الأستاذ الشاعر صلاح حمد – أبو أشرف

إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف:

سنديانة صفصافية باشقة، منارة تعليمية وعلمية مشعة، عرفته مدارس تعليم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من النبطية الى صيدا وعين الحلوة. مربياً ومعلماً حافظ على أصالة العلم والتعليم ورسالة التربية الانسانية والوطنية. يشهد له رفاقه في التعليم بحسه العالي وأسلوبه المهاري في التعليم وغرس العلم في عقول طلابه.

كان أستاذا مُهاباً ومُحترماً ومَحبوباً من طلابه وطالباته. فرض حضوره وقوة شخصيته وسط الجميع. بعد سنين طويلة من التعليم في مدارس الوكالة وادارة المدارس الابتدائية والمتوسطة في المخيمات قام بالتعليم كذلك في الجامعة اللبنانية في مدينة صيدا. في وقت لاحق نال درجة الدكتوراة فأصبح الشاعر الدكتور صلاح محمد حمد – أبو اشرف. تلك الفترة الجامعية في جامعة صيدا كانت آخر مغامراته التعليمية. بعدها استقال من العمل وألتزم البيت ليقضي ما تبقى له من أوقات مع عائلته، بالذات مع زوجته خولة خليل حمد – أم أشرف- متنقلان بين لبنان والامارات العربية المتحدة حيث أولادهم الأربعة ناهد وأشرف وسوسن وحسان.

صلاح محمد حمد الشاعر والمعلم والمديروالقريب وابن العائلة وابن البلد جمع في حياته بين المثقف المُفَوه والخطيب المُتمكن والشاعر المرهف الحس والسياسي الملتزم بقضيته. وصل قبل سنوات الى سن التقاعد، فعندما شعر بالتعب وخيانة صحته له إختار العمل بمقولة الزعيم الراحل الحكيم جورج حبش (من تعب فليسترح) فأستراح فاسحاً المجال بنفس الوقت أمام غيره من الجيل الآخر لكي يتحملوا المسؤولية ويواصلوا المشوار.

المشوار الذي كان بدأه مع رفاقه وإخوانه في بداية ستينيات القرن الفائت، فأحيوا الآمال وشدوا العزائم وتجاوزوا الهزائم، معلنين بداية عصر فلسطيني جديد، عصر هدم الجدار ودق جدران الخزان وكسر حاجز الصمت واقتلاع الخمية وكسر القيد وطرد الخوف والتردد، والسير على درب العودة والتحرير، مثورين للجماهير كل الجماهير، من المحيط الى الخليج ومن الخليج الى المحيط، فكانت البداية مع حركة القوميين العرب ثم مع تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التنظيم المثالي في ذلك الوقت والذي راهنت عليه الأمة. كي يكون نواة الثورة والمقاومة والنضال والكفاح لأجل تحرير فلسطين كل فلسطين من الناقورة الى أم الرشراش.

صلاح حمد ابن عم والدي هو الشاعر ابن العائلة وابن البلد وابن المخيم وابن بيئته وثورته وقضيته. تجمعت فيه أصالة الانتماء للصفصاف، للجليل ولكل فلسطين العربية التاريخية، الضاربة جذورها عميقا في أرض جدنا كنعان ابن سام ابن سيدنا نوح عليه السلام.

ولد شاعرنا في الصفصاف وخرج منها طفلاً صغيراً برفقة والديه واخواته وشقيقه الأكبر منه سناً، الأستاذ والمربي الراحل العم صالح حمد –أبو عماد-. كما وله أيضا شقيق أصغر منه سناً هو العم الأستاذ أحمد حمد، الذي بدوره درس في مدرسة مخيم النبطية وفي مدارس أخرى في لبنان.

بعد النكبة كما معظم آل حمد وأهالي الصفصاف تقريباً إستقرت العائلة في نهاية المطاف بمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة صيدا. هناك تابع صلاح حمد تعليمه ودراسته، ثم بعد الانتهاء من المراحل التعليمية والتخرج أصبح أستاذاً موظفاً في مدارس الانروا لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. فتنقل بين العديد من تلك المدارس.

والده العم الفاضل محمد حمد -أبو صالح حمد-، رجل بسيط وفلاح صفصافي كادح، عشق الأرض، لكن الغزاة الصهاينة سرقوا الأرض من بين يديه وعينيه، فأضطر كما كل عائلتنا وأهل بلدتنا الى اللجوء في لبنان المجاور لفلسطين، هرباً من بطش وارهاب الغزاة الصهاينة الذين ارتكبوا مذبحة كبيرة في قرية الصفصاف، استشهد على اثرها أكثر من 100 من سكان القرية الأبرياء منهم مجموعة من عائلته آل حمد.

