الأديب عماد بني حسن، الذي خطفه الموت باكراً – نضال حمد

يوم 20 مارس – آذار 2012 كان اليوم الأخير في مسيرة حياة الإعلامي والأديب والكاتب الفلسطيني، المناضل عماد بني حسن – أبو فراس-. مضى وحيداً دون استئذان وتركنا مع عالمٍ لا ندري هو عالم لنا أم علينا. تركنا عماد على غفلةٍ ليمضِ الى جبانة مخيم برج البراجنة حيث الشهداء والأصدقاء وحيث بعض الذين كانوا سبقوه الى هناك.

ففي مقبرة شهداء فلسطين قرب مخيم شاتيلا كما في المخيم نفسه لم يعد هناك مكان يتسع لقبرٍ، لشهيدٍ جديدٍ. لقد فاضت المقابر بقبور الفلسطينيين. فالمقابر امتلأت وكذلك مسجد المخيم في شاتيلا، الذي حولته حرب المخيمات الظالمة، الوحشية الى مقبرة للمُحَاصَرين داخله على مدار نحو سنتين. فكلما سقط شهيد هناك كان يدفن مع شهيد آخر داخل مسجد مخيم شاتيلا. شخصياً حرصت في السنوات الخمس الأخيرة وخلال زياراتي الى لبنان وكلما زرت مخيم شاتيلا، على أن أزور المسجد – المقبرة وأسلم على أصدقائي ورفاقي وإخوتي الشهداء.

رحل عماد بني حسن، الانسان الطيب والهادئ والمستنير، المثقف والكاتب الوطني والاعلامي الذي حرص على تعليم الأجيال الشابة مهنة الاعلام بالرغم من أنها مهنة المتاعب والآلام. افتتح مؤسسته الاعلامية – النورس- في مخيم مار الياس بدعم من رفاقه في جبهة التحرير الفلسطينية التي قدمت مقرها للرفيق عماد وللنورس، دعماً له وتشجيعاً للشبيبة الفلسطينية على الإنخراط في الدورات الاعلامية. فتحول الطابق الأرضي في المقر المذكور الى مركز لمؤسسة النورس. فيما استمر الطابق العلويّ مقراً للجبهة. حيث كان يداوم الرفاق أبو نضال ألاشقر الأمين العام للجبهة والرفيق محمد ياسين مسؤول الجبهة في ساحة لبنان، وكذلك رفاق آخرين.

الملصق تصميم خالد عيسى

قبل سنوات قمت بزيارة لمكتب الجبهة في مخيم مار الياس وكنت يومها برفقة الصديق والرفيق محمد ياسين. التقينا في مقر النورس مع الصديق والرفيق عماد بني حسن بحضور الرفيقين محمود المختار وسهيل الناطور. قام يومها الراحل أبو فراس بتعريفي بالمؤسسة، وتعرفت على الطلبة، وحضرت معهم محاضرة للصديق محمود المختار. كما أنني رأيت بأم العين كيف كان الطلبة من الجنسين الإناث والذكور، ومن الفتية والفتيات أي الشباب والصبايا، يعيشون ويعشن تلك اللحظات التعليمية. كما تحدثت مع بعضهم-ن، ثم تواصلنا لفترة من الزمن عبر البريد الالكتروني، ففي تلك الفترة من الزمن لم يكن هناك فيسبوك وواتس اب وماسنجر وتويتر كما هو الحال في هذه الأيام.

عماد أمضى معظم سنوات حياته في خدمة أهلنا بمخيمات لبنان وبالذات مخيمات برج البراجنة ومار الياس وصبرا وشاتيلا في بيروت. عماد بني حسن أو عماد ناصر، روائي وأديب له رواية مطبوعة بعنوان “خميرة الحياة” حصلت على نسخة منها منه أو من الصديق والرفيق يوسف المقدح – أبو نضال الأشقر. لم أعد أذكر ذلك بالضبط. قرأت منها صفحات قليلة وفقدتها، يبدو أنني نسيتها في الطائرة أو في القطار خلال إحدى سفراتي. لأنني لا اذكر أنني أعرتها لأي شخص. ففي العادة هناك أشخاص يستعيرون الكتب ولا يعيدونها.

وعماد بني حسن كان عضواً في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين. هنا تحضرني حادثة حصلت معي ومع عماد سنة 2011 أي قبل وفاته بسنة. التقينا في مكتب الجبهة بمار الياس وكنت يومها متوجهاً الى دمشق ومن هناك الى أوسلو بالطائرة. طلب مني عماد أن آخذ معي هويته في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين بغية ايصالها الى الاتحاد بما أنني سأمكث في دمشق بعض الوقت قبل السفر. وافقت فوراً وقلت له سوف أسلمها للرفيق أبو نضال الأشقر أو للرفيق علي عزيز أو للشاعر خالد أبو خالد أو للأديب محمد عادل. لكن الذي حصل أنني انشغلت كثيرا في الشام ونسيت هوية عماد بني حسن في حقيبتي وسافرت معي الى أوسلو. يومها خجلت كثيراً من عماد ومن هذه الحادثة، فكتبت له معتذراً ووعدته بإعادتها له أو للاتحاد في الشام عند أول عودة لي إلى دمشق. لكن في السنة نفسها اندلعت المؤامرة الكونية على سوريا وفي السنة التي تلتها اختطف الموت الصديق أبو فراس، ولم أستطع زيارة الشام إلا سنة 2014. لازالت هوية عماد لدي أمانة محفوطة عندي سوف أسلمها إلى نجله العزيز حين نلتقي من جديد في مؤسسة النورس بمخيم مار الياس أو بشكل عام في بيروت.

