الإسلام من باريس ولندن إلى أمستردام

نضال حمد

أظهر استطلاع للرأي  أجراه مركز “تي ان اس نيبو” الهولندي ونشرته صحيفة “بينينلاندز بيستور” الأسبوعية وهي مجلة معنية بشئون الموظفين الحكوميين أن (%58) في المئة من الهولنديين يريدون منع الحجاب وحظره على الموظفات المسلمات وذلك أثناء العمل. وأكد الاستطلاع الذي نشر يوم الجمعة بتاريخ الخامس من أغسطس – آب – 2005 أن هناك تراجعا ملحوظا في التسامح الديني في هولندا.

 فقبل سنتين أظهرت الاستطلاعات التي أجريت هناك أن معظم الناس في هولندا لا يؤيدون حظر الحجاب. هذا ويعود تدهور روح التسامح الديني في هولندا للفترة التي تلت مقتل المخرج ثيو فان جوخ الذي كان معاديا للإسلام حيث اغتيل بيد رجل هولندي من اصل عربي مغربي، وأدت تلك العملية الضارة بمصالح المسلمين الذين يعيشون في هولندا ويشكلون ستة بالمائة من سكان البلاد إلى بروز موجة عداء عنصرية ضدهم. حيث تعرضت مساجدهم ومدارسهم ومراكزهم لهجمات وأعتداءات كثيرة.

 لكن الأهم من تلك العملية هو ما عكسته على المسلمين وحياتهم في هولندا وأوروبا. فلا يوجد أدنى شك بتبدل أجواء التسامح والتعددية، وكذلك تلبدها على المستويين الأوروبي والعالمي. وهذا بحد ذاته يجعل أيضاً الاستطلاع المذكور خطيراً للغاية. لأنه يكرس ويؤكد تدهور تلك الروح المتسامحة التي كانت تميز هولندا عن غيرها من البلاد الأوروبية والعالمية. وهذا الأمر يدعو المسلمين للتنبه واليقظة ومراجعة حساباتهم الداخلية، وطرق تفكيرهم وعملهم وحياتهم وتعاملهم مع الشعوب وفي البلاد الأوروبية التي يقيمون فيها ويعتبرون جزءا منها ومن شعوبها شاء من شاء وأبى من أبى..

نشرت المجلة في تقريرها المذكور أن الهولنديون تركوا التسامح خلفهم قبل عامين إذ لم يكن لدى الغالبية أي مشكلة في رؤية مسئولة مسلمة ترتدي الحجاب”، أما الآن فهذه الصورة تغيرت. ففي عام 2005 لا تريد الغالبية أن تواجه بمسئول حكومي في ثياب إسلامية سواء كانت نقابا أو جلبابا طويلا أو حتى الحجاب”. والغريب هنا، أن الذين يعيشون في هولندا والدول الأوروبية يرون كيفية تحرك بقية الناس من الديانات وخاصة اليهودية بحرية ودونما أي عائق من طرف الذين يريدون منع الحجاب والزيّ الإسلامي. كما أن نفس هؤلاء الناس الذين يمنعون الحجاب، هم أنفسهم الذين يشرعون المخدرات وتعاطيها في الشوارع والمدارس والأماكن العامة. ففي هولندا يحق للحشاش ان يحشش ويدخن المارغوانا والحشيشة في كل مكان ويشتريه من أكشاك خاصة مرخصة من الدولة. كما يحق له شرائها في أكشاك بيع السجائر.

 يحق لكل أنواع الناس من المثليّين وغيرهم ممارسة ما يريدونه من شعائر جنسية غير طبيعية، ومن ارتداء ألبسة خلاعية. ولا يقوم أحد بمنعهم من التعرّي على الطرقات وفي الحدائق العامة أو السير على الشوارع  شبه عراة. فهل الحجاب لأخطر من المخدرات وممارسة الجنس بأشكال حيوانية تجلب كافة أنواع الأمراض والأوبئة الخطيرة؟؟ اننا في عصر ظلامي أو في زمن محاكم تفتيش حديثة. حيث يحق لكل الأجناس من الناس لباس ما يريدونه من ألبسة إنما هذا سوف لن يحق لمسلمي أوروبا في المستقبل القريب.

