الجمهورية الإسلامية الإيرانية

 حطمت الشروط الصهيوأمريكية على طاولة المفاوضات النووية في فينيا لتفرض شروطها بقوة..

أكرم عبيد :

ما من شك أن توقيع الاتفاق الإيراني مع السداسية الدولية بعد مفاوضات صعبة وشاقة صادق عليه مجلس الأمن الدولي بالإجماع بعد مفاوضات استمرت حوالي اثني عشر عاما من الصبر والمثابرة والنفس الطويل حققت نصراً مهما للدبلوماسية الإيرانية التي غلبت لغة العقل والحكمة والحنكة السياسية والبرغماتية على لغة الحرب والحلول العسكرية لإسقاط كل أشكال الحصار على الجمهورية الإسلامية الإيرانية .

 وفتح الأبواب على مصرعيها أمامها لعلاقات دولية مع الغرب بشكل خاص ومعظم بلدان العالم بشكل عام على الصعيد الاقتصادي والاستثمارات السياحية وغيرها في مجالات التعاون الأخرى لحل المشكلات المعقدة التي تعصف بالمنطقة لاسيما مواجهة خطر الإرهاب حيث تلتقي مصالح الشعوب وبلدانها في الشرق والغرب

وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة من توقيع هذا الاتفاق النووي فإنه جسد مكانة إيران كقوة إقليمية مهمة ولاعب أساسي في الشرق الأوسط لا يمكن تجاوزها بعدما حققت هذا الانتصار التاريخي الذي شكل المفتاح السحري لفتح أبواب الغرب أمامها بقوة لتقول كلمتها في السياسة والاقتصاد والأمن ويشرع لها دخول النادي النووي الدولي بقوة  مما اغضب الكيان الصهيوني والنظام الوهابي التكفيري السعودي كما اغضب قوى التطرف والإرهاب الدولي وفي مقدمتها الدواعش الذين يتخوفون من تحالف دولي بمشاركة ايرانية امريكية للقضاء على هذه الظاهرة الارهابية الشاذة .

 بالرغم من تباين  ردود الأفعال الدولية بعد توقيع هذا الاتفاق التاريخي حيث رحبت معظم بلدان العلم به وعارضه البعض وفي مقدمتهم النظام الوهابي التكفيري السعودي دون أي سبب مقنع مشككاً في التزام إيران بتنفيذه ورد النظام الوهابي التكفيري على هذا الاتفاق برفع منسوب المجازر بحق أبناء الشعب اليمني بعد الغارات الجوية العنيفة ضد المدنين في الأسواق والمشافي والمدارس وغيرها .

أما الكيان الصهيوني الذي فشل في فرض شروطه على طاولة المفاوضات الدولية في فينا من خلال حلفائه الذين حاولوا بقوة ربط توقيع هذا الاتفاق بتخلي الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن اجتثاث هذا الكيان الغدة السرطانية من قلب الأمة في فلسطين المحتلة مما صدم مجرمي الحرب الصهاينة وفي مقدمتهم الإرهابي نتنياهو الذي أعلن بعيد توقيع الاتفاق الدولي مع إيران أن هذا الاتفاق غير ملزم لكيانه المصطنع في فلسطين المحتلة وان هذا لكيان سيدافع عن نفسه بطريقته الخاصة لأن إيران ستدمر هذا الكيان بعدما وصف الاتفاق بأنه خطأ تاريخي صادم وقدم لإيران جائزة كبرى بمئات المليارات من الدولارات ستمكنها من متابعة عدوانها على المنطقة والعالم على حد زعمه .

ومن جهتها اتهمت الإرهابية تسيبي ليفني نائب وزير الخارجية الصهيونية القوى الغربية بالاستسلام التاريخي لشروط محور الشر بقيادة إيران كما تزعم  وأضافت على موقع تويتر أن ” إسرائيل ستعمل بكل قوتها لوقف التصديق على هذا الاتفاق .

