أوروبا تعيش حالة هستيريا بعد غزو روسيا لأوكرانيا – نضال حمد

الأوروبيون حرضوا الأوكرانيين بلا توقف ضد الروس…

هذه حقيقة أكيدة لأن دول أوروبا وخاصة الشرقية منها ترتهن للموقف والضغط الأمريكيين.  فالتجربة السابقة قبل واثناء الحكم الاشتراكي لازالت ماثلة في عقول أهل شرق أوروبا. لكن ما لا يدركه هؤلاء أنه غير طبيعي أن يضعوا كل بيضهم في سلة ألولايات المتحدة البعيدة عن بلدانهم. فهم على تماس مباشر مع جارتهم العملاقة روسيا. بينما الأمريكان بعيدين جداً عن خطوط التماس. في السابق كانت كل هذه الدول على تماس مع المانيا وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية تركت تقاتل وحدها. حتى بريطاينا وفرنسا تخلتا عن الحلفاء وتركت بولندا تحت رحمة النيران والصواريخ والقنابل النازية. أعرف أن البولنديين يتذكرون ولا ينسون اقتسام بولندا بين ستالين وهتلر. النازيون احتلوا قسماً من بولندا ثم السوفييت احتلوا القسم الآخر. تم اعدام آلاف الضباط والمثقفون البولنديين في غابات كاتين. اعترفت روسيا بعد سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتي بالمذبحة تلك واعدام 1800  بولندي وحملت مسؤوليتها لستالين. مع العلم أن البولنديين يتحدثون عن نحو 20 ألفاً من الضحايا.

حلف الناتو الذي يرأسه النرويجي ينس ستلتنبيرغ الموظف لدى الادارة الأمريكية، رفض كل مطالب روسيا على مدار 15 سنة. رغم أنه كان يعرف أن نتيجة رفضه ستعني قيام الروس بغزو واحتلال أوكرانيا وتغيير جغرافيتها تماماً. رغم ذلك طالب حلف الناتو الأوكرانيين بقتال الروس، يعني تركوهم يموتون في حرب ليس لهم فيها أي أمل بالنصر. فالغرب يضحي بالأوكرانيين ويستنزف الروس بنفس الوقت. فلا أوكرانيا عضو في الناتو ولا هي ضمن دول الاتحاد الأوروبي، مما يعني أنهم غير مجبرين بدخول حرب مع روسيا لأجلها. كل هذا النفاق والتآمر على الشعوب والتضحية بالأبرياء من أجل إضعاف الروس وحصارهم وتدميرهم اقتصادياً وانهاكهم عسكرياً… ومن أجل بقاء التفوق الأمريكي وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم.

الأوروبيون يستقبلون ملايين اللاجئات الأوكرانيات مع أطفالهن ويقدمون لهن كل شيء، يسهلون لهن السفر الى كل أوروبا مجاناً مع الشراب والطعام ومصروف الجيب. لا أحد في أوروبا يعترض على تدفق اللاجئين كأننا كنا في حلم وصحونا للتو منه. فقبل أسابيع قليلة كان الحديث عن  بضع مئات أو آلاف قليلة من اللاجئين الذي يهددون مستقبل الحضارة الأوروبية. لاجئين غير مرغوب بهم هنا. مكانهم بحسب قادة أوروبا في الغابات على الحدود بين بولندا وروسيا البيضاء. في العراء والثلج والبرد القارص. فلم تنفع تدخلات ومحاولات ومساعدات جمعيات حقوق انسان بولندية محلية في زحزحة الموقف الرسمي البولندي المدعوم من دول الاتحاد الأوروبي، حتى دولة مثل النرويج صمتت وهذا يعني انها أيدت تلك السياسة اللاإنسانية.

لعل الصهاينة أكبر المستفيدين من حرب أوكرانيا

الكيان “الإسرائيلي” الاحتلالي ينتعش ويقوم بترحيل وتهجير عشرات آلاف اليهود الأوكرانيين الى فلسطين المحتلة. هؤلاء سوف يحملون السلاح ويقتلون الفلسطينيين ويستوطنون أرضهم ويسلبونهم بيوتهم وحقولهم. ثم أطفال أي أولاد هؤلاء سوف يقولون مستقبلاً أن هذه أرض أجدادهم وأجداد آباءهم وأمهاتهم، كما جرت العادة في كل مرة ومع كل يهود “اسرائيل” الذين هاجروا من الغرب والشرق للاستيطان في فلسطين المحتلة. فكل سكان “اسرائيل” مستوطنون هاجروا بنفس الطريقة عبر مؤسسات ووكالات هجرة يهودية صهيونية مدعومة وممولة أمريكيا وغربياً ويهودياً. هؤلاء الأوكرانيين في سنوات لاحقة سوف يقولون للعالم و لنا  وسوف يكرر ذلك الأوروبيون والغربيون، أن هؤلاء الأطفال ولدوا في “اسرائيل” فإلى أين يعودون أو يذهبون. فهناك ولدوا وعاشوا وهذه بيوتهم وهذا وطنهم. لكن ماذا عن ستة ملايين لاجئ فلسطيني يعيشون منذ 75 عاماً في المخيمات خارج وطنهم فيما يسكن المستوطنون اليهود الصهاينة في بيوتهم ويحتلون أرضهم ويسرقون أملاكهم وثرواتهم. ويجيء يهود أوكرانيا لماصلة الاحتلال والاستطيان.