ذكر التقرير الذي نشرته الصحيفة الهولندية أن غالبية أعضاء المجالس المحلية يعارضون فرض حظر على الحجاب، فيما انقسمت بهذا الشأن آراء موظفي الحكومة أنفسهم. وهذه التكملة للخبر عن الاستطلاع  تجمل وجه هولندا قليلا وتعيد الأمور إلى نصابها. إذ أنه ليس من مصلحة الدول الأوروبية التضييق على المسلمين وحرمانهم من حرية العبادة واللباس، خاصة أن معظم المسلمين في القارة الأوروبية يقفون ضد العمليات الدموية التي حصلت في مدريد ولندن. لكن بنفس الوقت لا يجوز ولا يمكن لأوروبا وغيرها حرمانهم من الوقوف مع قضاياهم العادلة في مواطنهم وبلادهم الأصلية. فمن حق العراقي والفلسطيني والأفغاني واللبناني والسوري والشيشاني والبوسني والباكستاني والكشميري أن يقف إلى جانب شعبه ضد الظلم والاحتلال والإرهاب والغزاة الغرباء. ومن حقه أن يطالب بالخبز والديمقراطية والسلام والأنظمة العادلة، ومن حقه أن يرفض الأنظمة الموجهة والمسيّرة بالريمونت كونترول الأمريكي البريطاني. كما من واجب المسلم في أوروبا أن يدافع أيضا عن أمن وسلم المجتمعات التي يعيش فيها. وأن يعلن موقفه بصراحة ووضوح ضد العمليات والأعمال التي تهدد حياة الأبرياء أو تودي بها في أوروبا والعالم أجمع. وأن يتحلى بروح المسئولية العليا وأن يكون جزءا فاعلا من المجتمع الأوروبي لكن ليس على حساب دينه وعقيدته وحرية لباسه.

أما ما يحصل ويجري من اعتداءات ضد المسلمات المحجبات بالذات في بريطانيا بعد أحداث الأنفاق، والعمليات الدموية التي جرت فيها، وتلك العمليات ما كانت لتحدث لولا الموقف البريطاني المعادي لقضايا العرب والمسلمين، ولولا دوام وتواصل الاحتلال البريطاني للعراق باعتبار أن هذه هي الأسباب الحقيقية التي جعلت نفراً من المسلمين يقومون بعملياتهم تلك التي يرفضها مسلمو أوروبا.

الأخطر في هذه الأيام ان المسلمون البريطانيين أصبحوا في وضع غير آمن ويخشون على حياتهم وأرزاقهم وحرياتهم، مما دفع  بالدكتور زكي بدوي عميد الكلية الإسلامية في لندن بأن يقترح قيام النساء المسلمات بالتوقف عن ارتداء الحجاب هذا الأسبوع. وقد جاء اقتراح بدوي هذا بعدما تعرضت أكثر من 1500 مسلمة من المحجبات لاعتداءات خلال الثلاث أيام الأولى التي أعقبت تفجيرات لندن. برر بدوي ذلك الاقتراح من أجل حماية المسلمات المحجبات لأنفسهن، خاصة أن هناك تهديدات كثيرة وجدية من العنصريين بالاعتداء عليهن وصلت حتى التهديد بقتلهن. وأعتبر بدوي أن الفتوى التي أطلقها خاصة فقط بالمرأة المسلمة في بريطانيا حيث يجوز لها خلع حجابها حاليا وإذا كانت تتعرض للأذى أو تظن أنها قد تتعرض للأذى.

هذا الذي يحدث مع المحجبات في أوروبا أصبح امتدادا طبيعيا للفيلم الفرنسي الطويل، الذي شرع بالقانون منع حجاب المسلمين. ويسري قانون فرنسا شيراك على سائر المسلمين في بلاده الحرة والديمقراطية. وبذلك لازال فيلم فرنسا الطويل ساري المفعول ويعرض كل فترة في صالونات وصالات المزايدة والضغط على المسلمين. هذا وكانت فرنسا التي كرمت مؤخرا مجرم الحرب الدولي ارييل  شارون، والتي استقبلت أيضا واحداً من أالمع المجرمين اللبنانيين الانعزاليين الفاشيين د. سمير جعجع، قامت بحظر الحجاب على أراضيها.