أما الرئيس الأمريكي باراك اوباما فقد كان له قولاً أخر في كلمة ألقاها في البيت الأبيض صباح يوم الثلاثاء 14 تموز قال “إن الاتفاق النووي أوقف مخاطر انتشار السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط وهذا رد واضح وصريح على بعض التصريحات المغرضة التي حاولت تقزيم الاتفاق ليكون بداية لسباق التسلح في المنطقة كما أشار رئيس مجلس النواب الأمريكي وغيره من القادة الصهاينة وانتظام الوهابي التكفيري في السعودية وفي نفس السياق تعمد الرئيس الأمريكي اوباما طمأنة حلفائه في الكيان الصهيوني وبعض الأنظمة الخليجية المتصهينة وقال إن إدارته ملتزمة بالدفاع عن أمن ” إسرائيل ” وستواصل تعاونها الأمني مع أنظمة الخليج وأوفد وزير الحرب الامريكي لهذه الغاية .

وتعمد الرئيس الأمريكي الرد في هذه الكلمة على القادة الصهاينة الذين أطلقوا الوعود لوقف التصديق على هذا الاتفاق في الكونغرس الأمريكي وهدد باستخدام حق الفيتو في مواجهة أي رفض محتمل من قبل أعضاء الكونغرس لهذا الاتفاق ودعا المشرعين الامريكين للعمل على إنجاح هذا الاتفاق لخدمة المصالح الأمريكية العليا والمصادقة علية خلال الفترة المحددة .

وفي هذا السياق من حقنا أن يتساءل لماذا وقع الرئيس الامريكي على هذا الاتفاق مع ايران

 والتراجع السياسي الملحوظ بعد جملة التهديدات والوعود بتدمير المنشأة النووية الإيرانية وحشد الأساطيل والبوارج والجنود في المنطقة لقرع طبول الحرب ؟؟

 وفي الحقيقة إن الإجابة على هذا السؤال ليست صعبة على المتابعين لسياسات الإدارة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والتفرد بقيادة النظام العالمي بطريقة إجرامية نازية وحشية وخاصة بعد حروبها على الشعوب المستضعفة في كل من أفغانستان والعراق والهزائم التي لحقت بجيوشها والانهيارات المالية والاقتصادية مما فرض على الرئيس اوباما الذي ورث الهزائم الكبرى في القرن الحادي والعشرين من الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الابن فقرر الانسحاب التدريجي من المنطقة بعدما فشل في المراهنة على حلفاء إدارته في المنطقة ويئس من دعم من هذه الأنظمة وفي مقدمتها الكيان الصهيوني والأنظمة الخليجية الفاشلة التي أصبحت تشكل عبء كبيراً على إدارته التي غلبت المصالح الأمريكية على غيرها بالبحث عن مناطق أخرى لنفوذها اقل كلفة وأكثر ربحية مثل جنوب شرق أسيا وإفريقيا بعدما اكتفت ذاتيا من النفط ومشتقاته وخاصة بعدما شعرت أن الأنظمة الخليجية والكيان الصهيوني أصبحت تجاهر بتفتيت منطقة الشرق الأوسط وتحويلها إلى منطقة نفوذ للإرهاب الدولي لتهديد المصالح الأمريكية بشكل خاص والأمن العالمي بشكل عام بعد دعم وتمويل وتسليح العصابات الوهابية التكفيرية وفي مقدمتها الدواعش الذين تمردوا على أسيادهم وصانعيهم في الغرب وأصبحت الإدارة الأمريكية تعتبر أن عدوها الاستراتيجي في المنطقة العصابات الإرهابية من القاعدة إلى أخواتها في النصرة الدواعش وليس إيران وهذه أصبحت نقطة خلافية مهمة بين الكيان الصهيوني والنظام الوهابي التكفيري السعودي والولايات المتحدة الامريكية .

ومن جانب أخر تعمد الرئيس الأمريكي تغليب لغة العقل على لغة الحرب وفضل الاتفاق على الحل العسكري الذي قد يورط الولايات المتحدة الأمريكية في هزائم أخرى قد تتسبب بانهيار بلادة كما حصل في الاتحاد السوفيتي بعد غزو أفغانستان .

