الأرشيفصهيونياتفلسطين

إعلام العدو: عباس يلمّح إلى أنه يستعد للتنحي

عباس يلمّح إلى أنه يستعد للتنحي، لكنه يريد القيام بذلك بطريقته مع ضمان بقاء معسكره في الحكم

هارتس

في إعلانه عن حسين الشيخ نائبًا له يتولى المهام في حال تعذّر عليه أداء عمله، يقدّم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس حلًا مؤقتًا قد يتحوّل إلى دائم. ففي وقت تمرّ فيه الساحة الفلسطينية بواحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها، يحاول عباس تنظيم مسألة الخلافة – لا بالضرورة حلّها.

ظاهريًا، فإن البيان الذي أصدره عباس أمس يبدو وثيقة قانونية جافة، إذ يحدّد توقيتًا لا تغييرًا جوهريًا. بعد أشهر من الشائعات والضغوط الداخلية، يشير عباس – الذي سيُتمّ الشهر المقبل عامه التسعين – إلى أنه يستعد لنهاية مسيرته السياسية، أو على الأقل يرغب في صياغة شروط خروجه بنفسه.

الرجل الذي مثّل طوال ثلاثة عقود “الأمل العقلاني” لدى الشعبين، والذي حظي عام 2012 بتصفيق حار في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد اعتراف المجتمع الدولي بدولة فلسطين، يحتفل اليوم بعيد ميلاده فيما الساحة الفلسطينية تقف على مفترق الطرق الأهم منذ عام 1967، وربما منذ عام 1948.

من جهة، عادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي: عشرات الدول – بينها دول أوروبية وأخرى في أميركا اللاتينية – اعترفت رسميًا بدولة فلسطين، ومئات الآلاف يتظاهرون أسبوعيًا في شوارع العواصم للمطالبة بالعدالة وإنهاء الاحتلال.

لكن من الجهة الأخرى، قطاع غزة مدمّر بعد عامين من حرب إبادة، والضفة الغربية مقطّعة بين مناطق السيطرة “الإسرائيلية”، والمجتمع الفلسطيني منقسم إلى حدّ العظم. وبعد كل ما عاشه الشعب الفلسطيني في الساحتين، فإن الفصائل – وبالأخص فتح وحماس – لا تزال تخوض صراعات داخلية، فيما تبدو شرعية القيادة الحالية هشة أكثر من أي وقت مضى، والشعب الفلسطيني يجد صعوبة في رؤيتها كعنوان حقيقي لمستقبل سياسي.

بحسب مصادر رفيعة في رام الله، يخضع عباس منذ أشهر لضغوط قوية من دول عربية ومن جهات غربية لتنفيذ إصلاحات عميقة تصل إلى مكتب الرئاسة نفسه، وكذلك داخل حركة فتح. وفي هذا الإطار، دفع باتجاه تعيين حسين الشيخ، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، نائبًا رسميًا له.

وبحسب المرسوم الدستوري الجديد، يتولى الشيخ مهام رئيس السلطة الفلسطينية في حال عجز عباس عن أداء مهامه، لمدة تصل إلى 90 يومًا – مع إمكانية تمديد لمرة واحدة إذا تعذر إجراء الانتخابات في موعدها. كذلك أعاد عباس إلى صفوف فتح ناصر القدوة، وزير الخارجية الأسبق وابن شقيقة ياسر عرفات.

لكن هذا القرار يثير تساؤلات كثيرة:

هل هو خطوة للتنحي الطوعي أم تقاعد مفروض بسبب العمر والوضع الصحي؟

هل يستطيع حسين الشيخ – المقرّب جدًا من عباس لكنه يفتقر إلى قاعدة شعبية واسعة، خصوصًا في غزة – قيادة السلطة نحو انتخابات حرّة وتجديد شرعيتها؟

وهل ستُجرى انتخابات أصلًا، ومتى؟

التاريخ السياسي الفلسطيني يُظهر أن العديد من “الخطوات المؤقتة” تحوّلت إلى دائمة: من حالة الطوارئ في السلطة، مرورًا بالانقسام بين غزة والضفة، وصولًا إلى البنى الإدارية في منظمة التحرير. ويخشى البعض أن تكون الخطوة الحالية رمزية في الأساس، هدفها تنظيم مسألة الخلافة لا حلّها فعليًا.

فضلًا عن ذلك، هناك ألغام سياسية كثيرة:

إذا جرت الانتخابات، فهل ستكون للمجلس التشريعي أيضًا؟

هل ستُسمح مشاركة حماس؟

وهل ستسمح “إسرائيل” بالتصويت في القدس الشرقية؟

كل سؤال من هذه الأسئلة يمكن أن يؤخر العملية شهورًا وربما سنوات.

جاء إعلان عباس أيضًا على خلفية حوارات المصالحة الجارية في القاهرة بين ممثلي الفصائل الفلسطينية – حماس، الجهاد الإسلامي، فصائل أخرى، إضافة إلى تيار محمد دحلان. ويشارك في هذه الاجتماعات أيضًا حسين الشيخ ورئيس جهاز المخابرات الفلسطيني ماجد فرج. لكن رغم الضغط المصري المتزايد، لم تسفر هذه الحوارات حتى الآن عن أي اتفاق سياسي واضح بشأن المستقبل.

وقد لخّص مسؤول فلسطيني الوضع بالقول:

“المحرّك يعمل، لكن السيارة على الحياد – اجتماعات كثيرة وحديث كثير، بلا نتائج ملموسة.”

وفي الميدان، الاحتلال يتوسع، والمستوطنات تكبر، والواقع اليومي في الضفة يشبه أكثر فأكثر ضمًا فعليًا. “حل الدولتين” بقي شعارًا فارغًا، فيما تتجه المنظومة السياسية الفلسطينية نحو أزمة خلافة غير مسبوقة.

ربما أراد عباس من المرسوم الدستوري أن يُظهر صورة من النظام والاستقرار، لكنه في الواقع يعكس عمق حالة عدم اليقين.

فهل هي خطوة نحو تنحي منظّم؟

أم محاولة أخيرة لترسيخ سيطرة معسكره في “اليوم التالي” – دون أن يعرف أحد بعد على ماذا بالضبط سيبقى مسيطرًا؟

27.10.2025

  • من بروفيل الاعلامي الفلسطيني ديب حوراني في فيسبوك