أعداء اللاجئين في أوروبا يرحبون باللاجئين الأوكرانيين

أن أعتى الأحزاب والجماعات اليمينية الفاشية العنصرية في أوروبا رحبت باللاجئين في القارة العجوز… رحبت باللاجئات الأوكرانيات، ذوات الشعر الأشقر والبشرة البيضاء والعيون الخضر والزرق. فالحقيقة الصادمة التي أبرزتها حرب أوكرانيا هي أن هناك فرق بين لاجئ من أوروبا ولاجئ من دول افريقيا وآسيا والدول العربية والاسلامية. فبولندا التي لم تسمح بدخول أي لاجئ عربي، كردي أو مسلم أو افريقي إلى أراضيها، فتحت أبواب وحدود وبيوت البلاد وكل مؤسساتها وإداراتها ومدنها وبلداتها وقراها لاستقبال ملايين اللاجئين الأوكرانيين. سن برلمانها قوانين جديدة وخاصة تعامل اللاجئين من أوكرانيا بموجبها فوراً معاملة ممتازة، حتى أن بعض البولنديين أعتبرها أفضل حتى من معاملتهم هم أنفسهم. هذا شيء عظيم لو أنه شمل أيضاً مئات اللاجئين العالقين على الحدود مع روسيا البيضاء وفي الغابات هناك. مئات المسلمين والمسيحيين المشرقيين والأفارقة والآسيويين والعرب والكرد والأفغان وغيرهم.

نفس هؤلاء السياسيين والوزراء والبرلمانيين والحزبيين كانوا حتى وقت قريب يقولون أن بلادهم لا يمكنها استقبال هؤلاء اللاجئين (العالم ثالثيين) إن صح التعبير النتن، لأن بلادهم لا يمكنها تحمل ذلك اقتصاديا وثقافيا والخ، ولأن هؤلاء اللاجئين يشكلون خطراً على شعبهم وبلدهم وديانتهم. فعلاً إنه عذر أقبح من ذنب… فقد بان الكذب وافتضح أمرهم مع تدفق ملايين اللاجئين من أوكرانيا الى بولندا والدول الأوروبية الأخرى. الحرب في أوكرانيا قلبت كل شيء رأساً على عقب، كأن أوروبا أفعى غيرت جلدها في لحظات.

هناك إيجبيات في كل هذا السواد والدمار والقتل والنفاق

الشيء الايجابي الوحيد في هذه القصة كلها هو موقف الشعب البولندي المتضامن فعلاً والذي فتح بيوته وقلوبه للأوكرانيين وهذا تضامن صادق وحقيقي لمسته عند الناس ورأيته بأم عيني. ربما موقف الحكومة والدولة والمعارضة وغالبية السياسيين والبرلمانيين والأحزاب السياسية ووسائل الاعلام، التي كما المذكورين كلهم، تعادي الروس وتكن لهم كراهية كبيرة، بسبب العوامل التاريخية المتراكمة بين بولندا وروسيا. كل هذا ربما ساعد في تحقيق ذلك التضامن الشامل. بينما يبقى التضامن مع الشعوب الأخرى وبالذات الشعب الفلسطيني مسألة صعبة المنال ومنحصرة في أشخاص وأفراد بحد ذاتهم. فسياسة الحكومة البولندية وأحزابها وبرلمانييها ووسائل اعلامها طوال الوقت ضدنا، وتصورنا كإرهابيين وتحرض علينا وبنفس الوقت تقدم الصهاينة كضحية ومدافعين عن النفس بوجه الارهاب العربي والاسلامي، كما تقوم بتجميل وجه “اسرائيل”. بولندا متأثرة باليهود ووجودهم التاريخي فيها، أكثر من ألف عام، وبسيطرة اللوبيات اليهودية الصهيونية على وسائل الاعلام والثقافة والفن والسينما والاقتصاد والمال في البلد. فكل كراهية لليهود يسمونها هناك “معاداة للسامية” في أوروبا وفي بولندا تخدم فقط “اسرائيل” واللوبيات الصهيونية. تخدمهم هم فقط لا غير وتعزز من تفوق العامل اليهودي الصهيوني في تلك البلاد.

لو أن الاتحاد الأوروبي ليس موظفاً لدى الادارة الأمريكية كان بالامكان الاستماع لمطالب الروس المتكررة منذ 15 سنة بأنهم يرفضون ولن يسمحوا بوجود الناتو في اوكرانيا وعلى حدودهم. كان بإمكان القيادة الأوكرانية ورئيسها زيلينسكي وبالمناسبة كلهم فاسدون ومرتشون وهواة سياسة. كان بامكانهم لو لم يكونوا أدوات بيد الناتو والغرب أن يحصنوا بلدهم ويمنعوا دمارها وتشتيت وتهجير شعبها، عبر اللجوء لعقد اتفاقية تفاهم وسلام مع الروس تقيهم شر الغزو والحرب والدمار وتمنحهم ضمانمات أمنية ومستقبلية. وتبقى بنفس الوقت علاقاتهم بالاتحاد الأوروبي والناتو جيدة.

ألم يقرأ العالم ومنهم الأوكرانيين كتب التاريخ الحديث؟

ألم تقم الولايات المتحدة الأمريكية يوم أزمة الصواريخ السوفيتية في خليج كوبا بالتهديد بالحرب النووية إذا لم يسحب السوفييت صواريخهم وقواتهم من جزيرة كوبا، لأنهم اعتبروها تهديداً وجودياً لأمن الولايات المتحدة؟؟؟؟ في ذلك الوقت هددت الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام الأسلحة النووية لحل هذه المشكلة. ولم تنته الأزمة إلا باتفاقية نصت على انسحاب السوفييت وصواريخهم من كوبا مقابل سحب صواريخ الأمريكان من تركيا.

نضال حمد

14-3-2022