وهناك سبب مهم وذاتي يتعلق بالرئيس الأمريكي الذي حصل في بداية ولايته على جائزة نوبل للسلام فأراد ان يختتم ولايته الثانية كصانع للسلام في أكثر من منطقة في العالم ليبرر حصوله على هذه الجائزة بعد فقدان شعبيته في الشارع الامريكي وخاصة التصالح مع الشعب الكوبي وقيادته الصامدة وإنهاء الحصار عنها ثم التصالح مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وطي ملف المفاوضات النووية بعد قطيعة استمرت حوالي خمسة وثلاثين عاما ظ.

وقد تميز هذا الاتفاق بعدة نقاط لمصلحة الشعب الإيراني وفي مقدمتها ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية استطاعت إدارة ملف المفاوضات بحكمة وحنكة سياسية استثنائية حسب مقتضيات خيارات برنامجها النووي مع العلم أنها لم تغلق أبواب منشاتها النووية في وجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولكن في حدود ما تقتضيه مصالحها وسيادتها الوطنية وبالمقابل رفضت بشكل قاطع الطلبات الغربية التي حاول البعض تسييسها للمساس بالأمن الوطني الإيراني وتمكنت من خلال صمودها في مواجهة العقوبات الغربية الظالمة من إخراج الملف النووي الإيراني من بازار السياسة والتسييس ليبقى في سياقه النووي ومرتبط بالوكالة الدولية للطاقة الذرية بعدما احتفظت بحقها في التخصيب والاحتفاظ بأكثر من عشرين ألف جهاز للطرد المركزي وجميع مفاعلاتها النووية السلمية والعسكرية مع بعض التعديلات على بعضها بالإضافة لامتلاك العقول والخبرات التي تؤهلها لاستئناف برامجها النووية بعد عشرة سنوات حسب المدة المتفق عليها كما فرضت شروطها على لجان التفتيش المكلفة بأعمال التفتيش على بعض المنشآت العسكرية ومنع أي لقاء مع العلماء الإيرانيين من قبل المفتشين الدوليين حتى لا تتكرر تجربة العراق مجدداً في إيران التي انتقلت بفعل ومفاعيل الاتفاق من دولة مارقة وداعمة للإرهاب المزعوم حسب المصطلحات الغربية إلى دولة طبيعية ومناهضة للإرهاب ويمكن التعاون معها لمواجهة خطر عصابات داعش وأخواتها في القاعدة على صعيد المنطقة والعالم بعد كسر الحصار والإفراج عن أرصدتها المجمدة في البنوك الغربية والأمريكية والتي تقدر بحوالي 120 مليار دولار أمريكي والسماح لها بالتصدير والاستيراد مما يعزز الاقتصاد الوطني الإيراني ويخلق مئات الآلاف من فرص العمل للشباب الإيراني وحركة تجارية مفتوحة على الصعيدين الداخلي والخارجي وهذا سيجعل من إيران دولة إقليمية عظمى في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والأمنية والعسكرية وسينعكس هذا الانجاز التاريخي على محور المقاومة والصمود بشكل خاص وعلى حلفاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العالم من روسيا إلى الصين إلى مجموعة بركس ومعظم بلدان أمريكا اللاتينية وغيرها .

وفي النهاية لابد من الاعتراف ببراعة الدبلوماسية الإيرانية التي استطاعت بهذا الاتفاق التأسيس لشرق أوسط جديد جسدت اليد الطولى من خلاله لمحور المقاومة والصمود بسبب التحول الاستراتيجي ما بعد توقيع هذا الاتفاق الذي سيشهد حلولا متوازنة بدعم ومساندة الروس والصينيين لملفات كثيرة في المنطقة وفي مقدمتها الملف السوري والعراقي واليمني وربما البحريني واللبناني من خلال جولات تفاوضية قد كون بعيدة عن الأضواء لتصل إلى تسويات تفرض خلالها قوى المقاومة والصمود شرطها لتحقق انتصارات جديدة قد تشكل المقدمة للتفرغ للملف الفلسطيني وحشد كل الطاقات والإمكانيات لاجتثاث الغدة السرطانية الصهيونية من جذورها لتعود المنطقة إلى أصلها وطبيعتها دون وجود الكيان الصهيوني المصطنع في فلسطين المحتلة .

 akramobeid@hotmail.com

اترك تعليقاً