عماد بني حسن الأديب والمناضل والإعلامي والانسان

التحق في الجبهة الشعبية ثم خرج منها وفيما بعد أصبح صديقاً ومناصراً مقرباً جداً من جبهة التحرير الفلسطينية وقيادتها حتى ظن الجميع أنه عضواً وكادراً في صفوف الجبهة. في هذا الصدد يقول الرفيق أبو نضال الأشقر الأمين العام لجبهة التحرير الفلسطينية: “عماد بني حسن (أبو فراس) صديق للجبهة، كان ناشطاً اعلامياً ملتزماً بالقضية الفلسطينية. وموقفه الالتزام بالمقاومة وسيلة للتحرير ورفض كل أشكال المساومة”.

عمل الراحل في المجال الصحفي مع عدة صحف: جريدة الأنباء الكويتية، مجلة الشراع، جريدة الشرق، اللواء، وله عدة مقالات في الصحف والمجلات منها مجلة الهدف ومجلة القدس وموقع الصفصاف – وقفة عز. أيضاً عمل في الفترات الأولى من حياته في المجال الفني وكان له العديد من المقابلات الفنية مع كبار الفنانيين والممثلين في الساحة انذاك.

أسس في العام 1992 مجلة النورس للأنباء الفلسطينية والتي كانت تعنى بالشأن الفلسطيني في اللجوء وفي الداخل الفلسطيني. أسسها مع مجموعة من الصحفيين وكان رئيس تحريرها. استمر فيها لغاية العام 2009 كما استمر في نشر المقالات السياسية والأخبار عبر موقع وكالة النورس على شبكة الانترنت. ما زال الموقع لغاية اليوم يعمل على التطوير بشكل دائم.

كما أسسس جمعية النورس الثقافية الاعلامية للتدريب الصحفي والإعلامي في العام 2007. في مخيم مار الياس – بيروت. منها تخرج المئات من الشباب والشابات الفلسطينيين واللبنانيين على مدار عدة سنوات قبل وفاته.

توفي عماد بني حسن في العام 2012 تاركاً خلفه جيل من الشباب والشابات يعملون الآن بنفس الرسالة التي كان يسعى اليها، رسالة المنبر الحر، بعيدا عن التحزب السياسي.

في حديث لموقع الصفصاف قال نجله جاد: “عمل والدي في المجال الاجتماعي الذي يخدم القضية الفلسطينية من الجوانب الاجتماعية والانسانية.. ومن خلال أنشطة ودورات تستهدف جميع الفئات.. وقدم العديد من المساعدات التي تحفظ كرامة الفلسطينيين في فترات اللجوء داخل اللجوء، يعني اللجوء من مخيم الى مخيم أو الى تجمع آخر بسبب الحروب والويلات في لبنان.. وذلك خلال وفي أثناء الأزمات التي كان يمر فيها البلد من تداعيات سياسية”. هذا وما زالت جمعية النورس قائمة بالعمل ولو بشكل متواضع من خلال استلام نجله جاد للمركز .

رواية العزيز عماد بني حسن التي صدرت سنة 1986 هي رواية “خميرة الحياة” التي تحدث فيها عن المعتقلين والأسرى والمناضلين. في هذا الصدد يقول نجله جاد المسؤول عن مؤسسة النورس الاعلامية:”كان من مؤيدي فكرة الرواية البسيطة التي تعطي مضمون الرواية على شكل قصة، بدلاً من تكديس مئات الكلمات. ففي هذا العصر لم يعد هناك مكان للقراءة الطويلة. كما كانت الأمور في السابق.”.

نعم لم تعد الأمور كما كانت قبل ولادة مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الانترنت. ففي ذلك الوقت كنا وكان عمادنا الراحل يكتب بالقلم. الآن لم يعد الأمر كذلك فالكتابة أصبحت مباشرة على الهاتف أو اللابتوب. كان عماد كتب بيده رواية بإسم (جنازة الجندي المجهول) سوف يعمل نجله على إصدار نسخة منها في فترة قريبة.

يقول جاد باسم العائلة والأصدقاء “سوف نستمر في نفس الرسالة التي كان مؤمنا بها وكان شعاره دائما “إن القلم والبندقية هما سلاح واحد لزمن مختلف، فما دام هناك احتلال لابد أن يكون هناك إحداهما”.

كان عماد بني حسن رجلا يسعى الى التطوير والابتكار وكانت لديه أفكار دائماً إبداعية، كما كان يعزز دائماً من مهارات الشباب، من خلال طرح أفكار ومشاريع داعمة لهم وآليات تدريب متطور، كل ذلك من خلال العلاقات التي سخرها لخدمة الشباب.. ومن خلال العديد من الشخصيات والمحطات التلفزيونية. كما ومن خلال الندوات واللقاءات السياسية وغيرها. كان الرفيق والصديق عماد رجلاً متواضعاً ويحمل كل القيّم الإنسانية والأخلاقية .

يوم توفي الرفيق والصديق عماد بني حسن نعته جبهة التحرير الفلسطينية ونعته مؤسسة النورس الاعلامية ونعاه موقع الصفصافوقفة عز – حيث كان يساهم في النشر منذ تأسس الموقع قبل أكثر من عشرين عاماً. عاهدناه على البقاء في صف الفقراء والمظلومين، مع أهلنا اللاجئين في مخيماتهم، بوصلتنا فلسطين الكاملة ووسيلتنا المقاومة عبر مواصلة الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد.. شعارنا تعميم وتعزيز ثقافة الاشتباك والمقاومة وتعرية العملاء والخونة والمتساقطين والمستسلمين. فالمجد والخلود للشهداء، للفدائيين وللمناضلين أمثال عماد، الذين قدموا كل شيء لأجل فلسطين كل فلسطين.

أردت أن أسمع من بنت العم نهاد جميل حمد التي كانت من أهم الناشطات الاجتماعيات الفلسطينيات في مخيم شاتيلا وبيروت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت، شهادتها عن الصديق المشترك عماد ناصر. فإذا بها ترسل لي شهادة طويلة ولأهميتها التاريخية اخترت أن أنشرها كلها كما هي. أليكم نص رسالة نهاد حمد حول الراحل عماد بني حسن:

( عماد كان مناضل حر ينتمي للجبهة الشعبية في السبعينيات هناك عرفناه. كان صديقا للعائلة ولأخي أحمد.
اثناء الاجتياح “الاسرائيلي” وحصار بيروت، توجب على منظمة التحرير الفلسطينية مغادرة لبنان وكان عماد من الذين توجب عليهم الخروج. بحث عنا و أتى لوداعنا برفقة زوجته أطال الله بعمرها.
كان نضاله من خلال مجلة (النورس) التي أنشأها في مخيم مار الياس ببيروت ووزعت مجانا في كل المخيمات آنذاك. تناولت مقالاته هموم الشعب الفلسطيني في لبنان والداخل والشتات.
تقول نهاد: أعجبت كثيراً بالمجلة وأردت أن أعرف من هو صاحبها. سألت الشخص الذي أحضر لنا المجلة فقال لي أنه نفسه عماد ناصر هو صاحب هذه المجلة. ذهبت الى مكتبه في مخيم مار إلياس وشكرته على الجهد الجبار الذي يقوم به.
بعد فترة تبلورت في رأسي فكرة مشروع تدريب الشباب والصبايا على عمل الصحافة. ذهبت لزيارته وأخبرته بالفكرة، هو بدوره أعجب بالفكرة وبدأ العمل والاتصال مباشرة بشخصيات لبنانية وفلسطينية إعلامية لوضع خطة لتنفيذ المشروع. بالفعل تم البدء بالتحضير والإتصال لتمويل المشروع مادياً.
أتذكر أن وفداً من النرويج أعجب بالفكرة خصوصا أن المشروع كان الأول والوحيد في المجتمع الفلسطيني. دعم الوفد النرويجي المشروع وكانت بدايته توزيع كاميرات على بعض الأولاد في مخيمي شاتيلا ومار الياس.
كان الهدف أن يقوم الأولاد بتصوير كل شيء في المخيمات، كل شيءٍ من إختيارهم وبدون توجيه من أحد. كانت تجربة ناجحة وتم إقامة معرض للصور في مبنى الأونيسكو وقد حضر الافتتاح آنذاك الوزير وليد جنبلاط وبعض الشخصيات الفلسطينية واللبنانية.
كان المعرض ناجح بامتياز كما كان كله بجهود جبارة وفترة زمنية قصيرة بذلها المرحوم لإتمام العمل الذي آمن به. بعد ذلك تم افتتاح مركز في مخيم شاتيلا والاستعانه بإعلاميين فلسطينيين ولبنانيين. تخرج من المركز العديد من الشباب والشابات من مختلف المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان. توفي عماد و هو على طاولة العمل و بيده قلمه الذي كان يحاول من خلاله إيصال معاناة شعبه الذي طُرد وشُرد وهُجِر من أرضه، وحُرِم من حقوقة في بلاد الشتات واللجوء. عماد بالنسبة لي هو شهيد الكلمة الحرة والمستقلة.).

 

عماد بني حسن الذي خطفه الموت باكراً..

نضال حمد

20-3-2021