في المخيم عرف أنه أمام تحدٍ كبير وخطير، فالأرض احتلت والبلدة اغتصبت والبيوت هُدمت والأملاك طارت فيما بقي العقل والصحة والايمان، إذن قام مع صحبه ورفاقه واخوته بتفيعل العقل واستثمروا الصحة وتسلحوا بالايمان. فهبت جماهير المخيمات معلنة بدء النضال والكفاح لأجل العودة والتحرير. لم يخطر على بالهم أنه سوف ينطبق عليهم الشعبي العربي “صام، صام وأفطر على بصلة”. فجماعة سلام الشجعان طبقوا على شعبنا هذا المثل.

الأستاذ أبو أشرف استطاع أن يعلم أطفاله ويدرسهم حتى تخرجوا الأربعة بشهادات جامعية. ناهد وأشرف وسوسن وحسان. أبناء وبنات عم أعتز بهم وبصداقتهم.

الشاعر أبو أشرف تعلم وتعب وكد حتى أصبح أستاذاً فمديراً وشاعراً ووجهاً وطنيا وثقافياً معروفاً. فيما بعد غدى محاضراً متفرغاً في الجامعة اللبنانية بصيدا عاصمة الجنوب. ربى وعلم ودرس أجيالا عديدة من الشباب الفلسطيني واللبناني ومن الشابات الفلسطينيات واللبنانيات. كلهم يعرفونه ويتذكرونه وكلهن يتذكرنه ويعرفنه.

في العشرين من شهر نيسان سنة 2007 صادف وجودي في لبنان إقامة حفل توقيع ديوان للشاعر صلاح حمد -أبو أشرف- في مبنى الجامعة اللبنانية بمدينة صيدا. وسط حضور جمهور نوعي وعدد كبير من الطلبة والقراء والمعلمين كنت استمع لقصائده ولصوته. فقد تشرفت يومها بلقاء رفاقه وهم أساتذتي القدامى من أيام مدرستي قبية الابتدائية وحطين التكميلية، المعلمون وهم الأستاذ أحمد سعيد شريدي والأستاذ خالد العينا (غنوم) والأستاذ محمد مفلح رحمه الله. إلتقطنا صورة تذكارية مع الأستاذ صلاح حمد، الذي أهداني بدوره نسخة خاصة من ديوانه الشعري “كلمات تبحث عن معنى”.

له أعمال شعرية عديدة ومنوعة وسيرة نقابية وسياسية مشرفة، يعرفها وعرفها أهل البلدة والمخيمات في لبنان والشتات، وعرفتها جماهير شعبنا في عين الحلوة بالذات.

في احدى السنوات وربما تكون نفس السنة 2007 في ذكرى مجزرة الصفصاف أقام أهل البلدة مهرجاناً لاحياء الذكرى في مبنى بلدية صيدا حضره عدد كبير من أهالي البلدة وحضرته برفقة صديقي الراحل عامر خليل –أبو رامي-. كان عريف الحفل الأستاذ خليل شريدي، تحدث فيه مجموعة من المتحدثين بالإضافة لكلمة الصفصاف ألقاها العم أبو أشرف.

من أشعاره في ديوانه (كلمات تبحث عن معنى) إخترت لكم التالي:

لماذا الناسُ تظلمنا؟

ويظلمُ بعضُنا بعضَاً

ويبقى الحقدُ ينهشنا، بلا شَفقهْ

تآكلنا وتأكلُ بعضَها الأَحقادُ

بتنا نغتلي قلقاً

لماذا؟ تستبدُّ بنا الشكوكُ

وتصنعُ الأَوهام من أَشباحنا خِلقا؟

تضاءَلنا على أَعواد هذا الزمن القاسي

غدونا فوقها خِرقا!

وظلَّ السوسُ ينخرنا

وظلّت أُمتي مِزَقا!

 نبذة عن الشاعر الفلسطيني صلاح محمد حمد – أبو أشرف-

– ولد في “الصفصاف” في الجليل الأعلى – فلسطين سنة 1939.

– في 28/10/1948 وبسن 9 سنوات أصبح لاجئاً فلسطينياً في لبنان غداة سقوط الصفصاف في الجليل الأعلى بأيدي العصابات الصهيونية.

