بعد ان رايت كيف رقى عرفات الضباط الذين انهزموا في معركة بيروت ورايت نغمة استسلام قادمه لا محاله ..
فجاء الذين لم يحملوا حتى بندقية صيد في حياتهم ووشو بي الى منظمة التحرير ومنهم هذا المناضل الكرتوني .. النتيجة لم تاتيني موافقة الدراسات العليا هذا اولا وثانيا لن استطيع العودة الى الضفة لان سجن طويل الامد ينتظرني … والان انا كما تراني نزيل ثقيل في الحي الجامعي بدون مستقبل ولا حتى جواز سفر … ذهبت لعند هذا النكرة كونة من كتبة التقارير وشاهد حي على تاريخي النضالي عسى ان يجد لي حلا .. وها انا دون حل ؟ ضاقت بي الارض وهو يدخن ويتكلم … لاول مره منذ اسبوع يتكلم عشر دقائق متواصلة..
عدت معه مساء الى السكن الجامعي .. رأينا ضوء غرفة من بعيد وضوضاء… ذهبنا فاذا مجموعة من الشباب الفلسطينيين معهم شاب سوري. واخر لبناني يلعبون الشدة ( الورق ) جلس يلعب معهم وكأن شيئا لم يكن …
دخل شاب اخر من غزة اذكر من عائلة مقداد فوضع شريط كاسيت سيد مكاوي ( اوقات بتحلو) لم يكن ذلك الوقت سي دي … وكان يرقص طربا وانا اصفق له طربا منذ اسبوع وانا في جو اسعد الصامت ولن اقول الكئيب .. طال لعب الورق لمنتصف الليل كنا ممكن ستة او سبعة شباب تجمعنا في غرفة واحده حتى لا نشعر بالوحده …
انهينا لعب ورق شدة وقاربت الساعة الثانيه بعد منتصف الليل .. فقال اسعد ضع كاسيت اخر نسمعه.. فكان ايضا جورج وسوف .. فقال اسعد غريب الاطوار يا اخي ( اقلعه) ضع لنا امراءة تغني ناقصني ( خناشير ) بدنا نسمع صوت ( فرافير ) وليس (خناشير) .. ما بكفي كلنا هون رجال بهالغرفة السجن دعونا نستمع لصوت امراءه ؟؟؟؟؟ فوضع له نجاة الصغيره ( عيون القلب سهرانه) كان يدخن باستمتاع وهو يستمع .. … بعد عدة ايام بدأت الحياة تعود للحي الجامعي والطلبة يرجعون من بلدانهم محملون بالملوخية الناشفة والعدس المجروش واحيانا اكلات صنعتها امهاتهم .. انتعشنا بذلك عدة ايام ( قبل اختراع اليوتوب والانترنت لم يكن طعام الشرق يعرفه الغرب والعكس صحيح ) اقصد المشرق العربي والمغرب العربي..
في صباح باكر والكل نائم حملت شنطة الكتف التي بها اغراضي وقفلت عائدا الى منطقة الاوراس على بعد خمسمائة كلم .. لم أريد ان ازعج احد .. اخذت اغراضي وكتبي وخرجت بصمت .. احس بي اسعد .. لحق بي ومسك يدي واحتضنني بخجل شديد ( اعتقد هو يخجل من إظهار مشاعره ) عانقني .. احسست بهذا العناق اني احتضن جبال النار في نابلس وكل جبال الضفة وفلسطين شممت الزعتر والزيتون .. لمعت عيونه وهو يقول انت رائع ومعدنك اصيل ابقى كما انت وانتبة لنفسك .. اذا بقيت هكذا سيقطعون منحتك .. ياله من حكيم . بعد اقل من عام قطع مرتبي الحركي الذي اتقاضاه كإبن شهيد .. واكملت طريق مشاه أسعد .. للان لا اعرف اين اسعد وماذا حل به .. انقطعت اخباره .. سمعت لاحقا انه قبل عودته للقوات الفلسطينية دون ان يكمل الماجستير .. سمعت تاره انه مع القوات بالعراق .. وتاره انه عاد للضفة وسجن وتاره انه في تونس .. لكنه بقي في ذاكرتي .. تعلمت من هذه الحياه احيانا تلتقي اشخاص لساعات فيتركون بك اثر كالوشم لا يمحى .. وقد تلتقي اناس سنوات فلا يتركون بك اي اثر .. نسيت ان اقول لكم ان اسعد كان اسما حركيا لا اعرف اسمه الحقيقي .. لكن سلام عليه اينما كان .. احب فلسطين كل فلسطين .. دون مفاوضات ودون ركوع .. فقط بالكفاح المسلح المستند الى الميثاق القومي الفلسطيني لعام 1966.. ( العروبي) قبل ان يتقلص ليصبح الميثاق الوطني عام 1968 ولاحقا سيعدل ليصبح مسحوب الدسم عام 1996 .. سلام لأسعد ولأمثال أسعد ..
(من دفاتر مذكراتي)
المانيا 10/10/2021