هناك دول أوروبية عدة تدرس إمكانية القيام بنفس الشيء. كل ذلك بسبب ما يعتبرونه نزعة إسلامية تجتاح الأوساط المهاجرة في أوروبا. لكن الأمر حقيقة ليس كذلك وهو ببساطة أن المسلمون في أوروبا مستباحون ومظلومون منذ عمليات مدريد، وزاد وضعهم تعقيدا وحياتهم خطورة بعد الذي حدث مؤخرا في عاصمة الضباب. كما هناك تهديدات كثيرة تهدد حياتهم وأمنهم وحرياتهم في بلاد الحريات والتسامح والديمقراطية. وهذا  سبب إضافي ويعتبر من أسباب انتشار الإرهاب العالمي. وقد أحسن قولا عمدة لندن، كين ليفينجستون، عندما صرح بأن مواجهة الإرهاب وتحقيق الأمان للندن يكون : بدعم الشرطة والانسحاب من العراق ومعاملة المسلمين باحترام. ونضيف أيضا بحل القضية الفلسطينية  والوقوف بوجه الاحتلال الصهيوني ومحاسبته على احتلاله وجرائمه..

ترافقت هذه التقارير كلها مع بث الشريط التسجيلي الجديد لأيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة والذي توعد بريطانيا بمزيد من الهجمات على أراضيها. حيث علق على تفجيرات لندن قائلا : “أما الإنكليز أقول لهم جلب “بلير” عليكم الدمار إلى وسط لندن وسيجلب المزيد منه إن شاء الله”. وقال أيضا ان أمريكا والأمريكان سيواجهون الكوارث والأهوال مما سينسيهم فيتنام في حال استمروا في سياسات العدوان على المسلمين. ولم يغب عن بال الرجل الثاني في القاعدة تذكير من أسماهم بدول التحالف الصليبي بالهدنة التي كان اقترحها زعيم القاعدة أسامة بن لادن عليهم حيث قال : “أقول لشعوب التحالف الصليبية (الولايات المتحدة وحلفاؤها في العراق) عرضنا عليكم على الأقل أن تكفوا المظالم عن المسلمين… عرض عليكم أسد الإسلام المجاهد الشيخ أسامة بن لادن هدنة حتى تخرجوا من بلاد الإسلام. … لا نجاة لكم إلا بالانسحاب من أرضنا وإلا بالتوقف عن سرقة بترولنا وثرواتنا وإلا بكف الدعم عن الحكام الفاسدين المفسدين … لن تنعموا بالأمن قبل أن يتحقق الأمن في فلسطين وقبل انسحاب الجيوش الكافرة من أرض محمد”. يستدل من كلام الظواهري أن أوروبا ومعها أمريكا والعالم أجمع مقبلون على أوقات صعبة وأن هناك في الأفق عمليات جديدة تخطط القاعدة للقيام بها، لا أحد يعرف أين ستكون وأين ستضرب في المستقبل. وبدلاً من البحث عن حلول لظاهرة تنامي العمليات التفجيرية في أوروبا والعالم أجمع، حيث أن الإرهاب الذي أرادت أمريكا مع التحالف محاربته وإبادته كبر وأزداد بحيث أصبح مثل الخبز اليومي وقهوة الصباح والجريدة لكل المواطنين في أوروبا والعالم.

لن تنفع مكابرة كل من الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في مواجهة تلك المشكلة المعضلة. لأن الإرهاب يتوقف بزوال أسباب قيامه، والأسباب معروفة لكل الناس. كما لا يجوز قوننة الظلم وشرعنة الاحتلال والسرقة والاستيلاء على أراضي الغير بالقوة (فلسطين، العراق، أفغانستان) وكذلك استعباد الشعوب القابعة تحت الاحتلال الغريب. ببساطة البحث عن الأمن والسلام والعدالة يكون في مراجعة ونقد الذات وفي دراسة كل التجارب التي مر بها عالمنا منذ هجمات 11 أيلول الشهيرة وحتى أيامنا هذه حيث يعمل البعض على حرمان المسلمين من حرية العبادة في أوروبا الحديثة.

 

 أغسطس – آب – 2005