– أنهى دراسته الثانوية في مدرسة “الأميركان” صيدا، العام 1958، ونال الإجازة التعليمية في اللغة الإنكليزية وآدابها، والدبلوم العامة في التربية، والماجستير في الإنكليزية من الجامعة الأميركية في بيروت.

– كتب أولى قصائده العام 1954.

– في صيدا حيث نشأ وترعرع صلاح محمد حمد وتلقى التعليم الجامعي في “كلية بيروت الجامعية” و”الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، قسم اللغة الإنكليزية وآدابها”، وكذلك في “الجامعة الإسلامية في لبنان”، خلدة – بيروت.

– – بدأ مدرّساً عام 1958 في “الأونروا”، وعمل مديراً لـ”ثانوية بيسان”، و”متوسطة حطين”، و”مدرسة سلَمَة الابتدائية”، ومنسقاً لـ”دار جامعة أوكسفورد للطباعة والنشر وتعليم الإنكليزية في العالم العربي”، وقبل ذلك مدرّساً ومترجماً في “كلية الشرطة” في الرياض –السعودية-

– – في العام 1990 أنجز “مشروع التوأمة” بين “مدرسة سلَمَة” في “الأونروا”، و”المدرسة الثانوية الرسمية” في مدينة “فيلز” شمال النمسا.

– – نُظمت قصيدته الأولى في العام 1954. ونُشرت في العام 1955 في مجلة المدرسة “ثمرة الفنون” وبتنويه خاص من أستاذ اللغة العربية في مدرسة الفنون الأميركية في صيدا المربي الكبير المرحوم “يوسف أبي رزق”.

نعيد نشر قصيدته الأولى للتذكر بها:

صيحة الشعب*

إيه أَبطالَ الحِمى أَهلَ الوَغى

سرّحوا الطَّرفَ قليلاً نحوها

أَيْ فلسطينُ وقَدْ عاثتْ بها

أَيْ فلسطينُ مَقَرّاً في السَّما

شُــتـِّـتَ الأَهلُ جميعاً كُلُّهُمْ

يا فلسطينُ لقد خانــَـكِ مَنْ

خَدعوا الشَّعبَ بما قَدْ صَنعوا

جاهدَ الأَحرارُ حتى صَوْتــُهُمْ

خانَ حُكّامُ الحِمى يا وَيــْلَهم

صَوتُ أَحْرارٍ يــُنـادي مِنْ عَلٍ

طهِّروا الأَرضَ وثوروا كلُّكُم

اجمعوا الشمْلَ فهذا يومُكُم

يا شبابَ العُربِ في شَرقٍ وفي

في سبيلِ المجدِ إِنـــَّـا أُمَّةٌ

إِنَّ للشعبِ دَوياً صارِخاً

يومُ تطهيرٍ ويومٌ قاهِرٌ

يومُ  إِعلاءٍ ويومٌ  حافلٌ

قَدْ تعاهَدْنا جميعاً كلُّنا

صَيحةُ الشعبِ جَريحٌ صَوْتــُها

فتيةَ العُرْبِ وأَمجادَ العُلا

نحوَ أَرضِ القدسِ فالنَّجمُ هَوى

زُمْرَةُ الكُفرِ حُثالاتُ الوَرى

مَهْدُ عيسى ثمَّ مَسْرى المصطفى

في الفيافي والبراري والفلا

عبدوا دون عُلاك الدِّرهما

حينما قد ضيّعوا كلَّ المنى

لفَظَ الموتَ لتعزيزِ الحمى

خَسَفوا الأحرارَ كلٌّ قد غوى

حَرِّروا العُربَ وهيّا للوغى

ثورةَ الناقِمِ تــُـفْني مَنْ عَلا

يومَ مَنْ ساروا بمشعالِ الهدى

مَغربٍ للعٌربِ هيّا للفنا

تسحقُ الدُّنيا ومَن فيها اعتلى

سَوفَ يأتي يومُهُ يومُ الفِدا

كُلَّ جُرثومٍ حَليفٍ للعِدى

مَوكبَ الأَحرارِ حاظٍ بالمنى

نطلبُ المجدَ ولَوْ حُمَّ القضا

إِنْ دَوَتْ يوماً سَتهتزُّ السَّما

كتبت في تاريخ: 14-3-2014 وأعدت تحديثها في تاريخ 14-1-2022

إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف